أعلام

الإمام تاج الدين السبكي .. قاضي القضاة والباحث المؤرخ

ابن كثير: "جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله"

اسمه ونشأته:-

الإمام تاج الدين السبكي هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السُّبْكي الشافعي، قاضي القضاة، الإمام الباحث المؤرخ، نسبته إلى سُبْك من أعمال المنوفية بمصر، وُلِدَ في القاهرة سنة 727هـ.

نشأ في بيت عريق في التقوى والعلم، إذ كان أبوه الإمام تقي الدين السبكي قاضي القضاة الذي أمدَّ نجله النجيب بالعلم والأدب والفقه.

ابن حوقل زار ديار الإمام تاج الدين السُّبْكي في مصر
ابن حوقل زار ديار السُّبْكي في مصر

مكانة الإمام تاج الدين السبكي العلمية:-

الإمام تاج الدين السبكي فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، ناظم، ناثر، وكان طلق اللسان، قوي الحجة. سمع بمصر من جماعة، ثم قدم مع والده إلى دمشق في جمادى الآخرة سنة 739هـ، وسمع بها من جماعة، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي وتخرج به.
وطلب بنفسه، ودأب، وأجازه شمس الدين بن النقيب بالإفتاء والتدريس، ولما مات ابن النقيب كان عمره ثماني عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنف، وولي القضاء وخطابة الجامع الأموي بعد وفاة ابن جملة، ثم عزل، وحصل له فتنة شديدة، وتعصب عليه شيوخ عصره فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيداً مغلولاً من الشام إلى مصر، وسجن بالقلعة نحو ثمانين يوماً، ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق.

وقد درس بمصر والشام، وللإمام السُّبْكي نظم جيد، أورد الصَّفَدي بعضه في مراسلات دارت بينهما.

مدينة دمشق الفيحاء في العام 1915م
مدينة دمشق الفيحاء في العام 1915 م – مكتبة الكونغرس

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن كثير: “جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله”.
  • وقال شهاب الدين بن حجي: “حصَّل فنوناً من العلم، والأصول -وكان ماهراً فيه- والحديث، والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وجراءة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقاد، صنف تصانيف عدة في فنون مختلفة على صغر سنه وكثرة اشتغاله، قرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته”.

إمامٌ كبير، وحاكمٌ خبير، ورئيسُ فَلَك مآثره أثير، وماجدُ فخرِ علومهِ في الآفاقِ مستطير، أغصانُ مكارمهِ باسقة، وأنهارُ فضائله دافقة، ولسانُ عبارته فصيحٌ تبجَّحَت بمرافقته أرباب السياسة، وافتخَرَت بمقارنة تاجه رؤوس الريَاسة، وانشرَحَت بأحكامه صُدور المجالس، وتأرَّجَت بأنفاسه أرجاءُ المنابِر والمدارس، سمِعَ وقرَأ وكَتَبَ، وأخذَ عهدَ والدهِ قُدوةُ أهلِ العِلم والأدب، وأفادَ المُشتغلين والطُّلَّاب، وانتَفَعَ به كثيرٌ من الأولياء والأصحاب، درَّسَ بالعادلية والغزالية والأمينية والنَّاصرية، ودار الحديث بالأشرفية، والشَّامية البرَّانيَّة، وباشَرَ القضاء بدمشق أربع مرَّات، ونالَ بخطابة الجامع الأموي أنواعاً من المسَرَّات، ولهُ مصنَّفَاتٌ جمَّة الفوائد، مُنتَظَمَة العقود والقلائد.

—ابن حبيب في كتابه “درَّة الأسلاك في تاريخ الأملاك” يتحدَّث عن السبكي.

من آرائه ونصائحه:-

  • ولا يخفى عليك أنَّ من وصَلَت إليه هديَّةٌ من مَلِكٍ فاستقَلَّها ولم يعبأ بها، فإنَّ الملكَ ينقِمُ عليه، ويُشدِّد عقوبته، ويأخُذُ في نفسِهِ منه، ويمنعُ عنهُ العَطَاء، وإن استعظَمَهَا واستحقَرَ نفسهُ بالنِّسبة إليها؛ فإنَّ المَلِكَ يُحبُّ ذلك، ويحملهُ هذا الأمرُ على إسداء نعمةٍ أُخرى، والرَّبُ تعالى لا تخفى عليه خافية، فمهما وَقَعَ في قلبِك استقلالُها فإنَّه يخشى عليك زوالُها وافتقارُكَ إليها، وإن وَقَعَ في نفسِك استعظامِها؛ فأبشر بدوامها والازدياد.
  • مِنْ شُكْرِ نِعمة العينين أن تَستُر كل عيبٍ تراهُ لمسلمٍ، وتغضَّهُما عَن كُلِّ قَبيحٍ، إلى غير ذلكَ من أحكام النَّظَر، فإن أنتَ أخذتَ تُصلِّي كلَّ ليلةٍ ركعتين على شُكْرِ نِعمة العينين، وأنتَ مع ذلك تستعملهما في النَّظَر المُحرَّم؛ فلَسْتَ بشاكرٍ هذه النِّعمة حقَّ شُكرها.
  • إذا كُنتَ مقبول الكَلِمةِ عند وَلِيِّ الأمر، فالمطلوبُ منْكَ أن تنصَحه، وتُنهي إليه ما يَصِح ويَيثبُت عندكَ من حالِ الرَّعايا، وتساعد عنده على الحَقّ بما يتصل إليه قُدرَتُك.
  • إذا كُنتَ أميراً، قد خَوَّلَكَ اللهُ نِعَماً هائلة، لو استحضَرْتَ نفسَكَ لوجدْتَها لا تستحقُّ منها ذرَّةً، وبِتَّ في بيتك تتقلَّب في أنعُم الله، بين يديكَ الدَّراهِم والذَّهَب، والمماليك والجواري، وأنواع الملابِس الفاخرة، وأصنافِ الملاذِّ، ثمَّ أصبحتَ ركِبتَ الخيول المسوَّمة، ولبِسْتَ الثِّيابِ الحَسَنَة، ثمَّ جَلَسْتَ في بيتِكَ لابساً قباءً عظيماً، مُطرَّزاً بالذَّهَبِ الذي حَرَّمهُ الله تعالى على الرِّجال، مُطْرِقاً مُصمماً بوجهٍ عبوسٍ، تُبرِقُ وتُرْعِدُ كأنَّكَ طالِبُ ثأرٍ من الخَلْق، وأخذْتَ تحكُمُ فيهِم بخلافِ ما أمرَ الله به، الذي بِتَّ تتقلَّبُ في أنعُمِه، مُعتقِداً أن ما تحكُمُ بهِ هوَ الأصلح، وأنَ حُكْمَ اللهِ تعالى لا ينفع، فما جزاؤك؟، ولِمَ لا تزول عنكَ هذه النِّعمة!، فأن ضَمَمْتَ إلى هذا أنواعاً أُخَرْ من المعاصي، فأنتَ بنفسِك أخبر، والله عليكَ قادر.. تعرَّف على الله في الرَّخاء يعرفُكَ في الشِّدَّة .. خَفِ اللهَ الذي يُمهِل الظَّالِمَ حتى إذا أخذه لم يُفلِتْهُ.

كتب الإمام تاج الدين السبكي :-

ترك الإمام تاج الدين السبكي عدداً كبيراً من المؤلفات، فيما يلي أبرزها:

  1. طبقات الشافعية الكبرى: استوعب فيه تراجم عدد كبير جداً من علماء المذهب الشافعي حتى أواسط القرن الثامن الهجري.
  2. معيد النعم ومبيد النقم.
  3. جمع الجوامع.
  4. منع الموانع، وهو تعليق على جمع الجوامع.
  5. توشيح التصحيح، كتاب في أصول الفقه.
  6. ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح، كتاب في فقه الشافعية.
  7. الأشباه والنظائر، كتاب فقه.
  8. الطبقات الوسطى.
  9. الطبقات الصغرى.
  10. الإبهاج في شرح المنهاج، كتاب في أصول الفقه.
  11. رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
  12. قاعدة في المؤرخين.
  13. قاعدة في الجرح والتعديل.

وفاته:-

مات الإمام تاج الدين السبكي شهيداً بالطاعون، في 7 ذي الحجة، سنة 771هـ، ودفن بتربتهم في سفح جبل قاسيون قرب دمشق في ذلك العصر.

اقرأ هنا لماذا دخل اللحن إلى اللغة العربية ؟

مصادر ترجمة السبكي :

  • الأعلام (4/184).
  • عودة النعم بعد زوالها للتاج السبكي، تحقيق عبد السَتَّار أبو غدَّة
  • الأشباه والنظائر للسبكي، تحقيق عادل عبد الموجود، علي معوَّض.
  • معيد النعم ومبيد النقم.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/66/رقم 34).
  • معجم المؤلفين (6/225).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى