معلومات تاريخية

بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

عُرِفَ عنها بكونها "عاصمة الرياضيات" وذلك بفضل احتضانها لمعهد سيدي التواتي

مقدمة عن مدينة بجاية :-

تقع بجاية شمال شرقي الجزائر وتطل من الشمال على البحر الأبيض المتوسط، وقد شهدت المدينة ازدهاراً حضارياً كبيراً في عهد الدولة الحمادية حينما كانت عاصمة لها.

تسميات بجاية:

عرفت بجاية عدة تسميات عبر تاريخها، فكانت تعرف في عهد الفينيقيين باسم “صلداي”، وحينها كانت عبارة عن ميناء صغير يحط فيه تجار البحر المتوسط سفنهم.

 أما في عهد الحماديين؛ وبعدما شيد فيها الناصر بن علناس مدينة كبيرة أطلق عليها اسم “الناصرية” نسبة لاسمه، فقد ظلت المدينة تحمل هذا الاسم حتى سقوط حقبة الحماديين (1152 م).

أما تسمية بجاية؛ فقد جاءت في وقت متأخر نسبياً، وفي ذلك أكثر من تفسير، إذا يقول مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون (1332 – 1406 م): إن بجاية هو اسم القبيلة البربرية التي كانت تستوطن المدينة في البربرية “بقايث” أو “فقايث” وهي تابعة لكتامة، وتحول نطقها في اللسان العربي إلى بجاية، ولا يزال السكان المحليون لها يسمونها بقايث.

ابن خلدون
ابن خلدون صاحب العقلية الفذَّة ومؤسس علم الاجتماع

أما التفسير الثاني؛ فيقال إن الأوروبيين وخاصة الإيطاليين أطلقوا عليها اسم bougie (الشمع) لما كانت تصدر الشموع وشمع العسل المشهور بجودته الرفيعة وذلك لأغراض صناعة الشموع، والأخيرة كانت تلقى رواجاً كبيراً في أوروبا، وكان أهل بيزا الإيطالية يقصدون بجاية لتعلم طريقة صناعة الشموع في مصانعها، ولا يزال اسمها بوجي في اللسان الأوروبي.

التطور التاريخي لمدينة بجاية:

كانت بجاية في القديم عبارة عن ميناء صغير يعود تأسيسه إلى الفينيقيين، ومن ثم أصبحت مدينة بلغت قدراً من الأهمية في عصر المملكة الأمازيغية القديمة (202- 46 قبل الميلاد) والتي تعرف بــ “نوميديا”، وخلال فترة الاحتلال الروماني؛ توسعت إلى حد ما وكانت تابعة لمدينة سطيف القريبة منها حيث مقر الحاكم العام.

وصف الإدريسي مدينة سطيف

وبعد الفتوحات الإسلامية؛ تأسست بالقرب من بجاية عدّة مدن وعواصم إسلامية كبيرة، ما أكسبها أهمية إقتصادية، فضلا عن استفادتها على المستوين الثقافي والحضاري من تلك الحواضر.

ومن العواصم والمدن المجاورة والمهمة، طبنة عاصمة الأغالبة، وقلعة ايكجان التي انطلقت منها الدعوة الفاطمية، فصارت تابعة لهم واستمرت كذلك حتى في عهد خلفائهم بنو زيري.

وظلت بجاية ذلك الميناء المتوسطي الذي يقصده البحَّارة ذهاباً وإياباً، لكنها لم تحظَّ بأي مكانة سياسية إلا في عهد دولة الحماديين.

وصف الإدريسي مدينة بجاية

بجاية الناصرية.. عاصمة الحماديين:

تأسست مدينة بجاية في بداية النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (460هـ/ 1067م) على يد الأمير الحمادي الناصر بن علناس بغرض اتخاذها عاصمة جديدة لدولته الحمادية، وذلك بعد ما تعرضت عاصمته أشير وقلعتها للتخريب بسبب موقعة سبيبة.

ولعل سبب اختيار بجاية لهذا الغرض؛ هو ما ستوفره المدينة الوليدة من سبل لحماية للحماديين من غارات الهلاليين، وذلك بفضل موقعها الجغرافي وتضاريسها الحصينة.

وبعدما زارها الأمير؛ أعجب فيها وقرر تشييدها لتكون مدينة كبيرة وعاصمة جديدة للحماديين، فاختط على الميناء الصغير مدينة أصبحت بعد ربع قرن عاصمة تضاهي حواضر العالم، واحتفظت بمكانتها لما يقرب خمسة قرون.

وبعد تشييد بجاية؛ انتقل الناصر بن علناس إليها وأسس بها ورشتين لبناء السفن والمراكب، وشجع الناس على الانتقال إليها، ثم واصل خليفته المنصور بن الناصر من بعده تعمير المدينة.

معمار وعلوم وثقافة:-

كان تخطيط المدينة وهندستها يشبه إلى حد كبير الأحياء الراقية في الأندلس، فبنى فيها الكثير من القصور الجميلة من قبيل قصر اللؤلؤ الذي وصفه ابن خلدون بأنه ”من أعجب قصور الدنيا”، وبنى فيها الناصر قصراً لزوجته “بلارة بنت تميم بن المعز” أمير المهدية الصنهاجي.

وما لبثت أن أصبحت بجاية حاضرة كبيرة من حواضر العالم الإسلامي، وعلى عهد الحماديين صارت منارة علمية وثقافية.

ابن حوقل يتحدث عن مدينة القيروان
ابن حوقل يتحدث عن مدينة القيروان

وما ساعدها في ذلك؛ أكثر هو سقوط مدينة القيروان، الأمر الذي إلى انتقال الثقل الاقتصادي والعلمي إليها، لتصبح مقصداً للطلبة والعلماء من الشرق والغرب ومن خلف البحر (من أوروبا).

لذا يصفها ابن فضل الله شهاب الدين العمري (1301-1349 م) في كتابه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار بقوله: “إن بجاية هي ثانية مدن إفريقيا لا من حيث المناظر والموقع والأهمية التجارية ووفرة المنتوجات فحسب، بل زيادة على ذلك فهي حصينة مزهرة بفضل البواخر التي تتردد عليها وتجلب لها بضائع الدنيا”.

بجاية عاصمة الرياضيات:

ازدهرت الحياة العلمية في بجاية بشكل كبير في عهد الحماديين، وفي هذا الوقت؛ ظهر تنافس كبير بين حواضر العالم الإسلامي في مجال العلوم، فاشتهرت كل مدينة بعلم محدد، فعُرِفَ عن بجاية  بكونها “عاصمة الرياضيات” وذلك بفضل احتضانها لمعهد سيدي التواتي الذي كان بمثابة جامعة تقدم التعليم العالي، ولم تُستثنَ الإناث من فرصة الدراسة فيه، ومنه أخذ الأوروبيون الأرقام العربية والجبر والمقابلة وهندسة الإغريقي إقليدس.

بجاية .. المدينة الحضارية
بجاية .. المدينة الحضارية

العلماء في مدينة بجاية:

كانت بجاية مقصداً للعلماء والطلبة من الشرق والغرب، حتى قيل إن عدد المفتين فيها بلغ تسعين مفتٍ في زمن واحد، وبلغت مكانة مرموقة بين حواضر العالم.

 وقد أفرد الشيخ أبو العباس الغبريني وهو أحد كبار الفقهاء والمؤرخين في بجاية، مؤلفاً يجمع فيه تراجم عشرات العلماء والمؤرخين والأدباء والشعراء وغيرهم من المشاهير الذين احتضنتهم المدينة في القرن السابع الهجري.

وقد حمل الكتاب اسم “عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية”، وهو من أهم المصنفات الجزائرية في السير والتراجم.

ومن بين العلماء الذين تناولهم الغبريني في مؤلفه المذكور:

  • الغبريني أبو العباس وهو قاضي مدينة بجاية ويعدّ من أهم المؤرخين فيها.
  • أبو علي حسن المسيلي، الملقب بأبي حامد الصغير تشبيها له بأبي حامد الغزالي.
  • أبو الفضل بن محمد القيسي، اشتهر بابن حشرة، استدعاه الخليفة ابن عبد المؤمن ليجعله كاتب سره.
  • عبد الرحمن الوغليسي البجائي، وهو استاذ عبد الرحمن الثعالبي.

من العلماء الذين اختاروا الاستقرار في المدينة للتعلم والتعليم نذكر :

  • ابن حمديس الصقلي
  • أبو الفضل بن النحوي
  • أبي مدين شعيب الغوث
  • عبد الحق الأرزي الاشبيلي
  • أبو العباس أحمد الصدفي الشاطبي

أوروبيون درسوا في بجاية:

عرفت بجاية إقبال طلبة العلم عليها حتى من أوروبا عموماً وإيطاليا على وجه الخصوص، لعل أشهرهم الرسام الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي الذي تعلم فيها العلوم الرياضية خاصة علم الجبر والمقابلة ومن ثم قام بإدخالها إلى أوروبا.

الموحدون يرثون عاصمة الحماديين:

سقطت دولة بني حماد على يد الموحدين عام 547هـ وسقطت معها مدينة بجاية، ومنذ ذلك التاريخ؛ فقدت بجاية مكانتها السياسية وأضحت مدينة عادية، بعد كل ذلك الزخم الحضاري الذي تمتعت به في العهد الحمادي.

وبعد الموحدين؛ خضعت بجاية لحكم الزيانيين ملوك تلمسان، لكن بعد ضعفهم بايعت بجاية ملوك بني حفص لحمايتها، لتظل تابعة لهم حتى سقوطها في يد الإسبان.

مدينة تلمسان العريقة - الصورة تعود للعام 1860 م
مدينة تلمسان العريقة – الصورة تعود للعام 1860 م

وخلال العهد الحفصي لبجاية؛ زارها العلامة عبد الرحمن بن خلدون، واستقر بها حينما كان وزيراً للسلطان الحفصي بها، وظل يُدرِّس في مسجد المدينة ومعهد سيدي التواتي لمدة وتخرج على يده العديد من الطلبة.

الاحتلال الإسباني لبجاية:

احتل الإسبان مدينة بجاية عام 915هـ / 1510م، في إطار حروب الاسترداد، لكنهم عجزوا عن التوغل نحو الداخل بفضل مقاومة الإمارتين المحيطتين بالمدينة وهما كوكو و آل المقراني.

وكما هو معروف عن الإسبان اتلاف وتخريب كل المدن الإسلامية التي يبلغونها، فقد خربوا آثار وعمران بجاية، وجمعوا حمولة 30 سفينة من الآثار والكتب وأرسلوها هدية للملك، ولكن السفينة واجهت عاصفة هوجاء أغرقتها في عُرض المتوسط.

سفينة

بجاية في العهد العثماني:

حاول الإخوة بربروس -المتحالفون مع العثمانيين- تحرير بجاية من الإسبان عام 1514 م، فضرب عليهم عروج حصاراً لكنه لم يوفق في ذلك ولم تأت خطوته عليه إلا بقطع ذراعه، وبعد عام عاود الكرَّة وتمكن من تحريرها، ومن ثم ضمت بجاية إلى بايليك الشرق (مقاطعة الشرق) وعاصمته قسنطينة.

وعلى الرغم من أنها أصبحت مدينة تابعة لا متبوعة؛ فقد ظلت بجاية تحتفظ بمكانتها العلمية، حيث ظل العلماء يشدون الرحال إليها لتعلم علم القراءات على وجه الخصوص.

الاحتلال الفرنسي لبجاية:

وظلت بجاية تحت الحكم العثماني حتى سقوطها في يد الاحتلال الفرنسي عام 1847م بعد القضاء على مقاومة أحمد باي، إذ دخلها الماريشال بيجو وجعل منها منطقة عسكرية.

وبعد ثورة الحداد والمقراني عام 1871 م، تم فرض الحكم العسكري الفرنسي في بلاد القبائل بما فيها بجاية.

الجزائريون بذلوا الغالي والنفيس في سبيل التحرر من الاستعمار الفرنسي
الجزائريون بذلوا الغالي والنفيس في سبيل التحرر من الاستعمار الفرنسي

وإبان الثورة التحريرية؛ اختيرت إحدى قرى بجاية لعقد مؤتمر الصومام عام 1956، وهو الحدث الذي يعتبر أحد أكبر محطات الثورة خلال حرب التحرير الوطني

ومازالت بجاية تنجب قامات علمية كبيرة من أمثال الفضيل الورثلاني، والطاهر الجزائري الذي انتقل إلى المشرق ونشط هناك أواخر العهد العثماني، وتخرج على يده ثلة من الشباب كانوا من رواد الإصلاح الحديث من أمثال: محب الدين الخطيب ورفيق العظم، ومحمد كرد علي وغيرهم.

معالم المدينة:

تزخر مدينة بجاية بالكثير من الآثار والمعالم التاريخية المصنفة ضمن التراث الوطني، ممن يقصدها الزوار، نذكر منها:

المساجد والزوايا: منها مسجد ملالة، زاوية بن حداد، وقبة سيدي التواتي التي تعود إلى عهد الحماديين، ومقبرة الشيخ المقراني قائد الثورة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي.

حي القصبة: وهو حي عتيق يعود تاريخ تأسيسه إلى الموحدين في القرن 12م، وقد مكث فيه ابن خلدون لمدة وبه ألَّف كتابه الشهير “ديوان العبر”، ومؤخراً شُيد له نصباً تذكارياً في ساحة القصبة تخليدا لذكراه.

قمة قورايا: وهو ضريح يقع في أعلى قمة من جبال بجاية، ويسمى لدى السكان المحليين “يما قورايا” وسميت القمة بهذا الاسم نسبة إلى متصوفة كرست حياتها لمحاربة الإسبان واتخذت من أعلاها مأوى لها للاحتماء به، وقد دُفنت هناك ولا يزال ضريحها قائماً.

 وتعدُّ القمة معلماً سياحياً هاماً في مدينة بجاية اليوم.

معالم مدينة بجاية
علاقة خاصة تجمع المدينة بالبحر

من أهم المصادر:

  • ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج1
  • عنوان الدراية، الغبريني
  • دولة بني حماد، عبد الحليم عويس
  • أعلام الفكر والثقافة، يحيى بوعزيز
  • الأعمال الكاملة للشيخ المهدي بوعبدلي
Image by SofieLayla Thal from Pixabay 

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى