معلومات تاريخية

بابل .. ونبوءة مردوخ

عملية سرقة وأخذ التمثال من البابليين بمثابة اختطاف أحد ركائز الحياة منهم وليس مجرد أخذ تمثال فحسب

تمهيد:-

في أحد البيوت الآشورية القديمة ويُعتقد بأنه بيت خاص بالتعاويذ والتمائم التي تعود ملكيتها للمعبد القديم في بابل؛ وجِدَت إحدى الوثائق القديمة التي تعود بالتاريخ على الفترة الممتدة بين (716 وحتى 612 قبل الميلاد) وتحمل عنوان نبوءة مردوخ.

تُخبِر هذه الوثيقة عن قِصص وأسفار خاصة بهذا الملك الذي جعل من  نفسه إلهاً، وتسرد عنه تفاصيل منذ ساعة ميلاده وصولاً إلى توسعه نحو بلاد الحيثيين والبابليين بالإضافة إلى العيلاميين، حتى أن هذه الوثيقة قد تنبأت بأنه من يعتني بتمثال مردوخ سيصبح بعد هذه الغزوات والأسفار الملك البابلي الأقوى في التاريخ.

تم كتابة هذه الوثيقة اللوحية الآشورية في عهد الملك نبوخذ نصر الأول (1125 إلى 1104 قبل الميلاد) وكانت بمثابة لوحِ دعائي له.

بوابة عشتار بعد أن تم إعادة تركيبها
بوابة عشتار بعد أن تم إعادة تركيبها – متحف برلين

وحينما تمكَّن نبوخذ نصر من الانتصار في حربه على العيلاميين وأعاد تمثال الإله مردوخ معه إلى بابل، فقد تم تكليف أحد الكتاب ليعمل على هذه الوثيقة احتفالاً بهذا الانتصار.

كتابة نبوءة مردوخ:-

كانت غاية مؤلِّف نبوءة مردوخ وهدفه من كتابتها هو أن يسرد مقاطع تاريخية عظيمة حدثت في الماضي تمهِّد لطرح فكرة “النبوءة” التي تتجسَّد بالملك الحالي “نبوخذ نصر” نفسه، و مقدّمة الملك بالوريث الذي سيتمكن من استعادة حالة السلام لبابل، ونشر النظام لهذه المدينة عبر إعادة تمثال مردوخ إلى الوطن إلى بلاده ومكان حكمه.

في تلك الحقبة من التاريخ؛ كان هذا السرد المتعلق بالنبوءات والاستلهام من الماضي معروفاً في بلاد بين النهرين بأدب ناروتو، حيث يتم استعمال الشخصيات التاريخية والأحداث الماضية ليتم توضيح رسالة معينة من خلالهم.

فعلى سبيل المثال، وضمن قطعة مشابهة تسمى “لعنة أكَّاد”؛ يظهر لك الملك نارام سين (2224 إلى 2261 قبل الميلاد) كملكٍ معروف بتقاه الديني، وتم استعمال شخصيته لتوضيح العلاقة المتبدلة والمتغيرة بين الآلهة والملك خاصة أن نارام ين كان الملك المحبوب من الآلهة.

 وكل ذلك في سبيل طرح فكرة على العامة تقول: (إذا فشل ملك عظيم مثل نارام سين من أكاد في العبادة والتقوى لآلهته وتم معاقبته، فما الذي سوف يحدث لشخص أقل منه قيمة إذا عصى الآلهة؟).

بينما يعود كاتب نبوءة مردوخ إلى الماضي ليكتسب إمكانية التنبؤ بالحاضر والمستقبل ويحيك هيبة ونصر أسطوري للملك المنتصر عند إعادة تمثال مردوخ إلى بابل وإلى مكانه الشرعي، لذلك هيا بنا نبحث في هذه القطعة التي تحدِّثنا عن مسؤولية الملك تجاه آلهته.

نصب تذكاري لآسرحدون
نصب تذكاري لآسرحدون، صورة ملتقطة من قبل أسامة شقير محمد أمين (CC BY-NC-SA).

صورة ملحمية:-

من خلال قراءة ترجمة هذه الوثيقة؛ نجد كل الصفات الأسطورية والملحمية التي تنسجم مع التوجهات السياسية للبلاد مجتمعة فيها – حيث يُعبِّر تمثال مردوخ عن مدى الرضا في العلاقات والتعامل بين بابل وأراضي الآشوريين وهاتي- بحيث تعتبر كل منهما من أقرب الحلفاء، كما أنه يعزز صورة العدو الأزلي لبابل وهو العيلاميين.

وتم دمج كل هذه العناصر في سياق أحداث تاريخية معروفة حصلت مجرياتها في السابق بالفعل.

أهمية إعادة تمثال مردوخ:-

في الحضارات القديمة كان الجيش المنتصر والغازي لمدينة معينة يقوم بأخذ تمثال آلهتها معه مما يدل على إخضاعها وإذلالها.

 وقد حصل ذلك في كثير من المدن التي غزاها العيلاميون ولكن كان الأثر عميقاً ومدمراً حينما أخذوا تمثال مردوخ من بابل ذات السمعة العالية.

من هو مردوخ، ملك الآلهات؟

ورد اسم مردوخ في الأساطير التي نسجت حول بلاد ما بين النهرين، وهو ينسب إلى الآلهة إنكي (مردوخ بن
إنكي) آلهة الحكمة.

 إنكي الذي وصل إلى منصبه هذا بعد معركة كبيرة جرت بين الآلهات وأبنائهم.

هذه المعركة التي حدثت تبعاً لأسطورة الخلق البابلية بين أبوس وتيامات من جهة، وبين آلهات الجيل
الثاني والثالث من أبنائهما الذين أنجبوهم وكل منهم استولى على قدرة ومجال في الكون، من جهة ثانية.

لوح أثري يسرد قصة الخلق
لوح أثري يسرد قصة الخلق

مردوخ وتيامات:-

مع مرور الوقت ومع صعود الجيل الثالث من الآلة؛ بدأت تصرفات الآلهة الصغيرة الطائشة تزعج الأب أبسو
الذي قرر قتلهم مع وزيره، وعندما وصل الأمر إلى تيامات أخبرت إنكي ابنها الذي جعل الآلهة أبسو يغطُّ في
نوم عميق وقتله.

 هذا الأمر؛ أحزن الأم الآلهة تيامات لتقوم بخلق جيش من الوحوش مكلَّف بقتل أبنائها.

وبالفعل بدأت قوة تيامات في الانتصار بمؤازرة مساعدها كوينجو على أبنائها إلى أن صعد الإله مردوخ ابن
انكي وقال لباقي الآلهة بأنه سيخلصهم من تيامات وجيشها في حال قبلوه ملكاً عليهم عندما يحقق الانتصار عليها.

بالفعل؛ أحرز مردوخ انتصاراً على الآلهة الأم تيامات، ليقتلها بسهم قسمها إلى نصفين وقام بإعدام مساعدها كوينجو.

نبوءة مردوخ
تعرض نُصًب الآلهة للسرقة غير مرة

بعد انتصار مردوخ المؤزر على الآلهة والفوضى التي انشأتها؛ قام بإنشاء العالم وترتيبه وتشكيل البشر.
ليكونوا عوناً للآلهة ويعملوا بإرادة مردوخ.

وبها الأسلوب السردي لقصَّة الخلق؛ نجد أن كل البشر تبعاً لقصة الخلق البابلية هم مخلوقات مردوخ وهو
بالنسبة لهم أكبر الآلهات وأعظمها.

ويخبرنا أحد الباحثين أن البابليين قد توحدوا في الإخلاص لعبادة مردوخ وتقديسه لوحده من بين الآلهة مع
أنهم لم ينكروا وجود الآلهة الأخرى، مما جعل قيمته كبيرة جداً لدى شعوب حضارات ما بين النهرين
وبشكل أكثر خاصية لشعب بابل.

أهمية الآلهة مردوخ في بابل:-

خلال عهد حمورابي تم تبجيل مردوخ واعتباره إله راعي لبابل في الفترة الواقعة بين عامي (1792-1750 قبل الميلاد). ولقد استمر هذا التبجيل والاحترام الإلهي له حتى أيام السطوة الفارسية واحتلالهم لبابل وتدميرها
سنة 485 قبل الميلاد بقيادة الملك خشايارشا الأول العظيم.

وبالفعل لقد كان لفقدان تمثال الإله وقع كبير في المدينة، فلم يكن من الممكن أن يحتفلوا بمهرجان أكيتو
–  وهو احتفال العام الجديد – والتمثال غير موجود، لأن هذا يعني فقدانه لديهم في ظل مغادرة الآلهة وتركه للمدينة.

نبوءة مردوخ في بابل
رسم تخيلي لمدينة بابل

بالتالي ظنوا أن حماية المدينة قد فُقِدت مع فقدان تمثال الآلهة، خاصة وأن أهل بابل كانوا يظنون أن الآلهة
مردوخ يعيش في معبد وسط المدينة جالساً على عرشه في المعبد.

ومن هنا تبنى نبوءة مردوخ تبنى على الحالة التي تصبح فيها المدينة عند فقدان أو مغادرة إلهها؛ وتقول التالي:

“إن جثث الناس تسد كل الأبواب، فالأخ يأكل أخيه، والصديق يضرب صديقه بقضيب الحديد.

الأحرار من الشعب يمدون أيديهم يتسولون من الفقراء، وسلطة الملك تنمو.

ومع ذلك فالشر يحيط بكل الأرض”.

ضعف البلاد المعادين الغزاة، والأسود قامت بسد الطرقات. حتى أن الكلاب قد سُعرت وبدأت تعض بالناس، وكل من يعض منهم لا يعيش بل يموت على الفور”. 

تحليل حديث للنص:-

وقام أحد الباحثين الذي اطلعوا على النبوءة وحللوها “مارك ميروب” بالتعليق على هذا النص والحالة الموصوفة قائلاً:

“لقد تسبب ذهاب وفقدان الإله الراعي للمدينة باضطراب وفوضى عارمة، فلم يكن من المعتاد أن يُفقد
تمثال الآلهة إلا في حالات قليلة جداً، وكانت تحدث فقط خلال مداهمات الغزاة. إذ كان يعد سلب المدينة
لتمثال آلهتها أحد أبرز سمات أزماتها، وزرع الهزيمة في نفوس شعبها”.

وبالفعل كان ذلك الأثر ليستحق الأمر أن يذكر في النصوص والأساطير التاريخية، فعندما سُلِب تمثال
مردوخ من بابل؛ توقفت الاحتفالات في رأس السنة وغيره، أي ثقافة المدينة تأثرت بأسرها.

رحلات تمثال مردوخ خلال التاريخ القديم:-

هذه النبوءة لم تقدم لنا أي جدول زمني واضح لمجرى الأحداث، ولكننا نعرفها اليوم بالدلالة إلى العديد
من القصص والمصادر الأخرى التي ذكرت سنة حصول الغزوات وموعد إعادة تمثال الآلهة.

تدور كل القصة من المرة الأولى التي قام فيها الحيثيون بسرقة وخطف التمثال إلى اليوم الذي دمَّر الفرس
التمثال بشكل نهائي وهو ما ذُكِر في الكتب والأدبيات اليونانية، وهذه الرحلة كانت تاريخياً كالتالي:

  • في سنة (1595 قبل الميلاد) حمل الملك هاتوسيلي الأول وهو ملك الحيثيين تمثال مردوخ بعد غزو بابل إلى بلاد الحيثيين.
  • في سنة (1344 قبل الميلاد) يظن المؤرخون أن التمثال قد أُعيد من قبل الملك الحيثي سابيليوليوما
    الأول كبادرة عن حسن نية بهدف توطيد العلاقات التجارية.
  • وفي سنة (1225 قبل الميلاد) تم غزو بابل من قبل الملك الآشوري توكولتي نينورتا الأول ونقله إلى آشوريا.
  • بعد ذلك وفي سنة (1104 إلى 1125قبل الميلاد)، أقدم نبوخذ نصر الأول على هزيمة العيلاميين وقام بإعادة التمثال إلى بابل.
  • بقي التمثال في بابل حتى عهد الآشوريين وغزوهم للمدينة ليحملوا التمثال إلى نينوى سنة (689 قبل الميلاد).
بوابة عشتار المؤدية لمدينة بابل
بوابة عشتار المؤدية لمدينة بابل
  • في سنة (669 إلى 681 قبل الميلاد) يقوم أسرحدون بن الملك سنحاريب ببناء مدينة بابل ويكرم الآلهة مردوخ بمعبد جديد ويعيد التمثال إلى المدينة.
  • في عهد نبوخذ نصر الثاني؛ تم توسيع الشوارع لتمكين الناس من رؤية تمثال مردوخ بشكل أكبر في المهرجانات خاصة تلك التي تحدث في بداية العام الجديد.
  • تم غزو بابل وإخضاعها للحكم الفارسي من قبل الملك كوروش الكبير سنة (539 قبل الميلاد) الذي لم
    ينقل التمثال بل احترمه وهو ما يظهر بنقش على قبر كوروش يتحدث فيه كيف دعمه الآلهة مردوخ.
  • في سنة (485 قبل الميلاد) حدثت عدة ثورات في بابل ضد الاحتلال الفارسي ليأمر الملك الفارسي خشايارشا الأول بأن يتم تذويب تمثال مردوخ الذهبي انتقاماً من المدينة.
نبوءة مردوخ
دمار كبير لحق بالمدينة

النهاية:-

إن قصة نبوءة الآلهة مردوخ لا ترتبط بالتاريخ لوحده بقدر ما تؤثر وترتبط بتقديس وإيمان الرعية والشعب
في بابل بآلهتهم الراعية مردوخ. فالأخير لم يكن آلهة متخيلة تعيش في الفكر لديهم بل كان بمثابة شخص
تجده عند الحاجة إليه في أيام السوء وتناديه شاكراً في أيام الوفرة، كما أنه قد كان الآلهة المقربة التي
يعيش معك ويجاورك في نفس الطريق.

لذلك كانت عملية سرقة وأخذ التمثال من البابليين بمثابة اختطاف أحد ركائز الحياة منهم وليس مجرد أخذ تمثال فحسب.

المصدر:-

https://www.ancient.eu/article/990/the-marduk-prophecy/

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى