أعلام

بديع الزمان الهمذاني .. العلّامة البليغ صاحب المقامات المشهورة

قال عنه الثعالبي :"معجزة هَمَذَان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصر"

اسمه ونشأته:-

أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، أبو الفضل، المعروف بديع الزمان الهَمَذَاني، العلامة البليغ صاحب المقامات المشهورة والرسائل الرائقة، وُلِدَ في مدينة هَمَذان الإيرانية 13، جمادى الآخرة، سنة 358هـ، انتقل إلى هَرَاة سنة 380هـ فسكنها، ثم ورد نيسابور سنة 382هـ ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق، ولما مات الخوارزمي خلا له الجو فلم يدع بديع الزمان الهمذاني بلدة من بلدان خراسان وسجستان وغَزْنة إلا دخلها، ولا ملكاً ولا أميراً إلا فاز بجوائزه.

استحق بديع الزمان الهمذاني مكانة علمية وأدبية راقية
استحق بديع الزمان الهمذاني مكانة علمية وأدبية راقية

مكانة بديع الزمان الهمذاني العلمية:-

كان أحد الفضلاء والفصحاء، متعصباً لأهل الحديث والسنة، كان يعرف الرجال والمتون، ما أخرجت همذان بعده مثله، وكان قويَّ الحافظة يُضربَ المثل بحفظه.

مقامات بديع الزمان الهمذاني:-

الهمذاني أحد أئمة الكُتَّاب، له «مقامات» أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها، واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، ويذكر أن أكثر مقامات بديع الزمان ارتجال، وأنه كان ربما يكتب الكتاب مبتدئا بآخر سطوره ثم هلم جراً إلى السطر الأول فيخرجه ولا عيب فيه.

والمقامات مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي يدعى أبو الفتح الإسكندري، عُرِفَ بخداعه ومغامراته وفصاحته وقدرته على قرض الشعر وحسن تخلصه من المآزق، إلى جانب أنه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه، والضحكة من الأعماق، ويروي مغامرات هذه الشخصية رجل وهمي يدعى عيسى بن هشام.

وتنطوي المقامات على ضروب من الثقافة؛ إذ نجد بديع الزمان يسرد علينا أخباراً عن الشعراء في مقامته الغيلانية ومقامته البِشْرية، ويزودنا بمعلومات ذات صلة بتاريخ الأدب والنقد الأدبي في مقامته الجاحظية والقَرِيضِيّة والإبليسية، كما يقدم في المقامة المارستانية وهو السني المذهب، حجاجاً في المذاهب الدينية فيُسفِّه عقائد المعتزلة ويرد عليها بشدة وقسوة، ويستشهد أثناء تنقلاته هذه بين ربوع الثقافة بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وقد عمد إلى اقتباس من الشعر القديم والأمثال القديمة والمبتكرة، فكانت مقاماته مجلس أدب وأنس ومتعة، وقد كان يُلقيها في نهاية جلساته كأنها ملحة من ملح الوداع المعروفة عند أبي حيان التوحيدي في “الإمتناع والمؤانسة”، فراعى فيها بساطة الموضوع، وأناقة الأسلوب، وزودها بكل ما يجعل منها:

  1. وسيلة للتمرن على الإنشاء والوقوف على مذاهب النثر والنظم.
  2. رصيداً لثروة معجمية هائلة.
  3. مستودعاً للحكم والتجارب عن طريق الفكاهة.
  4. وثيقة تاريخية تصور جزءاً من حياة عصره وإجلال رجال زمانه.

كما أن مقامات الهمذاني تعتبر نواة المسرحية العربية الفكاهية، وقد خلَّد فيها أوصافاً للطباع الإنسانية فكان بحق واصفاً بارعاً لا تفوته كبيرة ولا صغيرة، وأن المقامات هذه لتحفة أدبية رائعة بأسلوبها ومضمونها وملحها الطريفة التي تبعث على الابتسام والمرح، وتدعو إلى الصدق والشهامة ومكارم الأخلاق التي أراد بديع الزمان إظهار قيمتها بوصف ما يناقضها، وقد وفق في ذلك أيما توفيق.

سبب إنشاء المقامات:-

ذكر الحُصَري رحمه الله في كتاب “زهر الآداب” أن الذي دفع الهمذاني إلى إنشاء مقاماته؛ هو رؤيته لأبي بكر بن الحسين بن دريد قد أغرب في أربعين حديثاً، ذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره، على طبع العرب الجاهلية، بألفاظ بعيدة حُوشية، فعارضه البديع بأربعمائة مقامة، لطيفة الأغراض والمقاصد، بديعة المصادر والموارد.

شِعر بديع الزمان الهمذاني:-

كان شاعراً، له كل معنى حسن من نظم ونثر، وطبقته في الشعر دون طبقته في النثر، ومن شعره:

يَكَادُ يَحْكِيكَ صَوْبُ الْغَيْثِ مُنْسَكِباً
                 لَوْ كَانَ طَلْقَ الْمُحَيَّا يُمْطِرُ الذَّهَبَا
وَالدَّهْرُ لَوْ لَمْ يَخُنْ وَالشَّمْسُ لَوْ نَطَقَتْ
                 وَاللَّيْثُ لَوْ لَمْ يَصُلْ وَالبَحْرُ لَوْ عَذُبَا
مَا اللَّيْثُ مُخْتَطِماً مَا السَّيْلُ مُرْتَطِمَا
                 مَا البَحْرُ مُلْتَطِماً وَاللَّيْلُ مُقْتَرِبَا
أَمْضَى شَباً مِنْكَ أَدْهَى مِنْكَ صَاعِقَةً
                 أَجدَى يمِيناً وَأَدنَى مِنْكَ مُطَّلَبَا

بديع الزمان الهمذاني .. صاحب الأوصاف العالية والراقية

رسائل بديع الزمان الهمذاني:-

ما قاله في الضيف الثقيل: “الماءُ إذا طال مكْثُه ظهر خُبْثُه، وإذا سكنَ متْنُه تحرَّك نتـنُه، وكذلك الضَّيفُ يسمُجُ لقاؤه، إذا طالَ ثواؤه، ويثقلُ ظلُّه إذا انتهى محلُّه، والسَّلام”

ومن ذلك قوله: “حَضْرَتُهُ الَّتي هي كَعْبَةُ الـمُحْتاج، لا كعبة الحُجَّاج. ومَشْعَر الكَرَم لا مشعر الحَرَم. ومُنَى الضيف لا مِنَى الخيف. وقبلة الصِّلات لا قبلة الصَّلاة”.

وله في التعزية: “الموت خَطْبٌ قد عَظُمَ حتى هان، ومَسٌّ قد خَشُنَ حتى لان. والدنيا قد تنكَّرت حتى صار الموت أخَفَّ خطوبها، وجَنَتْ حتى صار أصْغَرَ ذنوبها. فلتَنْظُرْ يَمْنَةً؛ هل ترى إلا مِحْنة؟! ثم انظر يَسْرَةً؛ هل ترى إلا حَسْرَة؟!”.

وكتب إلى ابن أخته: “أنتَ وَلَدِي ما دُمت: والعِلم شأنَك، والمدرسةُ مكانك، والمحبرة حليفك، والدفتر أليفك، فإن قصرت ولا إِخالك، فغيري خالك، والسَّلام”.

وقال أيضاً: العلمُ شيءٌ بعيد المرام، لا يُصادُ بالسِّهام، ولا يُقسم بالأزلام، ولا يُرى في المنام، ولا يُضبطُ باللِّجام، ولا يُكتَبُ للئام، ولا يُورثُ عن الآباء والأعمام.

بديع الزمان لا ينازعه أحد في مضماره

أقوال العلماء فيه:-

قال عنه الثعالبي: “بديع الزمان، ومعجزة هَمَذَان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصر، ولم نرَ نظيره في الذكاء وسرعة الخاطر وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس، ولم نُدْرِكْ نظيره في طرف النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، وكان صاحب عجائب وبدائع؛ فمنها أنه كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتاً، إلا مرة واحدة فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم حرفاً، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره، نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذّاً ويسردها سرداً، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان يُقترَحُ عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة”.

عالج إمام اللغة أبو منصور الثعالبي النيسابوري بهذا الكتاب الشأن اللغوي الدقيق، نفد فيه إلى لباب اللغة ولطائفها من غير عنت أو تعقيد، أو تنظير منفر يستحوذ على القواعد والقيود دون الجواهر، حيث يعد كتاب "فقه اللغة وسر العربية" واحد من كتب قليلة جداً شُغلت بلغة العرب وأساليبهم، ومأثورهم البياني، وخصوصيات البناء والصياغة والاشتقاق، وسائر معهودهم في استخدام اللغة.
الثعالبي الإمام في اللغة أطنب في ذكر سمات الإبداع في أعمال الهمذاني

قال أبو إسحاق الحُصْرِي في كتاب «زهر الآداب»: “هذا اسم وافق مسمَّاه، ولفظ طابق معناه، كلامه غضّ المكاسر أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفاً والهوى يعشقه ظرفاً”.

بين مقامات الهمذاني والحريري:-

لقد أشبَعَ المؤرخون والأدباء والنُقَّاد مقامات كل من بديع الزَّمان الهمذاني والقاسم الحريري بحثاً وتقييما ومقارنة، وقد ذهَبَ فريقٌ منهم إلى تفضيل ما قدَّمه الأول، فيما مالَ الطَّرَف الآخر لِما طرحه الثاني من مقاماتٍ لما فيها من جزالةٍ وبلاغةٍ تفوق نظيرتها التي جاء بها الهمذاني.

وفي هذا الصَّدد ؛ قال الشريشي: سأل بعضهم علماء الأدب في عصرنا عن الحريري والبديع، فقيل: لم يبلغُ الحريري أن يُسمَّى بديع يوم، فكيفَ يُقارن ببديع الزمان.

الحريري نفسه اعترف بفضل البديع في صَدر مقاماته، قائلاً: “إن المُتصدِّي لإنشاء المقامات عيالٌ عليه”، ثم عاد ليدَّعي فضل البديع عليه لتقدُّمه في الزمان لا أكثر، ثم نفى في المقامة السابعة والأربعين أفضلية الهمذاني عليه حتى في الزمان أيضاً، وذلك حينما قال:

إن يكُن الإسكندري قبلي .. فالطَّلُ قد يبدو أمام الوبل .. والفضلُ للوابل لا للطَّلِ

من قام بتفضيل مقامات الهمذاني؛ قال: إنها ارتجال دون مقامات الحريري، لدرجة أن البديع كان يقول لأصحابه: “اقترحوا غرضاً نبني عليه مقامةً”، فيقترحون عليه ما يريدون، فيُملي عليهم المقامة ارتجالاً في الغرض الذي جرى اقتراحه، ما يدلُّ على تفضيله على الحريري.

صيت ذائع لمقامات الحريري

وفي المقابل؛ فإن من يُفضِّل مقامات الحريري على نظيرتها التي أتى بها الهمذاني؛ فإنَّه يقول: إن مقامات الهمذاني فيها قِلَّة إمتاع للسامع من حديثها؛ ذلك لأن فيها مقامات لا تزيد على عشرة أسطر، بينما تتميز مقامات الحريري بكونها أحفل وأجزل دون مقامات الهمذاني، كما أنها تفوقها من ناحية طرقِ أنواع من البديع لم يأتِ بها الأخير، ومن هذه الأنواع الأحاجي والألغاز.

وفاة الهمذاني :-

توفي بديع الزمان الهمذاني في هَرَاة الأفغانية، يوم الجمعة، 11 جمادى الآخرة، سنة 398هـ، قيل: أصابته سكتة قلبية، وعُجِّل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نُبِشَ عنه، فوجدوه قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر.

وقال الثعالبي هنا: ” .. ثم ألقى عصاة بهراة، فعاش فيها عيشة راضية، وحين بلغ أشُده، وأربى على الاربعين سنة؛ ناداه الله فلبَّاه، وفارق دنياه في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة؛ فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدُّ القَلَم، وبكاه الفضائل مع الأفاضل، ورثاه الأكارم مع المكارم؛ على أنه ما مات من لم يمُت ذكرهُ، ولقد خَلَدَ مَن بقيَ على الأيام نظمهُ ونثرهُ، والله عزَّ وجل يتولاه بعفوه وغفرانه، ويُحييه بروحه وريحانه”.

المصادر:

  • الأعلام (1/115).
  • سير أعلام النبلاء (17/67/رقم 35).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/512).
  • يتيمة الدهر.
  • معجم الأدباء (1/234/رقم 78).
  • مقدمة شرح مقامات الحريري لأبي العباس الشريشي.
  • خمس مقامات من المقامات الحريرية، مكتبة المدينة للطباعة، كراتشي.
  • وفيات الأعيان (1/127/رقم 52).
  • http://www.aljazi.org/taib/man/ir/almoraqsat.pdf
  • https://www.marefa.org/بديع_الزمان_الهمذاني
  • مكتبة الكونغرس الأميركية.
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق