مخطوطات

تعرّف على أنماط إضاءة المخطوطات الإسلامية

تتضمن خيوطاً وحبالاً ذهبية اللون مع لونها الساطع والمتقن

إضاءة أو العناصر التي تُشِعُ النور، هي من بين تلك الانعكاسات التي ستجدها في معظم الرسومات والزخارف الإسلامية التي تزين المخطوطات القديمة، إما في صفحاتها الأولى، أو على غلافها الذي كان في زمن ما مضى يدعى بالداعم، كما تم اتباع أسلوب مشابه في تزيين قبب الأضرحة أو في محارب المساجد المغولية والأندلسية القديمة.

 هنا لا نقصد بالإضاءة الشموع أو أشعة الشمس، ولا حتى مصابيح الكهرباء؛ بل نقصد تلك الألوان والمعادن التي تم استعمالها في العالم الإسلامي لتلوين الصفحات والتي كانت تعكس النور المُسلّط عليها، فسواءً كان مخطوطة إسلامية تقرأها تحت ضوء الشمس أو كنتَ داخل إحدى المساجد العريقة؛ فستبهر بالإضاءة الصادرة عن أدق تفاصيل.

ولكن كل هذه الروعة هي غيضٌ من فيض سحرها الذي كانت عليه خلال العصور الوسطى وبظروف الإنارة الفريدة حينها.

لذلك؛ سنقوم باستعراض عدة أنماط في استعمال إضاءة المخطوطات الإسلامية المكتوبة، والمعمارية.

إضاءة المخطوطات
الشكل (1) يظهر الملا (الفقيه) يحمل كتاباً، هذه اللوحة تستعمل فيها تقنية الإضاءة بالتلوين، بيجابور، (المكتبة البريطانية J.25,14) المجال العام.

محراب الصلاة المزخرف:

أول ما سنتمعن فيه في أساليب الإضاءة الإسلامية هو محراب الصلاة المزخرف بشكل كلي في جامع بيجابور الواقع في مدينة ديكان الهندية إحدى المدن الرئيسية التي حكمها المغول، وهناك صورة موضِحة في الشكل (2).

إن تمعنت في هذا المحراب فسنجد كتابة مخطوطات منقوشة ومزخرفة عليه بالخط العربي والتي تتمازج مع أنماط العمارة الإسلامية التي تعنى بتكرار الأنماط والرسوم بأشكال متماثلة ولكن بأحجام أصغر، فعلى سبيل المثال، نجد في المحراب ثلاث فتحات وهي المحراب الأوسط ذو الشكل المميز بالقنطرة الداخلية بينما النافذتين الجانبيتين فيأخذان نفس الشكل وكل منهما تتضمن تكرار.

وفي هذه الأشكال الثلاثة؛ يلاحظ نفور لكتب أو مخطوطات يرجح بأنها تحاكي شكر القرآن الكريم ويعلو القنطرة كل منها تجسيد لمصباح.

لقد تم التركيز على هذه العناصر في المحراب لأنها تتضمن خيوطاً وحبالاً ذهبية اللون مع لونها الساطع والمتقن، بالطبع رؤية هذه التفاصيل تحت الضوء الساطع القوي القاسي الذي يوجد في المكاتب الحديثة يخفف من مدى ألقها، فحتى تشعر بإضاءتها؛ لا بد أن يكون الضوء خفيفاً ليمكن عناصر المحراب من عكس الضوء والتألق الهادئ.

تفاصيل محراب الجامع الكبير في بيجابور مثال على إضاءة المخطوطات
الشكل (2) تفاصيل محراب الجامع الكبير في بيجابور، 1636، تم التصوير من قبل Vivek Gupta

 يلاحظ في صورة المحراب تلويناً منيراً مشعاً وأشكالا نافرة، هذه الأساليب في جعل القطع منيرة؛ كانت تطبق أيضاً على الكتب والمخطوطات الملكية والإمبراطورية، حيث كان يضاف للكتاب بعض المواد والألوان العاكسة التي تلون حواف الأوراق، داعم الكتاب، والجزء الدائم لمكان ترابط الأوراق مع بعضها.

هذه الأماكن التي عددناها غالباً ما كان الخطاطون في العصور الإسلامية السابقة يعتبرونها أماكن الإضاءة الخارجية للمخطوطة، حيث اُعتمِدَ الذهب بالإضافة إلى بعض المعادن البراقة كالفضة والقصدير في تلوينها.

 الاعتماد على المعدن في الإضاءة

وقد كان يعتمد إما على المعدن بمائه كماء الذهب وألوانه أو عبر الخيوط المعدنية والذهبية المسحوبة التي تمتلك الليونة والمرونة الكافية لتشكيلها بكل سهولة.

وهذا يظهر بشكل واضح في تلوين شمسة الكتاب في الصورة التالية، حيث تم تلوين الشمسة بماء الذهب والمعادن.

شمسة وترويسة لكوليات "مخطوطة قصائد الشعر" مثال على إضاءة المخطوطات
الشكل (3): شمسة وترويسة لكوليات “مخطوطة قصائد الشعر” التي تعود لأمير خوسرو الدهلوي، سنة 1517 (المكتبة البريطانية، 21104) المجال العام
الشكل (4): إحدى صفحات الكتاب السابق.

تمعَّن قليلاً في الصورة السابقة، فلا بد وأنك سترى اختلافاً في الإضاءة المنبثقة عن الحبال الذهبية المجدولة أو العنوان نفسه، وربما ستجد أن كل التفاصيل في الصفحة تشع ضياءً، فلنبدأ بالنظر إلى الحواف الذهبية ذات الثخن الدقيق، بعدها الحبال المجدولة المشكلة للحدود، الإطار النحاسي الداخلي، الورود المرسومة وبالطبع (الشمسات) التي تتضمن العنوان.

 هذه الكتلة -التي تزين رأس الصفحة وتُضمِن العنوان بكل ما فيها من زخارف ومساحات ملونة- يلاحَظ بأنها تُصدِر الضوء، وكأنها ذاتية الإنارة.

غياب المرجعية:

هنا لا بد من أن نذكر وبكل أسف أنه لا يوجد مرجع أو كتيب يمنحنا مصطلحات متعارف عليها بشكل موحد بين جموع الخطاطين المسلمين، ولا أي مرجعية في إضاءة وزخرفة المخطوطات سواء كانت خُطت بالعربية أو التركية، الفارسية أو الأردية الهندية.

هي فقط تسميات اعتمدت في هذه المنطقة أو تلك بين الخطاطين، فعلى سبيل الذكر لا الحصر؛ يُطلق على هذا الصندوق المزخرف اسم العنوان بكل ما فيه من زينة وعبارات، ولكن كلمة العنوان بمعناها الحرفي يدل على العبارة النصية الموضحة لكتلة النص لا على الزخارف التي توضع في الترويسة.

الفهرس:

في المكتبة البريطانية؛ يتوافر هناك فهرساً للمخطوطات الفارسية التي تعود ملكيتها للمكتبة، فيها يرجع مصطلح العنوان إلى شكل الترويسة المزخرف العلوي الذي يعتلي كتلة النص، وفي بعض الأحيان تعتلي رأس الصفحة سواءً كانت الصفحة مفردة أو صفحتين متقابلتين.

وفي كتيب المصطلحات الفارسية التي أعدته المكتبة؛ كان يشار إلى كلمة الإضاءة بمصطلح (مُذَهب) والقيام بممارسة إضاءة المخطوطات والصفحات بعملية (التَذهيب) أو عبر استعمال كلمات أخرى مشتقة من اللغة العربية والجذر (ذهب) أو تلك الكلمة الفارسية الـ(زار)، ومع ذلك فهذا الكتيب الموضِّح للمصطلحات لا يقدم إلا عدداً قليلاً من هذه المصطلحات، حتى أنه يقدم أقل حد ممكن لمصطلحات الإضاءة.

وهذا العدد القليل يرجع غالباً إلى وجود بعض الأساليب المشابهة لها في التصاميم المعمارية وآليات تطعمها، لذلك، فلم يكن يوجد أي حاجة إلى ترجمتها، توحيدها أو تدونها كمرجع خاص، وهنا، فمن الممكن أن نسميها بمصطلحاتها الإنجليزية، ولكن بنفس الوقت، فإن هذا الأمر لن يكون مرغوباً به بشكل دائم.

الشكل (4): تظهر الحافة المذهب للمخطوطة، كوليات أمير خسرو الدهلوي، 1517 (اضافة للمكتبة البريطانية، 21104) المجال العام.

النور والمصباح:

بغض النظر عن اسم التقنية أو الآلية التي يتم عبرها إضافة النور إلى الكتب وإضاءتها، فهذه العملية تميز الفنون الإسلامية المرئية من مخطوطات وعمارة، ترسيخاً لعمق النور في العقيدة الإسلامية، حيث قال الله تعالى في سورة النور الآية (24:35) ” اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ في زُجاجَة”.

هذه الآية المذهلة غالباً ما ترى منقوشة ومضاءة في المساجد وخاصة في منطقة المحراب، حيث التمازج بين الشكل المعنى، كما يمنحها والضوء بعداً ممزوجاً بالسحر المعماري والرهبة الإلهية، وهو ما نجده في مسجد بيجابور في الهند.

ربما لن تتمكن اليوم من رؤية نفس المشهد المضيء المبهر الذي عُرف في العصور الوسطى، ولكن من الممكن أن نجري محاكاةً لتلك الظروف والاضاءة، وذلك من خلال النظر إليها عبر إضاءة الشموع أو بتعريض الكتاب مثلاً إلى أضواء خافتة.

 أو يمكن تبني منهجاً علمياً في هذا الصدد، كما يقوم اليوم مجموعة من العلماء المعماريين والمؤرخين في محاكاتهم للمشاهد والأركان في مسجد قرطبة إن تمت إضاءتها رقمياً عبر الحاسوب بنفس ظروف الإضاءة التي كانت تتم من خلال مصابيح الإنارة الزجاجية القديمة.

ضريح أحمد شاه
الشكل (5): ضريح أحمد شاه (الذي حكم بين 1422 -1436) أشتور، بيدار. تصوير Vivek Gupta

تميز قبة الضريح الإسلامي:

في الحقيقة أنماط الإضاءة لم تقتصر في الثقافة الإسلامية على المخطوطات النفيسة أوفي المساجد؛ بل
ستجدها أيضاً في قبب الأضرحة الخاصة بالشخصيات الكبيرة، ففي أوائل القرن الخامس عشر؛ تم بناء مزار
أو ضريح في ديكان، هذا الضريح المضيء الذي تم دراسته من قبل مندوبي المكتبة البريطانية والباحثة
هيلين فيون.

تعلقت هذه الدراسات بمقارنة قبة الضريح مع القبب الهندية (اليانترا) حيث لوحظ تميز الأولى بالآيات
القرآنية، بالإضافة إلى إضاءة القبة باللون الذهبي عبر أشكال الزهور والشمسات المتكررة، أو مجموعة
النجوم المتناثرة.

إن قمت بزيارة هذا الضريح وتم إشعال المصابيح التقليدية فيه؛ فتوقع أن تتلألئ وتسلط انعكاساتها على زوار الضريح.

في النهاية؛ لا بد من أن نعترف بأن فن الإضاءة والتلوين في الثقافة الإسلامية ليس بالعمل السهل
والبسيط، بل هو تقنية تربط فيها آليات انتشار الضوء وانعكاسه مع الجانب الروحي لمكان الإضاءة، لذلك
إن قُمتَ بالنظر إلى إحدى التحف الإسلامية المضيئة وانبهرت بها؛ فحاول تخيل روعتها إن شاهدتها في تلك
الظروف الغابرة.

يذكر أن المكتبة البريطانية قد عملت على دراسة المخطوطات الفارسية الكاملة (100 مخطوطة) لتطور منها
كتيباً صغيراً يتضمن إضاءة الفهرسة وأساليبها المتبعة في المخطوطات الفارسية.

المصادر:

https://blogs.bl.uk/asian-and-african/2019/08/emanating-light-illumination-in-islamic-manuscripts.html

للقراءة بتعمق أكثر:

Akimushkin, Oleg F. and Anatol A. Ivanov. 1979. “The Art of Illumination.” In The Arts of the Book in Central Asia, 14th-16th Centuries, ed. Basil Gray, London: Serindia, 35-57.

Brend, Barbara. 2015. “The Management of Light in Persian Painting.” In God is the Light of the Heavens and the Earth: Light in Islamic Art and Culture, eds. Jonathan Bloom and Sheila Blair, New Haven: Yale University Press, 198-229.

Gruber, Christiane. 2019. The Praiseworthy One: the Prophet Muhammad in Islamic texts and images. Bloomington: Indiana University Press.

Waley, Muhammad Isa. 1997. “Illumination and its Function in Islamic Manuscripts.” In Scribes et manuscrits du Moyen-Orient, eds. François Déroche and Francis Richard, Paris: Bibliothèque Nationale de France, 87-112.

Wright, Elaine. 2018. Lapis and gold: exploring Chester Beatty’s Ruzbihan Qur’an. London: Chester Beatty Library in association with Ad Ilissvm.

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى