أعلام

بكر بن النطاح .. شاعر المدح والغزل

كان بطلاً فارساً حسن الشَّعر والتصرُّف به، كثير الوصف لنفسه بالشَّجاعة والإقدام

من هو بكر بن النطاح ؟

هو أبو وائل بكر بن النطاح الحنفيّ وقِيل العجليّ، شاعر حسن الشعر من شعراء العصر العباسيّ، وُلد في اليمامة، وجاء إلى بغداد في زمن هارون الرشيد ، لم تُحدد الكتب التاريخية تاريخًا مُحددًا لمولده ووفاته، اشتغل بالصعلكة وقطع الطرق فترة من الزمن ثم أقصر عن ذلك وانتهى، وحُقَّ له أن يفعل؛ فقد جَنَى من أشعار مدحه في الأُمراء والوُلاة ما يكفيه عناء الصعلكة، ومُعاناة قطع الطرق.

خصائص شعر بكر بن النطاح :-

كان شاعرًا حسن الشعر فصيح الألفاظ كثير التَّصرُّف في شعره، يجمع في شعره بين متانة النَّسج وسهولة التراكيب، وله باعٌ في المُطوَّلات والمُقطّعات، تفيض على شعره نفحة البداوة، وتتعدد فنونه الشعرية بين الفخر والمديح والرثاء والغزل، وقد برع في التّفنُّن في استخدام الكناية والاستعارة والتشبيه والمجاز، ليتمكن من رسم الصورة الشعرية التي تتميز بالإبداع والجمال.

مُلازمته لأبي دُلف العجليّ :-

طالت ملازمته لأبي دُلف العجلّي وكثيرًا ما كان يَنظم الأشعار في مدحه وتملُّقه، فيُغدق عليه العطايا والأموال.

لطالما تغنّى بالشجاعة وسكنت أبياته، لكنها نادرًا ما كانت تسكن قلبه، ومن حكاياه في ذلك عندما أنشد قصيدة بحَضرة أبي دُلف أكثر فيها من مدح نفسه ووصفها بالشجاعة، ومن ذلك قوله:

هنيئًا لإخواني ببَغداد عيدُهُم ..

وعيدِي بحلوان قراعُ الكتائبِ

فما كان من أبي دلف إلَّا أن قال له :”ما أكثر مُبالغتك في وصفك لنفسك بالشجاعة ومدحها! وبالكاد أرى أثرًا لذلك” فقال بكر بن النطاح مُتعلِّلًا بقلة حِيلته : “وما حيلة الرجل الحاسر الأعزل أيها الأمير؟ “، فأمر له بسيفٍ ورُمحٍ وفرسٍ وعطايا من الأموال. وعن قصيدةٍ مدح فيها أبا دلف أعطاه عشرة آلاف درهم، فابتاع بها ضَيعة على نهر الأُبُلَّة، فتطلَّعت نفسه للمزيد فرجع إليه ينشده:

بِك ابتعْتُ في نَهــرِ الأُبُلَّــةِ ضَيعَةً .. عَليهَــا قُصَيْرٌ بالرُّخامِ مَشِيدُ

إلى جَنبِهَــا أُختٌ لهـا يَعرِضُونهــا .. وعِنـدكَ مَالٌ لِلهِبَاتِ عَتيدُ

وكان ثمنها عشرة آلاف درهم أخرى، فأعطاه المال لكنه قال له :” يا بكر بن النطاح، إن بجانب كل ضيعة أختها إلى الصين، وهذا أمر لا ينقضي، فحذارِ أن تأتيني غدًا وتُعيد كَرَّة ما طلبت”.

وظل بن النطاح مُصاحبًا ومُلازمًا له يمدحه ويجني منه المال حتى مات أبو دلف، ومن قوله مادحًا إياه عندما طَعن اثنين من قطَّاع الطرق الأكراد بضربة رمح واحدة:

قــالــوا و ينظم فــارسيــن بطعنــةٍ .. يــوم اللقاء، و لا يراه جليلا

لا تعجبــوا، لو أنّ طـــول قنـــاته .. ميــل إذا نظم الفوارس ميلا

وقد مدح بكر بن النطاح أيضًا يزيد بن مزيد الشيبانيّ، ومالك بن طوق والي دمشق، ومالك بن عليّ الخزاعيّ والي البصرة إبّان حكم هارون الرشيد.

بكر بن النطاح وغيره من الشعراء وفدوا لبغداد العباسية

رائعته في مدح أبي دلف:

كانت هذه القصيدة المُطوَّلة من روائع مدحه في أبي دلف العجليّ، يقول فيها:

قِفــا و اسْألاهــا إنْ أجــابتْ و جرِّبـــا .. أبا دلف في شأنها الحسناتِ

فتى إنْ أَقلّ السيف و الرمح مخرج.. عِداه من الدنيا بغير بياتِ

هو الفاضلُ المنصورُ والراية التي.. أدارتْ على الأعداءِ كأس مماتِ

عدت خيله حمر النحور و خيلهم.. مخضّبة الأكفال و الربلاتِ

و صبّح صبحًــا عسقلان بعسكــر .. بكــى منه أهل الروم بالعَبراتِ

بدينِ أميـــر المـــؤمنين و رأيــه .. نديــن و ننفي الشكّ و الشّبهاتِ

فكلّ قبيـــل من معـدّ و غيرهــــا .. يــرى قاسما نورًا لدى الظلماتِ

أبا دلف، أوقعت عشرين وقعة.. وأفنيت أهل الأرض في السّنواتِ

تركتَ طريقَ الموتِ بالسيفِ عامرًا.. تخرّقه القتلى بغير وفاةِ

صبرتَ لأنّ الصبــرَ منـــك سجيّةٌ .. علـى غدراتِ الدهر ذي الغدراتِ

و لبّيتَ هــارون الخليفــة إذْ دعــا .. فألفيتــه في اللّه خير مؤاتِ

وقال يمدح أبا دلف أيضاً:

ومقسِّمٍ بين القــواضبِ والقِنـا .. غضـبَ الملوكِ ونيَّـةَ العُبَّــادِ

فــــإذا أبو دُلَفٍ أمَـــدَّ بـذِكـــرِهِ .. جيـشـــــاً كفـاهُ مَـئونَـةَ الإمـدادِ

من أشعاره في الأدب والحكمة :-

أهــدَى إليــك نصيحتــي و مودّتـي .. قبـل اللّقاء شواهد الأرواح

وَ على القلوب من القــلوبِ دلائل.. بالــودِّ قبل تشاهد الأشباح

سبْقه في شعر الغزل:-

كان الغزل من أكثر ما تميَّز به بن النطاح، ولم يستطعْ شعراء عصره مُجاراة كلماته الرَّقراقة، وحسّه المُرهف، وبديع غَزَله، وقد رَوى المُبرد عن الحسن بن رجاء أنه قال : اجتمع جَمع من الشعراء يتناظرون ويتناشدون الشعر فيما بينهم، فتريَّث بكر بن النطاح حتى فرغوا جميعًا لِيُنشدهم قوله البديع في الغزل الذي دفعهم من فَرط إعجابهم إلى تقبيل رأسه، فقال:

ما ضــرَّهـــا لــو كتَبـتْ بالـــرِّضـى .. فجــفَّ جفن العينِ أو أغْمَضَا

شفـــــاعـــــةٌ مــــردوةٌ عنــدهــــا .. فــي عاشقٍ يودُّ لو قد قَضى

يا نفــسُ صبــرًا واعْلمي إنَّمَـــا .. يَأْمــــلُ مِنها مثلما قد مَضى

لم تمــرضْ الأجفـــانُ من قــــاتــلٍ .. بلحْظــه إلّا لأنْ أَمرضَا

ومن أشهر قصائد غَزَله ما غنَّتْ له أم كلثوم، تلك القصيدة التي جسَّد في كلماتها معاناة الصَّبِّ ولوعة الصِّبا للمحبوبة التي أَلفت الصدَّ والهجران فيقول:

أُكَذِّبُ طَرفي عَنكِ في كُلِّ ما أَرى.. وَأُسمِع أُذني مِنكِ ما لَيسَ تَسمَعُ

وَلَم أَسكُــنِ الأَرضَ الَّتـي تَسكُنينَهــا .. لِكَـي لا يَقولوا صابِرٌ لَيسَ يَجزَعُ

فَـــلا كَبِــدي تَبلــى وَلا لَكِ رَحمَــــةٌ .. وَلا عَنكِ إِقصارٌ وَلا فيكِ مَطمَعُ

لَقيتُ أُمــورًا فيكِ لَم أَلـقَ مِثلَهــا .. وَأَعظَــمُ مِنها مِنكِ ما أَتَوَقَّعُ

فَلا تَســأَليني في هَـــواكِ زِيـادَةً .. فَأَيسَـــرهُ يُجزي وأَدناهُ يُقنِعُ

لمحات من حياة بكر بن النطاح :-

  • كان صعلوكاً يصيب الطَّريق ثم أقصر عن ذلك فجعله أبو دلف من الجُند، وجعل له رزقاً سلطانياً.
  • اتصل بيزيد بن مزيد الشيباني وأبي دلف العجلي وأخيه معقل، وقُرَّة بن محرز الحنفي، و مالك بن علي الخزاعي، وخربان بن عيسى، واستفرغ مدائحه فيهم وحصل على جوائزهم وعطاياهم، وقد كان كثير التردُّد على هؤلاء كثير السؤال لهم وله معهم أخبار كثيرة ذُكِرَت بعضاً منها في أوائل قصائده.
  • كان بطلاً فارساً حسن الشَّعر والتصرُّف به، كثير الوصف لنفسه بالشَّجاعة والإقدام.
  • استهوته جارية لبعض الحنفيين تسمى رامشنة، كما كان يهوى جاريَةً من جواري القيان لبعض الهاشميين يقال لها دُرَّة، ونَظَمَ فيها شعراً كثيراً.
  • كان بكر بخيلاً، دخل عليهم عباد بن الممزق، فقدَّم إليه خبزاً يابساً قليلاً بلا أُدْم، ورفعه بين يديه قبل أن يشبع، فقال عبَّاد يهجوه:

مَــنْ يشتــــري منـي أبــا وائـــــلِ .. بكــــرَ بن نطَّــاحَ بفَلْـسَيْنِ؟

كأنَّــمــــا الآكِـــــلُ من خُـبـــــزِهِ .. يأكُـــــلُ من شَحْـمَةِ العَـيـْنِ

وفاته:-

اختلفت آراء من تناول حياة الشاعر حول فترة وفاته، فقد ذهب أبو الفرج الأصفهاني إلى تحديد سنة ما وخير الدين الزركلي إلى سنة أخرى، لكن الأقرب للدقة هو ما تناوله الصفدي بالقول: إن النطاح مات قبل سنة 211 هجرية، وقد رثاه أبو العتاهية قائلاً:

مـاتَ ابن نطــاح أبو وائل ..

بكْـرْ فأمسـى الشِّعر قد بـانـا

المصادر:-

  • عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي.
  • صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات.
  • ابن رشيق القيرواني، العمدة.
  • حاتم الضامن، شعر بكر بن النطاح.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى