معلومات تاريخية

بيمارستان صلاح الدين في القاهرة .. العلاج كان بالمجان

تميز بحسنه واتساعه، وقد عُرف بالبيمارستان العتيق

بيمارستان صلاح الدين :-

اشتهرت البيمارستانات التي كانت بمثابة دورٍ للعلاج طوال مسار الحضارة الإسلامية، وكانت تُعالج المرضى وتٌقدم لهم الدواء بالمجان مع كسوةٍ ومال لفترة النقاهة، حيث كان العلاج حقاً للجميع ولا تفريق بين الحر والعبد أو الذكر والأنثى، بل كانت العناية والرعاية به من أفضل ما يكون.

ومن هذه البيمارستانات الشهيرة بيمارستان صلاح الدين في القاهرة، فكيف تأسس ومتى، وهل كان كغيره وبمَ تميز؟!

مصر ذات التراث الحضاري والثقافي الكبير ، حُكِمَت من قِبَلِ أُمَمٍ مختلفة.

تأسيس بيمارستان صلاح الدين في القاهرة:-

تم تأسيس بيمارستان صلاح الدين أو كما يسمى بالبيمارستان الصلاحي أو الناصري عام 567هـ/ 1171م، من قبل الملك السلطان صلاح الدين يوسف بن يوسف بن أيوب، وكان ذلك بعد انتصاره على الحكم الفاطمي العبيدي في مصر.

ولم يكن البيمارستان الصلاحي قد تم بناؤه وتشييده بشكلٍ منفرد، بل كان قاعةً في قصر الفاطميين بناها العزيز بالله عام 384هـ/ 994 م، وعندما تم الاستيلاء على القصر قرر صلاح الدين أن يجعل هذه القاعة بيمارستاناً، ويعود السبب لذلك بأن القرآن الكريم قد كُتب على جدرانها، ولا يدخلها النمل، فوجدها مناسبةً لتكون بيمارستاناً لمعالجة المرضى.

مكان بيمارستان صلاح الدين في القاهرة:-

يقع البيمارستان حيث يتواجد الآن منزل الغمري الحصري الذي يُفتح بابه على حارة الملوخية، وكانت تُسمى سابقاً بحارة قائد القواد، وهو بيمارستان تميز بحسنه واتساعه، وقد عُرف بالبيمارستان العتيق.

وصف بيمارستان صلاح الدين في القاهرة:-

رعاية طبية كبيرة كان يوفرها البيمارستان لمرتاديه

كان بيمارستان صلاح الدين واسعاً وذو قاعاتٍ كثيرة لكلٍ منها اختصاصها، وتتميز كل البيمارستانات بهذه القاعات المتعددة، فقد وُضع قسمٌ خاص للنساء ومن يساعدهن، مع وجود الحمامات الفاخرة وقاعات للمكتبات، وكانت الخدمات والعناية تقدم على مدار اليوم مع الطعام المجاني، و كان كل من يخرج منه يأخذ بحوزته ثوباً وبعض المال لفترة النقاهة، وكان هناك قسمٌ خاص له غرف ذو شبابيك حديدية وهي مجالس لفاقدي عقولهم، وكل ذلك كان تحت إشراف مسؤولين تم تعيينهم عن الأقسام فيعملوا على تفقدها يومياً، وكان السلطان دائم السؤال عن أحوالها مؤكداً على ضرورة الاعتناء بها.

وكان البيمارستان يحصل على تمويله من عائدات الأوقاف والمؤسسات الخيرية، وكانت هناك تبرعاتٌ من الأغنياء لصيانة البيمارستان وتغطية تكاليف عمله، أما موارده المخصصة للإنشاءات فكانت تقع على عاتق الدولة ومن ميزانيتها.

الرعاية الطبية والتعليم في بيمارستان القاهرة:-

كانت الرعاية الطبية في البيمارستان في أفضل حالاتها وكانت تضم أفضل الأطباء من ابن النفيس وابن أبي أصيبعة والقاضي نفيس الدين ابن الزبير، والشيخ السديد بن أبي البيان والحجاج يوسف الكحال وغيرهم، ولم يكن البيمارستان يضم المسلمين فقط بل كان الأطباء من مختلف المعتقدات، مثل الطبيب ابن المطران الذي انتقل من دمشق وكان نصرانياً وعندما اعتنق الإسلام أكرمه صلاح الدين بتطوير مكتبةٍ خاصةٍ له كانت تحتوي على 10 آلاف مجلد.

شرح كتاب القانون -العالم ابن النفيس
ابن النفيس قام بشرح كتاب ابن سينا (القانون في الطب) – بيمارستان صلاح الدين

أما التعليم الطبي في البيمارستان الصلاحي؛ فكان معتمداً على العلوم السريرية، ولكن قام أحد كبار الأطباء وهو ابن جميع المصري برفع طلبٍ إلى السلطان لتدريس مادة التشريح مع مناشدة المعلمين بتدريب التلاميذ عملياً وليس نظرياً فقط، وقد تم تدريس هذه المادة في عهد السلطان القلاوون وكان المشرف على تدريس هذه المادة هو ابن النفيس، معتمداً على كتبٍ قيمة ككتاب القانون في الطب للشيخ ابن سينا ويدّرس الجزء الخاص بالتشريح، ليختصره إلى مختصر القانون بعد ذلك بهدف تسهيله على الطلاب.

وهكذا قدم البيمارستان الصلاحي أفضل الخدمات الطبية لتكون خدماته الإنسانية مجداً للحضارة الإسلامية مع التعليم الذي خرّج أفضل الأطباء الذين قدموا كل ما لديهم لإيقاف الآلام وخدمة الإنسانية.

ابن جبير يصف مارستان القاهرة:-

وصَفَ الرحَّالة ابن جبير الأندلسي (المتوفَّى عام 1217م)، مارستان (مستشفى) القاهرة وذلك أثناء زيارته لمصر.

وقال في كتابِ رِحلة ابن جبير: “.. ومما شاهدناه من مفاخِر هذا السُّلطان الذي بمدينةِ القاهرة، هو قصرٌ من القُصور الرَّائقة حُسناً واتِّساعاً أبرزهُ لهذهِ الفضيلة تأجُّراً واحتساباً، وعيِّن قيِّماً من أهلِّ المَعرِفة وَضَعَ لديهِ خزائن العقاقيرِ ومكَّنه من استعمالِ الأشربة وإقامتها على مختلف أنواعها”.

وزاد ” ووضِعَت في مقاصير ذلك القصر أَسِرَّة يتَّخذُها الَمرضى مَضاجعَ كاملةَ الكُسى، وبين يدي ذلكَ القيِّم خَدَمَة يتكفَّلون بتفقُّد أحوالِ المرضى بُكرةً وعشيةً، فيقابِلون من الأغذيةِ والأشرِبة بما يليقُ بهم”.

ويزيد “وبإزاءِ هذا الموضِع؛ موضعٌ مقتطعٌ للنِّساءِ المرضى، ولهُنَّ أيضاً مِن يكفلهُنّ”. وينهي قائلاً: “ويتَّصِل بالموضِعيّن المذكوريّن موضعٌ آخر مُتَّسِعُ الفِناء فيه مقاصير عليها شبابيكُ الحديد اُتخِذَت محابسَ للمجانين، ولهُم أيضاً مَن يتفقَّد في كل يومٍ أحوالهم ويقابلها بما يصلُح لها، والسُّلطان يتطلَّع هذه الأحوال كلَّها بالبحثِ والسُّؤال ويؤكِّدُ في الاعتناء بها والمثابرة عليها غايةَ التأكيد، وبمِصر مارستانٌ آخر على مِثل ذلك الرسّمِ بعينه”.

اقرأ أيضاً: البيمارستان النوري في دمشق .. أحد أبرز تجليات تقدم المسلمين في المجال الطبي

مساهمات علمية وطبية عظيمة قدمها المسلمون للبشرية

المصادر :

رحلة ابن جبير.

islamstory.com/

https://www.alukah.net/culture/0/106566/

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى