معلومات تاريخية

تاريخ عبادة الأصنام في مكة ومحيطها

مَناة : هو أقدم الأصنام، وكان منصوباً على ساحل البحر الأحمر بقديد بين مكة والمدينة

توطئة:-

كان الشيطان ولا يزال العدو الأول للإنسان، كيف لا! وهو يرى أنه سبب في سخط الله عليه، وقد توعد
الشيطان بني آدم، وقال: إنه سيعمل على إضلالهم، ولما كان الشيطان يعلم أنه يصعب عليه إضلال
الموحدين، كانت له مداخل عدة، وخطوات تدريجية ليحل الكفر والشرك محل الإيمان، وهذا ما سنجده في
أصل عبادة الأصنام عند العرب، وسنرى كيف استعان الشيطان بشياطين الإنس.

أصل عبادة الأصنام:-

يختلف أصل عبادة الأصنام باختلاف الأزمنة والأماكن، وإن كانت في الغالب تسير بنفس الخطوات، فتبدأ:

  • بالتبرك ببعض الأشياء المقدسة، مثل حجارة الكعبة، ثم عبادتها.
  • تذكر اجتهاد الصالحين الذين توفاهم الله؛ من خلال عمل تماثيل لهم، ثم مع الوقت يعبدون.
  • الجزع بسبب موت بعض الأشخاص، وعمل تماثيل لهم لتخليد ذكراهم، ومع الزمن تُعبد هذه التماثيل.

أصل عبادة الأصنام في مكة:-

كانت العرب في الجزيرة العربية تعبد الله الواحد الأحد، وتدين بدين إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من
المشركين، ثم غيروا دينهم، وزيّن لهم الشيطان عبادة الأصنام ، فاتخذوها آلهة من دون الله، وهناك عدة
روايات تحاول أن تبيّن كيفية تغيير دين إبراهيم و عبادة الأصنام في مكة ، من أهمها:

التبرك بحجارة الكعبة:-

لما ضاقت مكة على بني إسماعيل وجرهم، وقرروا أن يلتمسوا المعاش في غيرها، صاروا يحملون حجارة من
الحرم معهم، تعظيمًا للحرم، وحبًا له؛ وكانوا يطوفون حول تلك الحجارة مثل طوافهم حول الكعبة، ثم
صاروا يعبدون ما استحسنوا من حجارة الحرم، وبعد ذلك جاء جيل نسي ما كان عليه آباؤه من عبادة الله،
وعبد الأصنام من دون الله، لكنهم أبقوا من دين إبراهيم على الطواف بالبيت، وتعظيمه، والحج والعمرة
والوقوف بعرفات والمزدلفة….

وهنا يقول هشام بن محمد بن السائب الكلبي أبو المنذر (ابن الكلبي) : ” وكان الذي سَلَخ بهم إلى عبادة
الأوثان؛ أنه كان لا يظعن ظاعنٌ إلا احتمل معهُ حجرٌ من حِجارة الحرم، تعظيماً للحرم وصَبابة بمكة،
فحيثما حلُّوا، وضعوه وطافوا كطوافهم بالكعبة، يتمُّناً منهم وصبابة بالحرم وحُبَّاً له، وهم بعدُ يعظِّمون
الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام”.

ويزيد في كتابه “الأصنام”: ثم سَلَخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين
إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم”.

ويختم قائلاً: “وانتجثوا (استخرجوا) ما كان يعبدُ قوم نوح عليه السلام منها، على إرث ما بقي فيهم من
ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسَّكونَ بها: من تعظيمِ البيت، والطوافِ به،
والحَج، والعُمرة، والوقوفِ على عَرفة ومزدلفة، وإهداء البُدن، والإهلال بالحجِّ والعُمرة، مع إدخالهم ما
ليس منه”.

عبادة الأصنام في مكة

عمرو بن لحي و عبادة الأصنام:-

يعد عمرو من أهم سادات خزاعة التي تغلبت على جرهم، وحلت محلها في الحرم، وينسب إليه أنه أول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام، وأنه أوصل من سيب السائبة ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، ودعا إلى عبادة الأصنام ، وغيّر تلبية الحج، ودعا إلى عبادة آساف ونائلة، ونصب سبعة أصنام بمنى

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم جزاءه في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه –أمعاءه- في النار، فكان أول من سيب السوائب  ) ، وفي رواية: ( أول من غير دين إبراهيم).

وهناك عدة روايات تحكي لنا كيف كان عمرو بن لحي سببًا في بداية عبادة الأصنام في مكة ، من أهمها:

1-خروج أصنام قوم نوح من ساحل جدة:-

كان عمرو بن لحي كاهنًا، فقال له رائيه -التابع من الجن الذي يأتي بالأخبار- يومًا:

عَجِّلِ السَّيْرَ وَالظَّعْنَ مِنْ تِهَامَةَ،

 بِالسَّعْدِ وَالسَّلَامَةِ،

 إِئْتِ جُدَّةَ،

 تَجِدْ فِيهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً،

فَأَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ،

 ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ.

وبالفعل استخرج عمرو الأصنام من جدة، ودعا العرب لعبادتها، فأجابوه لذلك.

استيراد الصنم:-

قدم عمرو بن لحي الشام، ليقضي بعض الأغراض فيها، فلما بلغ مأرب، وجدهم يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا له :”هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها تمطرنا، ونستنصرها فانصرنا”

فطلب منهم أن يأخذ بعض الأصنام معه إلى جزيرة العرب، فأعطوه صنم يُقال له هبل، فذهب به إلى مكة، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.

وفي رواية ابن الكلبي أنه (عمرو) مَرِضَ مَرَضاً شديداً ، فقيلَ له: إن بالبلقاء من الشأم حَمَّةً إن أتيتيها؛ برَأتَ، فأتاها فاستحمَّ بها، فبَرِأ،  ووجد أهلَها يعبُدون الأصنام، فقال: ما هذه؟، فقالوا: نستسقي بها المطّر ونَستنصِرُ بها على العدو، فسألهم أن يُعطُوه مِنها، فَفَعلوا، فَقدِم بها مكّة ونصبها حَول الكعبة.

تنصيب سبعة أصنام بمنى:-

قال محمد ابن إسحاق :”إن عمرو بن لحى نصَّب بمنى سبعة أصنام، نصَّب صنمًا على القرين الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى المدعى صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، ونصب على شفير الوادي صنمًا، وفوق الجمرة العظمى صنمًا؛ وعلى الجمرة العظمى صنمًا، وقسم عليهن حصى الجمار إحدى وعشرين حصاة يرمي كل وثن منها بثلاث حصيات ويقال للوثن حين يرمي: أنت أكبر من فلان، الصنم  الذي يرمي قبله.”

الدعوة إلى عبادة إساف ونائلة:-

يزعم رواة هذه الأسطورة أن إسافاً ونائلة كانا فتى وامرأة، فلما فجر آساف بنائلة، مسخهما الله لحجرين، ويقال: إن عمرو بن لحي هو من دعا لعبادتهما من دون الله.

ومن الباحثين من يرى أن إسافاً ونائلة يمثلون العلاقة الرمزية بين الرجل والمرأة والخصوبة، وأنها آلهة الخصوبة.

وهناك رواية تذهب باتجاه أن إسافاً (رجل من جرهم يقال له إساف بن يعلى) ونائلة (بنت زيد من جرهم)؛ كانا يعشقان بعضهما في أرض اليمن، فأقبلا حُجَّاجاً، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت، فَفَجَرَ بها في البيت، فمُسِخا، فأصبحوا فوجدوهما مِخسين، فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خُزاعة وقُريش، ومن حَجَّ البيت بعدُ من العرب.

ومهما يكن الأمر فلا شك أن عمرو هذا كان له دور في تغيير دين إبراهيم وعبادة الأصنام في مكة ، ولعله ليس بطل جميع القصص السابقة، ولكن ذلك لا ينفي أنه من أهم أسباب انتشار عبادة الأصنام ؛ وإلا لما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه يجر أمعاءه في النار.

أسماء الأصنام والقبائل التي عظَّمتها:-

  • مَناة : هو أقدم الأصنام، وكان منصوباً على ساحل البحر الأحمر بقديد بين مكة والمدينة، ولم يكُن أشَدُّ إعظاماً له من الأوس والخزرج، وكانوا وسواهم يعظمونه ويذبحونَ له ويهدُون له، وحينما جاء الإسلام؛ بعث النبي الكريم علياً بني أبي طالب كرَّم الله وجهه فهدمها وأخذ ما فيها.
  • اللات: بالطائف، وهي أحدث عهداً من مَناة، وكانت صَخرة مربعة، وكان يهوديٌ يَلُتُّ عندها السَّوِيق، وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب تعظِّمها، ولم تزل كذلك حتى أسلَمَت ثقيف، فبعثَ الرسول عليه السلام المُغيرة بن شُعبة فهدمها وحرَّقها بالنَّار.
  • العُزَّى: وهي أحدث عهداً من كل من اللاة ومَناة، وكان الذي اتخذها؛ ظالِم بن أسعد،وكانت أعظم الأصنام عند قُريش، وكانوا يزورونها ويُهدُون لها، ويتقرّبون عندها بالذَّبح.

 كما كانت قريش قد حَمَت للعُزَّى شِعباً من وادي حُراض يقال له سُقام، يضاهون به حَرَمَ الكعبة،  وكان سدَنتُها بنو شيبان بن جابر بن مُرَّة من بني سليم، وعبد العُزَّى من أقدم ما سمَّت به العرب.

فلمَّا كان عام الفتح؛ دعا النبي الأعظم عليه السلام؛ خالداً بن الوليد ليقوم بذات المهمة التي قام بها علي والمغيرة.

  • هُبَل: وهو من الأصنام التي كانت قريش تعظِّمهُا وتضعها حول وفي جوف الكعبة وأمامه سبعة أقداح للاستقسام، وهو من عقيق أحمر على هيئة آدمية، مسكور اليد اليمنى، أدركته قريش ممن قبلها، فجعلوا له يداً من ذهب، وكان أولُّ من نصَّبه خُزيمة بن مُدركة بن اليأس بن مُضر.
  • إساف ونائلة: لمَّا مُسِخا حَجَرين؛ وُضِعا عند الكعبة كموعظة للنَّاس، فلمَّا طال بقاؤهما وعُبِدَت الأصنام؛ عُبِدا معها، وكان أحدهما ملاصقاً للكعبة والثاني في موضع زمزم، فنقلت قريش القريب من الكعبة بقرب الآخر، وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، ويوم فتح مكة تم اخراجهما وحرقهما.
  • مناف: وفيه كانت تُسمِّي قريش “عبد مناف”، ولم تكُن الحُيَّض من النساء تدنو من أصنامهم، ولا تَمَسَّحُ بها، إنمَّا تقفُ على مسافة منها.
  • ذو الخلصة: وكانت مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وقد كان موضعها في تباله بين مكة واليمن، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، ولقيت تعظيماً من قِبل خئعم وبجيلة وأزد السراة ومن أقاربهم من بطون العرب من هوازن.
  • ذو الكَفَّين: كان لدوس ثم لبني منهب بن دوس، فلمَّا أسلموا؛ بعث النبي الكريم الطُّفيل بن عمرو الدَّوسي فحَرَّقهُ.
  • الأقيصر: كان لقضاعة ولخم وجُذام وعاملة وقطفان وذلك في مشارف الشَّام، وقد ذكره زهير بن أبي سُلمى في أشعاره.
  • نُهمُ : كان لمزينة وبه كانت تسمى “عبد نُهمٍ” وكان سادن هذا الصنم يسمى خُزاعى بن عًبدِ نُهمٍ من مُزينة ثم من بني عَدَّاءٍ.
  • عائم: وكان لأزد السراة.
  • سُعَير: وكان لقبيلة عَنَزَةَ.

وكانت للعرب حجارة غير منصوبة، يطوفون بها ويعترون عندها، يسمونها الأنصاب، ويُسمُّون الطَّوافَ بها الدَّوَار.

الحرم المكي الشريف التي تم تطهيره من الأوثان
الحرم المكي الشريف التي تم تطهيره من الأوثان- الصورة في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:-

أخبار مكة، للأزرقي، ص185:189، مطبعة الأسدي، طبعة أولى.

موسوعة أساطير العرب، الجزء الثاني ص 158: 162، دار الفارابي، الطبعة الأولى.

الأصنام، هشام بن محمد بن السائب الكلبي أبو المنذر.

صورة من حساب مناور سليمان على التويتر.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى