أخبار العرب

بكاء على قبر العدو

قال الـمُبَرِّد: حدثني رجل من أصحابنا، قال: شهدت رجلاً في طريق مكة المكرمة معتكفاً على قبر، وهو يردد شيئاً ودموعه تَكِفُّ من لحيته، فدنوْتُ إليه لأسمع ما يقول، فجَعَلَتْ العَبْرَةُ تَحُولُ بينه وبين الإبانة.

 فقلت له: يا هذا! فرفع رأسه إليَّ، وكأنَّما هبَّ من رَقْدَةٍ، فقال: ما تشاء؟ فقلت: أعلى ابنك تبكي؟ قال: لا، قلت: فعلى أبيك؟ قال: لا، ولا على نسيبٍ ولا صديقٍ، ولكن على من هو أخصُّ منهما، قلت: أو يكون أحدٌ أخصَّ ممَّن ذكرْتَ؟ قال: نعم، مَنْ أُخْبِرُكَ عنه، إنَّ هذا المدفونَ كان عدواً لي من كل بابٍ، يسعى عليَّ في نفسي وفي مالي وفي ولدي، فخرج إلى الصيد أَيْأَسَ ما كنْتُ مِنْ عَطَبِهِ، وأكملَ ما كان مِنْ صِحَّتِهِ، فرمى ظبياً فأَقْصَدَهُ، فذهب ليأخذَهُ، فإذا هو قد أَنْفَذَهُ حتى ظهر سهمه من صَفْحَةِ الظَّبي، فَتَعَثَّرَ فتلقَّى بفؤاده ظُبَّةَ السَّهمِ، فَلَحِقَهُ أولياؤُه فانتزعوا السَّهْمَ وهو والظبيُّ مَيْتانِ، فنمى إليَّ خبرُهُ، فأسرعْتُ إلى قبرِهِ مُعْتَبِطاً بِفَقْدِهِ، فإنِّي لضاحكُ السِّنِّ؛ إذ وقعَتْ عيني على صخرةٍ، فرأيْتُ عليها كتاباً، فَهَلُّمَ فاقرأْهُ، وأَوْمَأَ إلى الصخرة، فإذا عليها:

وما نحنُ إلَّا مِثْلُهُم غيرَ أنَّنا 

أقمْنَا قليلاً بَعْدَهُم وتقدَّموا

قلت: أشهد أنَّك تبكي على مَنْ بكاؤك عليه أحقُّ من النَّسيبِ.

المصادر:

الكامل للمُبرِّد (4/78).

Image by Christo Ras from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى