أعلام

بهاء الدين بن شداد .. مؤرِّخ حقبة صلاح الدين

مات أبوه وهو صغير، فنشأ عند أخواله بني شداد، وشداد جده لأمه فنسب إليهم

اسمه ونسبه :-

هو يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدين الموصلين الحلبي، الشافعي، يقال له ” ابن شداد “، والملقب ببهاء الدين، وشداد جده لأمه، فنسب إليه.

مولده:-

أجمعت المصادر على أن مولده كان بالموصل، أما تحديد يوم ولادته وشهرها فقد انفردت بها بعض المصادر وأولها، كتاب “وفيات الأعيان”، ثم ” الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل”، والتكملة”. حيث ذكرت ولادته في ليلة العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.

يقول المنذري: “واجتمعت به عند ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه، واستخبرته مشافهة، وسألته عنه أنه قال: في العاشر من رمضان بالموصل”.

أما عن تحديد سنة الولادة؛ فقد اتفقت جميع المصادر في ذكر هذه السنة، يقول ابن واصل: “كان مولده _رحمه الله_ سنة تسع وخمسمائة”.

ويقول ابن خلكان: “ولِدَ بالموصل ليلة العاشر من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة”، ويقول مجير الدين الحنبلي: “ولد في ليلة الأربعاء العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة”.

وفي كتاب الشذرات يقول الحنبلي: “ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة”.

وكل هذه المصادر تؤيد ما جاء نصه على لسانه عندما سأله المنذري عن مولدهن فقال: ” في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة”.

نشأته:-

مات أبوه وهو صغير، فنشأ عند أخواله بني شداد، وشداد جده لأمه فنسب إليهم، وابن شداد _كما ذكر_ موصلي المولد والنشأة ولكنه حلبي الدار، إذ عاش بقية حياته في حلب وكان قاضيها.

ولم تذكر المصادر شيئاً عن تفاصيل حياته الأسرية، ولا عن سنوات صباه الأولى قبل التحاقه بخدمة صلاح الدين وأولاده من بعده، إلا أن تلميذه ابن واصل ذكر لنا في كتابه “مفرج الكروب” بعض خصوصياته فقال: “تزوج ابنتي الشيخ صالح عبد الرحمن بن علوان المعروف بابن الأستاذ، واحدة بعد الأخرى، وكانتا في غاية الصلاح والدين، ولم تلد واحدة منهما له ولداً”.

وليس لدينا ما يدلنا على وجود أقارب له، بل إن بعض المصادر نفت وجودهم، فهذا ابن خلكان يقول: “ولم يكن له وارث”، ويقول السبكي في الطبقات الكبرى: “كان القاضي بهاء الدين لا ولد له ولا قرابة”، ويقول الذهبي في معرفة القراء: “لم يرزق ولداً، ولا كان له أقارب”.

وعلى ما يبدو، أن أهل أمه مات أغلبهم، أو انقطعت علاقتهم معه، أو قد يكون رحيله إلى حلب فيما وبقاؤه فيها سبباً في عدم اتصاله بذوي قرباه، فلم نجد حادثة، أو قصة تدلنا على علاقته بأسرته في صباه وشيخوخته، إلا ما قد ذكر في ظروف نشأته وهو صغير.

شيوخ ابن شداد:-

  • ابن سعدون القرطبي: أبو بكرة يحيى بن سعدون بن تمام محمد الأزدي القرطبي، ولد سنة ست
    وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة في ديار الأندلس.
  • الجياني: وهو أبو بكر الأندلسي محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر الأنصاري، الجياني، ولد
    بجيان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، سافر من بلده ودخل ديار مصر والشام والعراق وخراسان وما
    وراء النهر، ولقى أئمتها، وتفقه ببخارى حتى تمهر في المذهب والخلاف والجدل، ثم اشتغل بالحديث
    وسماعه وحفظه وحصل منه كثيراً، وعاد إلى بغداد ودخلها سنة تسع وخمسين وخمسمائة (وهي
    السنة التي أجاز لابن شداد فيها رواية ما يرويه).
الموصل حيث ولد بهاء الدين بن شداد
الموصل… المدينة العريقة
  • الطوسي الخطيب بالموصل: وهو مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر
    الطوسي الخطيب بالموصل، ولد في منتصف صفر سنة سبع وثمانين وأربعمائة ببغداد.
  • الأشيري الصنهاجي: وهو الحافظ مجد الدين أبو محمد نب عبد الله بن علي الأشيري الصنهاجي رواية متنوع، توفي في شوال إحدى وستين وخمسمائة بالشام، ودفن ببعلبك.

تلاميذ ابن شداد:-

كان لابن شداد تلاميذ عديدون، ولكن أكثرهم شهرة وأعظمهم قدراً، هو “المؤرخ قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم بن خلكان، شمس الدين أبو العباس الشافعي، الذي ولد سنة ثمان وستمائة، تعلم وتفقه حتى
أصبح فاضلاً بارعاً، متفنناً علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، فيه رياسة
كبيرة له كتاب “وفيات الأعيان وأنباء الزمان” وقد اشتهر كثيراًن وله مجاميع أدبية أيضاً، قدم الشام في
شبيبتهن وتفقه بالموصل على كمال الدين أبي يونس، وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين بن شداد ، حيث
كان واحداً ممن سافروا إلى حلب خصيصاً للتلمذة على القاضي بهاء الدين في مدرسته يقول ابن خلكان:
“وما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء” ويقول : ” كنا نسمع إليه الحديث، ونتردد إليه في
داره”.

مؤلفات ابن شداد:-

تقلد ابن شداد المناصب وتقرب إلى السلاطين، وبعد صيته وذكره وطال عمره، وكثرت مؤلفاته في مختلف
المجالات، وقد أحصى هذه المؤلفات (جمال الشيال) في مقدمة كتاب (النوادر السلطانية)، واستقر الأمر
عنده على أنها سبعة كتب (لأنه لم يذكر كتاب “الموجز الباهر”) بينما بلغت مؤلفات بهاء الدين بن شداد
التي وصلت إلينا والتي نقلت المصادر والمراجع أخبارها ثمانية كتب وهي كالآتي:

  1. النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية.
  2. دلائل الأحكام.
  3. دروس في الحديث.
  4. ملجأ الحكام عند التباس.
  5. الموجز الباهر.
  6. فضائل الجهاد.
  7. العصا.
  8. أسماء الرجال في المهذب للشيرازي.

اقتباسات من النوادر السلطانية:-

خصَّص ابن شداد كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، وذلك للحديث عن السيرة الذاتية للناصر
صلاح الدين بن أيوب، وقد استفاض في ذكر المناقب التي تحلَّى بها أو المواقف التي شهدها معه من قبيل:

  • ولقد رأيته (صلاح الدين) وقد دخل عليه صاحب صيدا بالنَّاصرة فاحترمه، وأكرمه، وأكل معه، ومع
    ذلك عرض عليه السَّلام، فذَكَرَ له طرفاً من محاسنه وحثَّه عليه.
  • وكان (صلاح الدين) يُكرِم من يَرِدُ عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصينا
    بأن لا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين، حتى يُحضِرُهُم عنده، وينالهم من إحسانه.
  • ولقد رأيتُهُ وقد مثُّلَ بين يديه أسيراً فرنجي قد أصاب كرب، بحيث أنَّه ظَهَرَ عليه أمارات الخوف والجزع، فقال للتُرجُمان: من أي شيء يخاف؟، فأجرى اللهُ على لِسانه أن قال: كُنتُ أخاف قبل أن أرى هذا
    الوجه ( وجه صلاح الدِّين)، فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه؛ أيقنتُ أني ما أرى الَّا الخير، فرَقَّ له
    ومنَّ عليه وأطلقه.
  • وكان (صلاح الدين) لا يرى الإساءة إلى مَن صحِبَهُ، وإن أفرَطَ في الخِيانة، ولقد أُبدل في خزائنه كيسان
    من الذَّهَب المِصري بكيسين من الفُلُوس، فما عمِلَ بالنوَّاب شيئاً سوى أن صرَفَهُم من عملهم لا غير.

وفاة ابن شداد:-

كان الهرََم قد أثر فيه، فضعف، حتى أصبح لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة، وزاد حاله
سوءاً، حتى ظهر عليه الخرف وأصبح لا يعرف أحداً، ويسأل عن كل ما جاءه فيعرق له، قم لا يعرفه.

يقول ابن خلكان في وفاة بهاء الدين بن شداد: “ثم مرض أياماً قلائل وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر صفر
سنة اثنتين وستمائة، رحمه الله، بحلب، ودفن في التربة، وحضرت الصلاة عليه ودفنه وما جرى بعد ذلك”.

المصادر:-

شذرات الذهب، غاية النهاية، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء،
الأعلام، وفيات الأعيان، الأنس الجليل، التكملة لوفيات النقلة، مفرج الكروب لابن واصل، النوادر
السلطانية والمحاسن اليوسفية

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق