أخبار العرب

من رسائل بديع الزمان الهمذاني

كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتاً، إلا مرة واحدة فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم حرفاً

التعريف بالشخصية:-

أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، أبو الفضل، المعروف بديع الزمان الهَمَذَاني، العلامة البليغ صاحب المقامات المشهورة والرسائل الرائقة، وُلِدَ في مدينة هَمَذان الإيرانية 13، جمادى الآخرة، سنة 358هـ، انتقل إلى هَرَاة سنة 380هـ فسكنها، ثم ورد نيسابور سنة 382هـ ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق، ولما مات الخوارزمي خلا له الجو فلم يدع بديع الزمان الهمذاني بلدة من بلدان خراسان وسجستان وغَزْنة إلا دخلها، ولا ملكاً ولا أميراً إلا فاز بجوائزه.

قال عنه الثعالبي: “بديع الزمان، ومعجزة هَمَذَان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصر، ولم نرَ نظيره في الذكاء وسرعة الخاطر وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس، ولم نُدْرِكْ نظيره في طرف النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، وكان صاحب عجائب وبدائع؛ فمنها أنه كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتاً، إلا مرة واحدة فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم حرفاً، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره، نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذّاً ويسردها سرداً، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان يُقترَحُ عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة”.

توفي بديع الزمان الهمذاني في هَرَاة الأفغانية، يوم الجمعة، 11 جمادى الآخرة، سنة 398هـ، قيل: أصابته سكتة قلبية، وعُجِّل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نُبِشَ عنه، فوجدوه قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر.

من رسائل بديع الزمان الهمذاني :-

  • قال بديع الزمان الهمذاني : وقد نظرتُ في المرآة فوجدتُ الشَّيبَ يتلهّبُ وينهبُ، والشَّبابُ يتأهبُ ويذهب، وما أُسرج هذا الأشهب إلَّا لسيرٍ، وأسألُ اللهَ خاتمة خيرٍ.
  • وبيننا عذراءُ، زُجاجُها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامةٌ، أو شمسٌ حجَبَتها غمامةٌ، إذا طافَ بها السَّاقي فوردٌ على غُصنِها، أو شربها مقهقهةٌ فحمامةٌ على فننِهَا.
  • انظُر إلى الكلام وقائلهِ؛ فإِن كانَ وليَّاً فَهُوَ الولاءُ وإِن خشُن، وإِن كان عدوَّاً فهُوَ البلاءُ وإِن حَسُن؛ الأ تَرَى العربَ تقولُ: قاتلهُ الله، ولا يُريدُونَ الذَّم؛ ولا أبا لهُ، في الأمرِ إذا تَمّ.
  • وفائدةُ الاعتقادِ أفضلُ في الانتقادِ، والسَّماحُ يكسر الرِّماح، والصفحُ يفُلُّ الصِّفاح، والجُودُ أنصرُ من الجنود؛ فإِن كشف الضُّرِّ عن الحُرِّ، أجملُ من كشْفِ الصَّدَفِ عن الدُّر؛ ومَن عُرِفَ بالمِنَح، قُصِدَ بالمَدح، وقد ظلَم من يلومُ غير ملومٍ، فالتغاضي يصحبُ المراضي،  واللبيبُ يُعيدُ البعيدُ قريباً، والعدوَّ حَبيباً، و حضرةُ السُّلطان مفزع الرَّاجين، ومنزعُ اللاجين، إليها يعودون وبها يعوذون، وهي المقرُّ، وإليها المفرُّ، وإِذا عدَلَ الملكُ أقصَرَ الحائفُ، وآمن الخائفُ، وخَيْرُ الإخوان من ليسَ بخوَّان؛ ودهُ ميمونٌ، وغيبهُ مأمونٌ، فهُوَ يُحالفكَ ولا يُخالفك، ويُرافقك ولا يُفارقُك، ويُوافِقكَ ولا يُنافقُكَ، ويُعاشركَ ولا يُكاشُرك، وإِذا حضرت حَنَا علَيكَ، وإذ غِبْتَ حَنَّ إِليكَ.
رسائل بديع الزمان الهمذاني طارت في الآفاق .
  • كِتَابي إلى البحرِ وإنِ لَم أَرَهُ، فقد سمعتُ خبرهُ، واللَّيث وإن لَمْ ألْقَهُ فقَد تصوَّرتُ خلقه، والملكُ العادِلُ وإِن لم أكُنْ لقيته، فقد بلغني صِيتُه، ومن رَأى منَ السَّيفِ أثرُه، فقد رأى أكثره؛ وهذه الحضرةُ وإِن احتاجَ إليها المأمون، ولم يستغْنِ عَنْهَا قارونُ، فإِنَّ الأَحَبَّ إِلَيَّ أن أقصدَها قَصْدَ موالٍ، لا قَصْدَ سُؤالٍ، والرُّجوع عنها بجمالٍ أحبُّ إليَّ مِنَ الرُّجوعِ عنها بمالٍ، قدَّمتُ التعريف، وأنَا أنتَظِرُ الجوابَ الشَّريف.
  • قال بديع الزمان الهمذاني : كُلفةُ الفضْلِ هَيِّنَةٌ، وفُرُوض الوُدِّ متعيِّنةٌ، وأرضُ العشِرَةِ لَيِّنةٌ، وطُرُقُها بيِّنَة، فلِمَ اختار قعود التَّعالي مركباً، وصعود التَّغالي مذهباً؟ وهلَّا ذاد الطَّيرُ عن شجرةِ العِشْرَة، وذَاقَ الحُلو من ثمرِها؟، فقد عَلِمَ اللهُ أنَّ شوقي إليهِ قد كَدَّ الفؤادُ برحاً على برح، ونكأهُ قرحاً على قَرْح، ولكِنَّها مَرَّةٌ مُرَّةٌ، ونفسٌ حُرَّةٌ، لم تَعُد إِلَّا بالإعظام، ولم تُلْق إلَّا بالإجلال، وإِذا استغفاني من مُعاتبتي، وأعفى نفسهُ من كُلف الفضل بتجشُّمها، فليسَ إِلَّا غُصصُ الشَّوْقِ أتجرّعها، وحُلل الصبر أتدرعُها، ولم أغرِهِ من نفْسي، وأنا لو أُعرتُ جناحي طائرٍ لما طِرْتُ إلَّا إليه، ولا وقَعْتُ إِلَّا عليهِ.
  • رُقعتي هذه –أطال اللهُ بقاء الشَّيخ الجليل- من بعض الفلوات، ولو جهلتُ أن الحَذَق لا يزيدُ في الرِّزْقِ، وأَنَّ الدَّعةَ لا تَحْجِبُ السَّعَة، لعذرتُ نفسي في الرَّحال أشُدُّهُ، والحبل أمدُّهُ؛ ولكنِّي أعلمُ هذا وأعملُ ضدّهُ، وأصلُ سُراي بسيري، ليُعلم أنَّ الأمر لغيري؛ وإلَّا فمن أخذني بالمطار في هذهِ الأقطار، والمصار في هذهِ الأمصار، لولا الشَّقَاء؛ ألَمْ يأتني العُمرُ بهيجاً، والرزْقُ نهيجاً نضيجاً، حتى آتيه قصداً، وأتكلَّف لهُ زرعاً وحصْداً، وأُعَارضهُ شَيَّاً وطبخاً، وأعرض لهُ الشِّعاب، والجِبال الصِّعاب، وأنزِل بمُناخِ السُّوء، لكنَّ المرءَ يُساقُ إلى ما يُرادُ به، لا إلى ما يُريد.
  • وله في التعزية: “الموت خَطْبٌ قد عَظُمَ حتى هان، ومَسٌّ قد خَشُنَ حتى لان. والدنيا قد تنكَّرت حتى صار الموت أخَفَّ خطوبها، وجَنَتْ حتى صار أصْغَرَ ذنوبها. فلتَنْظُرْ يَمْنَةً؛ هل ترى إلا مِحْنة؟! ثم انظر يَسْرَةً؛ هل ترى إلا حَسْرَة؟!”.
الهمذاني .. الكاتب والأديب والشَّاعر الكبير.

المصادر:-

  • يتيمة الدهر للثعالبي.
  • مسالك الأبصار في ممالك الأنصار، العمري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى