أعلام

بكر التاهرتي .. الشاعر والفقيه الجزائري

اتصل بالخليفة العباسي المعتصم بالله ومدحه فقرّبه وأكرمه وجاد عليه بالعطايا

أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل (أو سهر) بن أبي اسماعيل الزناتي التاهرتي من شعراء الطبقة الأولى في عصره، ومن أشهر علماء الجزائر وأدبائها في هذا العصر.

مولد ونشأة بكر التاهرتي :

ولد بكر بن حماد التاهرتي سنة 200هـ/ 810م بمدينة تاهرت (ولاية تيارت حاليا) عاصمة الدولة الرستمية، ونشأ وتربى بهذه المدينة، وأخذ العلم والأدب عن علمائها، إلَّا أنه غادرها وهو ابن 17 سنة نحو إفريقية (تونس) وبلاد المشرق طلبا ًللعلم والتبحر فيه.

نزل التاهرتي بمدينة القيروان وقرأ بها الفقه والحديث وبقية العلوم التي كانت تلقى بمساجدها على يد كبار مشايخها منهم: الفقيه المالكي «سحنون بن سعيد التنوخي» صاحب «المدونة الكبرى»، والإمام «عون بن يوسف الخزاعي» وغيرهم.

بكر بن حماد التاهرتي في بغداد:

لم يطل مكوث بكر التاهرتي في القيروان فبعد حوالي سنة قرر ابن حماد التاهرتي الارتحال نحو المشرق، ولا يُعرف تفاصيل رحلته هذه؛ إن كان قد مرّ على مصر في طريقه، أو إن كان قد أدى فريضة الحج، لكن المؤكد أنه نزل بالبصرة ثم الكوفة، ومنها دخل إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية التي استقر بها وأكمل تعليمه على يد كبار وعلمائها وأدبائها، فأخذ عن كبار المحدثين أمثال: «أبي الحسن مسدد بن مسرهد الأسدي»، و«عمرو بن مرزوق الباهلي»، و«بشر بن حجر الشامي» وغيرهم كثير.

ابن حماد التاهرتي قصد بغداد مدينة العلم آنذاك.

كما التقى الكثير من الأدباء فصاحبهم وجالسهم أمثال: الشاعر الكبير «دعبل الخزاعي»، و«أبي تمام حبيب بن أوس الطائي» صاحب «ديوان الحماسة»، والنحوي «عباس بن فرج الرياشي»، والشاعر المحدث «علي بن الجهم»، والأديب «سهل بن محمد السجستاني»، وغيرهم من فطاحل الأدب العربي، وكانت له مع هؤلاء مساجلات ومطارحات أدبية وشعرية ونثرية، عملت على صقل شخيصة التاهرتي العلمية.

كما اتصل بالخليفة العباسي «المعتصم بالله» (217- 227هـ) ومدحه فقرّبه وأكرمه وجاد عليه بالعطايا.

من بغداد إلى القيروان:

وبعد أن استوفى تعليمه وغدا أديباً وشاعراً ومُحدِّثاً عاد ابن حماد التاهرتي في حوالي سنة 239هـ من المشرق، ونزل مجدداً بالقيروان، لكن هذه المرة مدرّساً لا طالباً، فتصدّر بجامع القيروان لتدريس الحديث والأدب، وصار من كبار شيوخه، يقصده الطلاب من أهل المغرب والأندلس على اختلاف مذاهبهم، وتخرج على يده الكثير منهم:  الإمام «قاسم بن أصبغ البياني الأندلسي».

وكان مجلس بكر بن حماد التاهرتي يكاد لا يخلو من المناقشات العلمية والأدبية مما يدلّ على رفعة شأنه في الفقه والحديث وعلو كعبه في الأدب والشعر، حيث قال عنه ابن عذارى المراكشي: «كان عالماً بالحديث وتمييز رجاله وشاعراً مفلقاً».

ويُعتبر التاهرتي من الرُّواة الثقة إذ كان يروي عنه أهل السنة والخوارج على حد سواء، وتجدر الإشارة هنا إلى أن  كل من ترجم له أكَّدَ على أنه كان على مذهب أهل السنة والجماعة، وحتى وإن كان في أول عمره إباضياً إلا أنه رحلته وإقامته الطويلة في المشرق والقيروان كان من شأنها التأثير على عقيدته وتحوله إلى السُّنة.

بكر التاهرتي قصد القيروان الشهيرة بعلمائها.

عودته إلى تاهرت:

كان بكر بن حماد التاهرتي خلال إقامته بالقيروان يتردد على مدينة تاهرت بين الحين والآخر، إلا أنه وفي سنة 295هـ/ 709م قرَّر أن يغادرها نهائيا؛ وذلك بسبب وشاية من قبل بعض منافسيه الذين كادوا له لدى حاكم إفريقية الأمير «إبراهيم بن أحمد بن الأغلب»، فخاف عن حياته وفرَّ هارباً إلى مسقط رأسه.

آثار بكر التاهرتي :

خلَّف ابن حماد التاهرتي «ديوان شعر» كبير، يحتوي القصائد المتنوعة المواضيع، إلا أنه وللأسف ضاع منه الكثير، وقد حاول صاحب كتاب الدر الوقاد جمع ما تبقى منه، وقام بتنظيمه وترتيبه في أبواب وأخرجه في كتاب سماه: «الدر الوقاد من شعر بكر ابن حماد التاهرتي».

جاء شعر بكر التاهرتي في أغلبه في الوعظ والإرشاد فهو في الأساس من علماء الدين ورواة الحديث النبوي فضلاً عن ميله للزهد، كما غلبت عليه الصبغة العلمية والفلسفية وهو في ذلك يشبه إلى حدٍ كبيرٍ شعر أبي العتاهية.

وقد نظم في أغراض شتى: كالوصف، والهجاء، والمدح، والرثاء، وحتى الاعتذار، ومنها القصيدة التي رفعها للإمام «أبي حاتم الرستمي» (271- 294هـ) بسبب اتهامه في المشاركة في الفتنة التي وقعت بين الإمام وعمه «أبي يعقوب بن أفلح» سنة 282هـ/ 895م، إذ يقول في مطلعها:

ومؤنســة لي بالعـــراق تركتهــا .. وغصـن شبابي في الغصون نظير

فقالت كمـــــا النـــواســــي قبلهــا .. عزيـــــز علينا أن نراك تسير

فقلت جفـــاني يوسف بن محمد .. فطــــال علي الليل وهو قصير

أبا حاتم ما كـــان ما كـــــان بغضة .. ولكن أنت بعد الأمور أمور

فأكرهني قوم خشيت عقابهم .. فداريتهم والدائرات تدور

وقال بكر التاهرتي مادحاً المعتصم:

ملوك بني العباس في العد سبعة .. ولم تأتنا عن ثامنهم كتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة .. خياراً إذا عُدَوا و ثامنهم كلب

وإني لأعلي كلبهم عنك رفعـــة .. لأنـــك ذو ذنب وليس له ذنب

وفاته:

توفي بكر بن حماد التاهرتي بعد عام من عودته إلى مسقط رأسه، أي سنة 296هـ/ 909م في قلعة ابن حمة شمال تاهرت، وهي نفس السنة التي سقطت فيها الدولة الرستمية في يد العبيديين.

اقرأ ايضاً المغرب .. حيث مظاهر الصوفية تنتشر في كل الأرجاء

مراجع للاستزادة:

• الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد التاهرتي، محمد بن رمضان شاوش، المطبعة العلوية، مستغانم.
• عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج1، دار مكتبة الحياة.
• عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.
• أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج1، تحقيق إحسان عباس، دار صابر.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى