انفوجرافيكسنوادر العرب

تأبط شرا.. فتاك العرب في الجاهلية

اختلق أخباراً عن لقائه بالغول، ومصارعتها، والتغلب عليها؛ ليُعبِّر بذلك عن قوته وشدة فتكه

اسمه ونشأته:-

ثابت بن جابر بن سفيان، أبو زهير الفهمي، شاعر عدَّاء، من فتَّاك العرب في الجاهلية، كان من أهل تهامة، ورث تأبط شرا لونه الأسود من أمه الحرة أخت الشنفرى.
نشأ يتيماً مات والده؛ فتزوجت أمه أبا كبير الهذلي، الذي لم يحب تأبَّط شراً، وحاول التخلص منه كثيراً دون جدوى، مما أغضب تأبط شراً، وجعله دائم الغزو على هذيل.

لقبه:-

قيل: لُقِّب تأبَّط شراً؛ لأنه حمل سيفاً تحت إبطه وخرج، فُسئِلَت أمه عنه، فقالت: لا أدري، تأبَّط شراً وخرج. وقيل: بل جاء إلى أمه يحمل جراباً مَلأه أفاعي، ثم فتحه أمامها، فقالت: لقد تأبَّط شراً. وقيل في سبب لقبه هذا غير ذلك.

سرعة عَدْوه وقوة سمعه:-

اشتُهِرَ تأبط شرا بسرعة عَدْوه، وكان يغزو على رجليه دون أن يستطيع أحد إدراكه واللحاق به، وكانت له المقدرة على ملاحقة الظباء واصطيادها وأكلها، واشتُهِر بقوة سمعه، فكان يسمع وطء الخيل من مكان بعيد.

لقاء تأبط شرا الغول:-

اختلق أخباراً عن لقائه بالغول، ومصارعتها، والتغلب عليها؛ ليُعبِّر بذلك عن قوته وشدة فتكه، وقد ذكرها كثيراً في شعره، كقوله:

فأَصْبَحْتُ والغُولُ لي جارَةٌ ..

فيا جارَتَا أنتِ ما أهْوَلا

تأبط شرا من أشهر الصعاليك:-

هو ابن أخت الشنفرى الشاعر الصعلوك، وأحد الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، ومن أغربة العرب السود، وأحد أبرز فُتَّاك العرب المشهورين.

اجتمع ببعض الصعاليك كـالشنفرى، وعمرو بن برّاق، والسُّلَيْك بن السُّلَكة، وعامر بن الأخنس، وكان يغزو معهم مجتمعين أو متفرقين، وأكثر غزواته كانت على بني هُذيل، وبجيلة، وعلى مراد، وخَثْعم، وغيرهم، وظل على هذه الحال حتى قُتل في بعض غاراته على بني هذيل. وقيل: لدغته أفعى فمات.

غالبية الروايات تفيد بموته بلدغة أفعى – تعبيرية

شعر تأبط شرا:-

يعتبر من الشعراء المجيدين، تميز بقوة وجزالة الألفاظ وغرابتها، واتسم شعره بالواقعية، والتخلص من المقدمات، والتحدث عن الحالة الشخصية.

غلب على شعره التصعلك، والحماسة، ووصف السلاح، والكلام عن معاناة الفقر والجوع والذل، أضف أنه افتخر بقوته وسرعته، ومن ذلك قوله:

لاشيءَ أسرعُ مني ليس ذا عُذَرٍ ..

وذا جناحٍ بجنب الرَّيْد خَفَّاق

وشعره لا يخلو من الحكمة كقوله:-

إذا المرء لم يحتَلْ وقد جَدَّ جِدُّه ..

أضاع وقاسى أمرَه، وهو مُدْبر

كما برز في شعره الرثاء، فقد رثا خاله الشنفرى الذي مات قبله:-

على الشنفرى ساري الغمام، فرائح ..

غزيرُ الكُلى، وصَيِّبُ الماءِ باكر

الصعاليك عاشوا حياة تتسم بالحرية المطلقة

كانت أشعاره محال استشهاد عند علماء اللغة والعربية، وقد استفتح المفضل الضبي مفضَّلياته بقصيدة له، مطلعها:-

يا عيدُ ما لَكَ مِن شَوقٍ وَإيراقِ.. وَمَرِّ طَيفٍ عَلى الأَهوالِ طَرّاقِ

يَسري عَلى الأَينِ وَالحَيّاتِ مُحتَفِياً.. نَفسي فِداؤُكَ مِن سارٍ عَلى ساقِ

طَيفِ اِبنَةِ الحُرِّ إِذ كُنّا نُواصِلُها.. ثُمَّ اِجتُنِنتَ بُها بَعدَ التِفِرّاقِ

تَاللَهِ آمَنُ أُنثى بَعدَما حَلَفَت.. أَسماءُ بِاللَهِ مِن عَهدٍ وَميثاقِ

 تأبط شرا .. واهتمام واسع بشعره من قبل النُقَّاد :-

لم يقتصر اهتمام الشعراء والمؤرخين والنقاد العرب القدامى والمعاصرين على جمع وتحقيق وتحليل شعر تأبَّطَ شرَّاً ، بل تجاوزه إلى المستشرقين، وفيما يلي أبرز مظاهر هذا الاهتمام.

  • ابن منظور أورد في “لسان العرب” واحداً وستين شاهداً من شِعر تأبَّطَ شرَّاً ، بينما لم يستشهد من شِعر الشَنفرى إلّا بثلاثة وعشرين بيتاً، ومن شِعر عُروة بن الورد إلَّا لخمسة وثلاثين بيتاً.
  • على الرغم من اقتصار عناية ابن جني بشعرِ شاعر ألا وهو المتنبي، غير أنه أفرَدَ باباً لما خرَّجه من شعر تأبط شرَّاً، حيث أسهب في الشرح والتعليق عليه.
  • الدكتور يوسف خليف أورد شِعر تأبَّطَ شرَّاً في كتابه “الشُعراء الصعاليك في العصر الجاهلي”.
  • ألمَحَ إليه الدكتور شوفي ضيف في كتابه “العصر الجاهلي”.
  • بدأ اهتمام المستشرقين في إنتاج تأبَّطَ شرَّاً بشكل مبكر، وذلك منذ أن قام فريتاج بترجمة بعض أشعاره إلى اللاتينية والتعليق عليها وذلك في العام 1814م.
  • كتب جوستاف بور مقالاً تضمن تحقيقاً وترجمة لبعض أبيات وقصائد تأبَّطَ شرَّاً منها قصيدته التي يورِد فيها لقاءه بالغول والتي مطلعها:

تقــولُ سُــليمَى لجِــــارَاتِــها … أرَى ثابِتاً يَفَنــــاً حَوقَلَا

والأُخرى التي مَطلعها :

ألا مَــن مُبــــلِغٌ فِتَـــيانَ فَــهمٍ.. بِمَا لاقَيتُ عِندَ رَحَى بِطَانِ

وقصيدته القافية:

يَا عيدُ مَالَكَ مِن شوقٍ وايراقِ ..

ومَرَّ طَيفٍ على الأهوالِ طَرَّاقِ

  • ما جاء في مقال جبرييلي عن اللاميتين لأمية الشنفرى واللامية المنسوبة لتأبَّطَ شرَّاً ، وخَلَف الأحمر.
  • البحث المتميز الذي قام به جميس تشارلز ليال – محُقِّق شرح ابن الأنباري للمفضليات- والذي حَمَل عنوان ” أربع قصائد لتأبَّطَ شرَّاً الشاعر الصعلوك”، وفيه قدَّم وصفاً دقيقاً للمنطقة التي قطنها بنو فهم الذين ينتسب إليه الشاعر الصعلوك، وهي الواقعة في تهامة والحجاز، كما أنجز ترجمة مميزة لحياة تأبَّطَ شرَّاً.

ثم ترّجم ليال أربع قصائد للشاعر الصعلوك، واصفاً إياها بأنها تمنح “تعبيراً شعرياً يبدو لي قريباً من الكمال في فن الشِّعر”.

تأبط شرا وحيلة فك أسر رفيقه:-

ذَكرِ المُفضَّل الضَّبي أن تأبَّطَ شَرَّاً رافَقَ كُلاً من الشنفرى (البعض يتحدَّث عن السُّليك بن السُّلَكة) وعَمرو بن برَّاق، في غزوة بجيلة (قبيلة أنمارية قحطانية)، فلم يُفلح الصعاليك الثلاثة في الظَّفرِ بأيِّ غُنم، فقد ثارَ القومُ عليهم وأسَروا عَمراً وكتَّفوه، فيما أفَلَت تأبَّطَ شَرَّاً وصاحبه الآخر من قبضتهم بفضلِ سُرعة عَدوِهم، فلم يقدورا على اللَّحاق بهما.

ولماَّ علما بأمرِ أسرِ ابن برَّاق؛ قال تأبَّطَ شَرَّاً لصاحبه: “امض فكُن قريباً من عمرو فإنِّي سأتراءى لهُم وأُطمِعُهُم في نَفسي حَتى يتباعدوا عنه، فإذا فَعلوا ذلك؛ فحُلَّ كِتافَهُ وانجُوا”.

الشنفرى .. الصديق الدائم لتأبط شرا

فأخذ رفيقهُ بنصيحة تأبَّطَ شَرَّاً، وأقبلَ الأخيرُ حَتى تراءى لبجيلة، فلمَّا شاهدوهُ طَمِعوا فيه، فَطَلبوه، وجَعَل يُطمِعهم في نفسِهِ، ويُمارس هوايتهُ في العَدو، لكن بطريقةٍ متدرجة، إذ شَرَعَ بالعدو الخفيف يُقرِّبُ فيهِ ويَسألهم تخفيفَ الفِديةِ ومنحهِ الأمانَ حَتى يستأسِرَ لهُم، حتَّى انطلت عليهم حِيلته، إذ أخذوا في التَّحاوِر معهُ ويطلبونه.

لكن تأبَّطَ شَرَّاً استمرَّ في العَدو الخفيفِ الذي لا يُبعدَهُ عنهم، حَتى علا تَلعة أشرَفَ مِنها على رفيقيّ دَربه في الغَزوة الفاشِلة، فإذا هُما قد نَجَوَا، وفطِنت لهُما بجيلة فألحقتهما طَلباً فَلم تُدركهما.

فقال تأبَّطَ شَرَّاً: يا مَعشر بجيلة، أأعجبكُم عَدوُ ابن برَّاق اليوم؟ واللهِ لأعدُوَنَّ لكُم عدواً أنسيكُم به عَدوَهُ! ثُمَّ عَدا عَدواً شديداً..

تأبط شرا وحيلة العسل:-

كان تأبطَّ شَراً يَشتارُ عَسلاً في غارٍ من بلادِ هذيل يقصِده كُلَ عام، وقد علِمت هذيل بذلك، فرصدوا له ليوقِعوا به، إلى أن وصَلَ هو وصَحبه فولج الغار وتدلّى، وأغاروا عليهم فأنفَروهم، فسبقوهم ووقفوا على الغار، فحرَّكوا الحَبلَ فأطلَعَ تأبطَّ شَراً رأسهُ.

فقالوا: اصعد، فقال: الأ أراكُم؟ قالوا بلى قد رأيتَنا ، قال: فَعَلامَ أصعَد؟ أعَلى الطَّلاقةِ والفِداء؟، قالوا: لا شَرّطَ لك! ، فقال فتًراكُم قاتِليَّ وآكلي جَنَاي، لا واللهِ لا أفعَل.

وكانَ قبلَ ذلكَ قد نقَبَ في الغارِ نقباً هَيأه للهرب، فجَعَل يُسيلُ العسَلَ من الغار ويريقه، ثم عَمَدَ إلى زقٍّ فشدَّهُ على صَدرهِ ثم التصَقَ بالعَسَل، فلم يبرَح يَنزلق عليهِ حَتّى خَرَج سَليماً وفاتَهم وبينَ موضِعِهِ الذي وقَعَ فيهِ وبين القومِ مسيرةُ ثلاثٍ، وقال قصيدتهُ التي فيها هذا البيت:

إذا المرءُ لم يحتَل وَقَد جَدَّ جدُّهُ .. أضَاعَ وقَاسَى أمرَهُ وهُوَ مُدبرُ

وفاته:-

قتل تأبط شرا في بلاد هذيل نحو سنة 80ق.هـ-540م، وألقي في غار يقال له (رخمان)، فوجدت جثته فيه بعد مقتله.

وقال ابن أخت تأبطَ شراً يرثي خاله بعدما قتلته هذيل:

شامِـــسٌ في القـــرّ حتى إذا مــــا .. ذَكَــت الشِّــعرَى فبردٌ وظِلّ

ظاعـــنٌ بالحـزم حتى إذا مــــا .. حَــلَّ حَـــلَّ الحزمُ حيــثُ يَحِلّ

ذكر أمير الرحالة المسلمين لمدن الجزيرة العربية
ذكر أمير الرحالة المسلمين لمدن الجزيرة العربية وذلك بعد مئات السنين من وفاة تأبط شراً

المصادر:

  • الأعلام (2/97).
  • الموسوعة العربية (5/821).
  • ديوان تأبط شرا وأخباره، جمع وتحقيق وشرح علي ذو الفقار شاكر.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي.
Image by Karsten Paulick from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى