أعلام

أطروحة ابن خلدون التعليمية في مقدمته

أظهر في كتابته معنى العصائبية وهو المرادف لروح الجماعة أو الانتماء لجماعة معينة والتماسك معها والتي تتناقض مع وجهة النظر الاجتماعية الشاملة للجميع

تمهيد:-

لفتت أطروحة مقدمة ابن خلدون نظر الباحثين في علم الاجتماع بكل تفاصيلها، فعندما تطلع عليها للمرة الأولى؛ تلاحظ مكانةً معتبرة يناقش فيها موضوع التعليم بشكل سياقي، ولكن بقليل من التعمُّق؛ تجد أنه قد فَصَلَهُ أبعد مما نتخيل، بشكل مشابه تماماً لما نعرفه اليوم فقد قسمهُ إلى معناه الاجتماعي المتعلق بفئات المجتمع، وإلى معناه التعليمي المتمثل بالدراية ومستويات المعرفة.

ومع نقص المعلومات المتعلقة بحالة المجتمع الإسلامي في ذلك العصر وعلى سبيل المثال من حيث التعليم؛ نجد أن ابن خلدون ضمَّن في مقدمته العديد من المعلومات الفريدة التي تعالج حالات المجتمع بشكل يختلف عن الكتابات الأخرى التي وصلت إلينا، فيمكن القول بأن مقدمة ابن خلدون تعتبر الأشمل من نظيراتها، وهو الأمر الذي ستتناوله هذه المقالة:

نظام التعليم ضمن المجتمعات الإسلامية قبل مقدمة ابن خلدون:

في تلك الحقبة كان نظام التعليم الإسلامي واحداً من أكثر الأنظمة التعليمية تقدُّماً وشُمولياً من بين كل المجتمعات العلمية حول العالم، واستمر هذا النِظام محافظاً على موقعه المتقدم حتى بداية العصر الصناعي الأوروبي. وهذا التقدم كان نابعاً من طبيعة وتكوين المجتمع الإسلامي نفسهِ.

فلقد كان المجتمع المسلم يتمتع بهيكلية وبنية متطورة مرنة ولا تقوم على نفس التنظيم الطبقي والهرمي المعروف في المجتمعات الأخرى. ففي بنيته تكوَّن المجتمع المسلم من مجموعة واسعة وكبيرة من العلماء، الأدباء والفقهاء وكان مجتمعاً مفتوحاً على كل الثقافات والمدن على امتداد رقعة البلاد الإسلامية وسواها.

 كما أنه كان مجتمعاً غير مركزي لا تنتقل فيه المناصب بالوراثة أو بشكل حصري ضمن عائلة ما، بشكل بسيط لقد كان مجتمعاً مرناً غير طبقي ولا يوجد فيه أي تسلسُل هرمي.

هذه الأمر جعل المناخ مناسباً ليشيع نظام تعليم وتربية متسع على امتداد بلاد الإسلام وقد سبق بمئات السنين أنظمتنا البيروقراطية الحديثة.

في الواقع كان النظام التعليمي في عصر ابن خلدون مشابهاً ومستنسخاً عن النظام الاجتماعي حيث كان متنوعاً متجزئاً وبنفس الوقت كان موحَّداً، فقد كان يعكس التميز الواضح والعميق نوعاً ما بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية المدنية في تلك الفترة، حيث تكون المجتمع الريفي الزراعي من المزارعين ومربي الماشية في الوقت الذي كان فيه أهل الحضر من الحرفيين التجار، رجال الدولة والجيش بالإضافة إلى رجال الدين والسياسيين.

رغم التمايز الاجتماعي بين المسلمين؛ إلا أن تمسكهم بالإسلام وبتعاليمه كان كافياً ليلغي كل هذه الفوارق وتغني المجتمع خاصة أن الإسلام كان يظهر ويطبق في كل التعاليم القرآنية التي ألزم المجتمع بتعلمها وإظهارها.

ابن الدهان الواسطي (502-612هـ)، لقب بـ "وجيه الدين"، كان واسع الصدر، شديد الذكاء، كثير الحفظ، متضلع بالفقه، بارع في العربية وأجاد عدة لغات...

حينها كان التعليم أيضاً يأخذ منحنيين، الأول هو التعليم في الأُسَر والعائلات المتواضعة حيث يكتسبه الأطفال من آبائهم ومن مدرسة بسيطة في المجتمع، بينما أبناء التجار ورجال الدين والسياسية “أبناء النخبة” كانوا يحظون بتعليم رسمي أكثر، حيث كان يُعهَد بالأبناء إلى معلمين معروفين، ومن الممكن أن يتلقوا تعليماً طويل الأمد يستمر لسنوات طوال في مدارس لا تقتصر على تحفيظ القرآن والفقه الديني.

كما أنه كان هناك مدارس تعليم مهني تؤهل الناشئين واليافعين إلى احتراف الأعمال وممارستها، وهذه المدارس كانت متاحة للجميع وتمنح كل المعرفة اللازمة سواء كانت معرفة قديمة أو من الأعمال الحديثة التي وصل لها.

ومن هذه البيئة التعليمية المتنوعة والفعّالة في العصور الوسطى؛ نشأت لدينا المعاهد والجامعة أو لنقُل المدارس العليا المخصَّصة لاستكمال التعلم ولأجل صقل الخبرات، وهذه المراكز التعليمية مع شكلها في كل من فرنسا وإيطاليا؛ كوَّنت لنا الأساس للجامعات الحديثة التي نعرفها سواء كان في علومها أو في نظام التعليم فيها.

أهمية التعلُّم الديني في نظر المسلمين قبل مقدمة ابن خلدون:-

التفقُه الديني في نظام التعليم الإسلامي لم يكن عبارة عن تعليم يُلقن لفترة محددة فحسب في حياة المتعلم، بل كان بمثابة التعليم الأساسي وكل العلوم تتمحور حوله وتأتي بعده، فالدِّين كان قبل كل شيء، والمعلمون حينها كانوا فقهاء إلى جانب كونهم فلاسفة، قضاة، أطباء أو علماء فلك وحساب.

وهذه الأهمية تأتي من صميم الفِكر الإسلامي، أي أنَّ التعليم – والذي يأخذ معنى الدين وتعليم الأخلاق – هو عملية لا تنتهي عند عُمر محدد أو لدى الوصول إلى مرحلة تعلم ما بل هي عملية تستمر مع الفرد المسلم طيلة عُمرهِ، وذلك عملاً بقول يُنسب إلى النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ونصُّه: “أطلب العلم من المهد إلى اللحد”.

وربما هذا هو السبب الأساسي الذي جعلنا اليوم نتعرف على شخصيات إسلامية مخضرمة نطلق عليها ألقاباً مثل الأديب العالم التقي، القطب، الحُجة، نظام الدين، شمس الدين، أو المعلم الولي والتي كانت تسميات نموذجية تعبِّر عن تقدم حالة التعلم وطلب العلم في تلك الفترة وازدهارها في كل من المساجد “ضمن زوايا العلماء وحَلَقات العلم” والتي عادة ما تكون حلقة علم للخطيب أو الواعظ الديني، الولي أو الفقيه المعروف بورعه وفي بعض الحالات كان يقودها أديب مخضرم أو شاعر معروف يشرح ويفسر أبياتِ الشعر أو يسرُد تاريخاً محلي أو عام، يتحدث عن أَعلام السيرة النبوية أو أعلام المعرفة، يناقش ما فكَّر به أو ما توصل إليه في عِلمه وبحثه وما على ذلك من أحاديث ودروس لن تنتهي ببعض كلمات.

كل هذا أدى إلى ولادة نظام تربوي ثقافي بنكهة إسلامية والّذي أنتج أدباً وعلماً غزيرين، ما يظهر مدى تنظيم وفعّالية هذا المنهج.

 في الواقع؛ لقد اقترح كلً من الفيلسوفين الكبيرين الفارابي و مسكويه نظرية خاصة بكل منهما تتحدث في نهايتها عن السماح لكل البشر بالوصول إلى مستوى من الكمال في التعلُّم يناسب لطبيعة كل من الأفراد.

بينما قام الماوردي باقتراح آخر، وذلك عبر إيجاد نظام وبرنامج تعليمي يقوم على التنسيق بين كل من المصالح والأهداف الدينية والمصالح العالمية التي تحُدِّد توجُّه العِلم.

وكل هذه النظريات المتعلقة بالتعليم كانت مستمدة من أصول اعتيادية وتقليدية تعود في جذورها إلى العصور اليونانية والرومانية التي تهتم بشخص الفرد وكينونته، ولا تركز على المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد أو على نوع من التعلُّم الشائع في عصر ما، وجميعهم كانوا يضعون مبادئ أساسية للتعليم حيث تتلاءم وتعمل بسرعة وبشكل مفيد تتعلق بكل من الحاجة إلى زرع بذرة الاهتمام بالطفل، تقييد السلطة وترسيخ العقاب الديني بالإضافة إلى زرع المثل العليا وضرورة التقدم العلمي.

 وقبل كل ذلك؛ تقوم المبادئ على التأكيد على أهمية العلاقات التربوية وتحدد واجبات وحقوق كل من المعلم والمتعلم.

استنساخ القيم والمثل العليا في مقدمة ابن خلدون:

أخلص ابن خلدون للحالة والموقف العام المجتمعي وضمَّنه في المقدمة أي أنه تحدث عن علم اجتماع البشر، فلم يقُم بالتعامل مع التعليم بصفته العلمية كفيلسوف، مفكِّر، واعِظ ديني أو على أنه سياسي يعمل في جهاز بيروقراطي.

فكُل من هذه المناصب قام من سبقه من المفكرين والعلماء بالحديث عن التعلم من منظورها؛ ولكنه تناول الموضوع كونه مؤرخ وعالم اجتماع في الآن ذاته.

وضمن مقدمته؛ اتبع ابن خلدون نهجاً يعكس المجتمع بكل تفاصيله وبكل أمانة حيث فصَّل نظام التعليم الإسلامي وقسَّمهُ إلى (التفريق والفصل بين المجتمع الريفي والمدني الحضري، وجود انقطاع وفصل بين تعليم الشخص الأساسي وتعليمه التجاري، ووضَّح بكل شفافية بعض الصفات السيئة التي وسمت المؤسسات التعليمية) ببساطة هو لا يقدم النظام التعليمي كما قدمه الآخرين على أنه شامل.

حيث برأيه يتوزع التعليم ويتنوع بشكل يعكس القيم المتعددة والواردة في فصول المقدمة التي كان الهدف منها استعراض التنظيم الاجتماعي وآلياته، مع ذكر السلطة بالإضافة إلى استعراض في أساليب الحياة الريفية والحضرية.

 كما أنه وضمن الفصول اللاحقة في المقدمة؛ يستعرض كل جوانب التدريب والحصول على المعرفة الفنية خلال فصلين يعتنيان بالفنون والعلوم.

العصائبية والملكية في المجتمع الاسلامي:-

أظهر في كتابته معنى العصائبية وهو المرادف لروح الجماعة أو الانتماء لجماعة معينة والتماسك معها والتي تتناقض مع وجهة النظر الاجتماعية الشاملة للجميع، وربْطها بعالم القيم، كما وضَّح أن مفهوم العصائبية كان المحور الأول الذي قام عليه المجتمع القبلي لأنَّه يمنح الجماعة الصغيرة شكلاً متماسكاً ومنظماً.

هذه العصائبية قامت بتأسيس ما نعرف بنواة الملكية التي تولَِّد مشاعر التواصل، المحبة، الوُد بين الأشخاص الذين يجمعهم الدم نفسه، فعندما يتعرض أحدهم إلى الظُّلم أو الهجوم؛ يشعر كل الافراد المرتبطين معه برابطة الدم بالفعل العدائي والإهانة وكأنها وجهت إلى شخصهم ويندفعون للدفاع عن المظلوم ويردوا الإهانة للظالم.

وهذا الميل إلى العصائبية؛ يعتبره ابن خلدون طبعاً وخِصلة وجدت لدى كل البشر بشكل دائم، وينتقل من جيل إلى آخر دون أن يتم تعليمهُ أو تلقينه للجيل الجديد وكأنه شيء يسري في الدم؛ شيء كالغريزة.

العلاقات الاجتماعية في المقدمة:-

مع أن ابن خلدون كان يولي العصائبية قيمتها في تحديد علاقات البنية الصغيرة العائلية في المجتمع إلا أنه قد أولى العلاقات أهمية كبيرة للعلاقات التي يحتاج إليها الناس ويسعون جاهدين للحفاظ عليها، حيث اعتبرها ضرورة حيوية تتكون من مجموعة قواعد منظمة للتعامل وتحدَّد بقوانين لا بد من الالتزام بها.

فكان يرى أن وظائف الفكر تلزم بـ: “السماح للناس باكتساب العلاقات وذلك عبر تعاملاتهم مع أقرانهم في العمل أو التعلُّم، وتحدد ما الذي عليهم أن يقوموا به ومع الذي لا يجب عليهم تخطيه، حتى أنها تحدد ما هو الخير وما هو السيء والشرير”

الذكاء المكتسب من التجربة:-

حدَّد عبد الرحمن ابن خلدون الذكاء التجريبي في مقدمته وقال بأن الأفراد يكون بإمكانهم عبر التجربة أن يكتشفوا بنفسهم كل القواعد والقيم التي تقوم بتوجيه أعمالهم، كما أن هذه التجربة تقوم بتحديد نوع حياتهم الاجتماعية، فيرشدنا إلى أن هذا الأمر سيحتاج إلى الوقت قائلاً: ” كل شيء يبنى على الحصول على الخبرة يحتاج إلى الوقت”.

وحدَّد ابن خلدون طريقة لاكتساب هذه التجربة أقصر بكثير وتكمن في تلقين خبرة الوالدين والشيوخ إلى الأطفال.

 وهنا يطرح لنا ابن خلدون مشكلة جديدة وهي استنساخ القيم بشكل عام، حيث وضع نفسه في مكان الفرد ليعكس حالته ولم يتحدث عن المجتمع بصورته العامة أو أن يتحدث من المنظور الوظيفي الاجتماعي الذي يعزِّز تناقل هذه القيم بحد ذاته.

ولا بد من ذكر أن ابن خلدون في هذه النقطة قد فشل في الابتعاد المتجرِّد عن موقف العام الذي تبناه وتحدث عنه العديد من المفكرين في الاجتماع والدين أو الفلسفة، ومن الممكن أن نقول بأنه فشِل في أن يكون من المتنورين.

الذي رمى إليه ابن خلدون من حديثه عن الذكاء التجريبي هو التحسينات والخلاصة الفردية التي تحتاج إلى اكتساب نوع معين من السلوك والفهم العميق لنوع معين من القواعد والقيم المجتمعية؛ ومع أنه لم يقلها صَراحةً إلّا أن النص يدور في فلك أدب التعامل، أساليب القيام به القواعد السلوكية والأعراف الاجتماعية. فالأدب لا يعبر عن الكتابات والقصص بل يصل في محتواه ليعبر عن كل مجالات الأنشطة والسلوك الإنساني.

وبالفعل قام ابن خلدون بتدوين كل التفاصيل لينضم مع كل من الماوردي والغزالي (أبو حامد) وينظِّموا هذه الآلية الأخلاقية والفقهية الدينية التي تعمل دائماً وتتسع لتعلُّم الإنسان – كما قمنا بالإشارة أعلاه.

مقدمة بمنهج اجتماعي:-

بشكل واضح يظهر نهج ابن خلدون الاجتماعي والذي تبناه واستعرضه من خلال ثلاثة أمثلة يقوم من خلالها بتحليل شجاعة أهل الريف، مدى فساد أهل المدن ووضح ظاهرة التقليد.

أولاً الشجاعة:

 اعتبر ان الشجاعة فضيلة أساسية متأصلة بين سكان الريف، فهم لا يتبعون إلى مجموعة سياسية، ميليشيا ما، كما أنه لا يوجد هناك أي جدران أو أبواب مغلقة تعوقهم، ما جعل صفة الجرأة صفة شخصية يمتلكها الريفيين وتعزز طبيعتهم”.

ومن ناحية أخرى؛ فإن هذه الفضيلة لن تجدها في المدن الأكبر لأن الأفراد فيها نشأوا في حالة من التبعية، مغلقين على أنفسهم خلف أسوارهم وأبوابهم المغلقة محميين من الحُكَّام والمليشيات التي جعلتهم يعتادوا على حالة من السلام؛ هذه الراحة والسلام جعل شجاعتهم تتلاشى تحت ثقل كل القيود الحكومية والتعليمية التي فرضت عليهم

ثانياً: فساد أهل المدن:

كان ابن خلدون يرى أن الأخلاق الفاسدة كانت سِمة لا مفر من وجودها بين أفراد أهل المدينة، وذلك نتيجة لحياة الثراء التي قادتهم إلى البحث عن كل المتع والملذات؛ ما ولَّد وكوَّن لديهم عادات جديدة ومتطلبات جديدة، فأصبح من الصعب أن يتم إرضاؤهم، ولأجل الحصول عليها وخاصة مع زيادة النفقات؛ كانوا يقومون بأي شيء، و أي وسيلة ممكنة سواء كانت أمراً جيداً أم غير أخلاقي.

في حين وعلى الجانب الأخر من المعادلة؛ يوجد أهل الريف الذين تفرِض عليهم بيئتهم أن يتعاملوا فقط مع ضروريات الحياة مما يفرض عليهم أن يسيطروا على شهيتهم، ويتحكموا في غرائزهم بشكل أكبر من أهل المدينة.

ثالثاً: ظاهرة التقليد:

يخبرنا ابن خلدون أن التقليد يُمثل ظاهرة عامة، حيث يتم السيطرة على فئة واسعة وتقوم بالهيمنة عليهم، يبدأ الأمر من الهيمنة على الأطفال من قبل آبائهم، التلاميذ المهيمن عليهم من قبل معلميهم والعامة من قبل أمرائهم، فهي ركيزة نمطية تُطبَّق على عادات المجتمع وسلوكياته.

 ويعتقد ابن خلدون أن الشخص التابع والمهيمن عليه يؤمن بكامل جوارحه بكل الافراد الذين يسيطرون عليه.

خلاصة الأمثلة:-

وضمن هذه الأمثلة الثلاث التي قام ابن خلدون بمناقشتها في مقدمته لم يقم بنقاشها وكأنها حالة فردية، بل وسَم الشجاعة بأنها صِفة أهل الريف أي شريحة من المجتمع، كذلك تحدَّث عن أخلاق الفَساد في الُمدن والتقليد التي تسيطر وتلغي الإرادة الذاتية وتبدِّلها بالتحريض المتوافق مع الظروف والأهداف.

في الواقع لم يُقم ابن خلدون بطرح هذه الأفكار صراحةً أو عبر اتباع منهجية طرح واضحة خلال تعامله مع كل جوانب استنساخ قيم المجتمع، بل كان يقوم بطرح افتراض فلسفي يقول بأن البشر الموهوبين بملكة التفكير، يقومون بتنظيم علاقاتهم مع العالم المحيط بهم وفيما بينهم تبعاً لقواعد وقوانين يكتسبوها من التجربة، والخبرة، ومما تشرَّبوه من عائلاتهم، مجتمعاتهم، وبيئاتهم الثقافية المختلفة. ليُظهر مدى عمق وظيفة المجتمع وتأثيرها في إرادة الفرد مهما كان مستواه.

أطروحة ابن خلدون – مقدمة تحفِّز على المعرفة والإدراك:-

في مقدمته؛ أورد ابن خلدون قسماً طويلاً يتمثل في فصلها الأخير يتحدث فيه عن تعلُّم العلوم والحرف تحت ما سماه “أدوات الوجود”، حيث كان يرى أن التقنيات والنتاج العلمي والمعرفي الفكري يرتبط بالعمل وبالتالي أمَّا التكهُن؛ فهو أدنى من العلم.

الحرف والعلوم في مقدمة ابن خلدون :-

تناولت المقدمة في سياقها الاجتماعي حديثاً عن تطور الفنون أو بالأحرى الحِرَف ونموِ العلوم التي تتفاعل وتتلاءم مع طبيعة الناس الروحية، درجة تدينهم ومستواهم الاجتماعي، وقد أشار ابن خلدون إلى تغيُّر نوع الاهتمام بالحِرف والعُلوم مع تغيُّر الأولويات والانتقال من نظام الريف نحو التمدُّن والتحضُّر.

في الواقع؛ يرى ابن خلدون أن الفجوة الموجودة بين العالمين الريفي والمتمدن تمثل ممراً يقود من الأساسيات إلى الإضافات والكماليات، ومن البساطة إلى التعقيد.

نلاحظ ضمن فصول المقدمة اعتماد ابن خلدون على مصطلح الصناعة – والذي قصد به الحرف بمختلف أنواعها – حيث غطى به كل الأعمال المهنية والأنشطة التطبيقية العلمية، وقام بتصنيف كل الحرف بتنوعها تبعاً لنوع استعمالها ولأهميتها في المجتمع قبل أن يخوض في نقاش فلسفي إجتماعي يوضح أي منها هو الأهم؛ وذلك بالانطلاق من كونها بنظرهِ “وسائل وأدوات الوجود”.

كما أنه قد قسَّم المراتب الدينية والفكرية المجتمعية المحددة لكل من القاضي، الفقيه، والمعلِّم وصنَّفها كحِرف بنفس مستوى باقي المهن والصناعات معتبراً إياها من وسائل الوجود، ويقول: ” مع أن هذه الحِرَف تعتبر من الأعمال النبيلة في غاياتها إلا أن القائمين عليها يتلقون رواتباً وأجوراً منخفضة بالمجمل”.

المقدِّمة وقسم تعلم الفنون والمعارف:

  في سرده البسيط والواضح؛ يخبرنا ابن خلدون أن الفنون لا تأتي هكذا، بل لا بد من أن يتم تعلُّمها لدى شخص خبير ومحترف فيها، فلا بد من أن يتم التخصُّص فيها، ومن لا يمكنه أن يتقِن أحد الفنون؛ فلا يمكنه أن يتعلم ويتقن غيره.

فالتقنية هي عمل يمزج بين العمل والفكرة المعرفية ولا يمكن أن يتم اختزال علم ما بالمعرفة السطحية عنه بل يجب تعلمها عبر المراقبة والتقليد.

فالتعلم نفسه يعتبر مَلَكَةً – هبة – عند ابن خلدون، الذي يرى أنها تُطبق على كل الأمور المعرفية – دينية كانت أم فنية وعلمية، حيث يثقل ويتبلور في روح الشخص وفكره عبر التكرار ليأخذ شكله ومكانته.

 يخبرنا أنهُ عندما يمتلك شخص ما المعرفة في فنٍ أو علمٍ ما؛ فهو يفقِد البساطة السابقة التي امتلكها قبل هذه المعرفة ويفقِد قُدرته الفِطرية على تعلم مَلَكَةً أخرى بسهولة.

تعليم العلوم وتلقينها:-

طوَّر ابن خلدون أفكاره في التدريس وعرَضَها بشكل يميل إلى الأسلوب الموسوعي، حيث يبدأ بنظريته الخاصة عن المعرفة القائمة على أسس تاريخية ومجتمعية ليظهر آلية التطور العلمي؛ ويقوم بعدها بتصنيف العلوم بين العقلانية التي يمكن فهمها والتفكر بها، والعلوم التقليدية التي تكوَّنت تِبعاً للسُّلطة العلميَّة او السياسيّة ويتحدَّث في المُقدِّمة عن تاريخها وأسباب تطورها.

وضمن المقدمة؛ نجد قسمين: الأول يطرح عبره ابن خلدون مبادئ التعليم والتدريس، والقسم الآخر يتضمن المحتوى الذي يتم تعليمه وأساليب نقله وطرحه.

المصدر:

https://muslimheritage.com/ibn-khalduns-education-muqaddima/

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى