آثارمعلومات تاريخية

بابل .. المدينة التي نسجت حولها الأساطير

كان حمورابي هو المهندس الذي بنى بابل لتكون عاصمة مملكته

توطئة:

لنتعرف على قصة المدينة الأشهر في التاريخ القديم بابل ،أعظم مدن العراق التي جسدت بصورتها المصغرة تاريخ البشرية بكل ما فيها من تقدم، ازدهار، حصار وحروب.

 فما الذي حصل لبابل وجعل منها أكثر مدينة فائقة الشهرة من بين كل المدن الضائعة للحضارات السابقة.. وأبقاها ما تنفك في اجتذاب الفضول في كل وقت وحين؟ سنحاول إذا تناول تاريخها ولغز وقصة اختفائها، فمنها بدأ التاريخ البشري الذي نرى آثاره اليوم.

قامت بابل على أرض الهلال الخصيب التي يخترقها شريانا الحياة نهرا دجلة والفرات، وعلى هذه الأرض أيضاً قامت حضارات سومر، أكاد وبابل حتى أن الأساطير تقول بأنها ذات الأرض التي نزل فيها آدم وحواء من الجنة.

ويقول المؤرخون إنه في حال كانت بلاد ما بين النهرين هي مهد الحضارة البشرية؛ فمن دون أي شك أن بابل ستكون أول ثمرة لهذه الحضارة، فهي أول مدينة ذكرت في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، ومنها وصل للبشرية أكثر السجلات قِدماً والتي تعود في تاريخها إلى العام (1792) قبل الميلاد والمنسوبة إلى عهد الملك حمورابي.

حمورابي القوي:-

بابل حمورابي
حمورابي .. الملك المهيب

يعتبر حمورابي أشهر ملوك بابل، وهو الملك الثاني الذي يعرف بقوانينه القاسية والصارمة التي لا تراجع فيها ولا رأفة، حيث يمكن لك قراءة العبارة الأقسى والمشؤومة “سوف يتم قتله” التي نقشت على لوحة ترتفع لثمانية أقدام من الحجر البركاني الأسود، والتي تقف اليوم بين أعرق الفنون البشرية في قاعات متحف اللوفر في باريس.

في الواقع كان حمورابي هو المهندس الذي بنى بابل لتكون عاصمة مملكته التي تمتد على أرض جنوب بلاد الرافدين وجزء من مملكة آشور الواقعة شمالي العراق.

تعرف كيف نظّم حمورابي مهنة الطب في بابل ؟

نبوخذ نصَّر:-

ولكن بابل العظمى -التي تحدث التاريخ والحضارات عن اتساع رقعة أرضها- كانت مدينة نبوخذ نصر.. الملك الأكثر بطشاً وقوة، والذي قام بذبح كل من عارضه ، وجمع الذهب والثروات، وذلك بعد أن استولى على العرش في سنة 605 قبل ميلاد المسيح.

بعد سلسلة من الغزوات العسكرية التي توجهت بقيادة نبوخذ نصر نحو مصر وقلب سوريا؛ توجه هذا الملك باتجاه العمل على البناء وإنتاج أكبر وأضخم مدينة سيعرفها العالم في تلك الفترة.

بابل نبوخذ نصر

وبالفعل كانت الحضارة البشرية حينها أمام صرح حضاري ساحر مكون من مجموعة من المعابد والقصور المزينة بالبلاط الزجاجي الأزرق، حيث قام نبوخذ نصَّر بتزينها بنفائس الذهب والفضة مع قطع البرونز المتلألئة.

 كما أحاط قطعه الفنية هذه بسور ضخم وعريض، حيث يمكن لمركبتين تجر كل منها أربعة خيول أن تسير فوق ذلك السور وبكل سهولة وانسيابية.

برج بابل:-

جنون نبوخذ نصر -الذي عبر عنه في البناء الملكي الضخم- لم يتجسَّد في بنائه لنصب تذكاري يعظمه في قلب المدينة فحسب، بل إنه أمر أيضاً بأن يتم تشييد البناء الأكثر شهرة في العالم حينها وهو برج بابل، والأخير الذي يمثل التجسيد الحرفي لغطرسة البشر ورغبتهم الجارفة في تحدي الآلهة ومنافستها.

صورة تخيلية لبرج بابل العملاق

عُرف برج بابل لدى العراقيين القدامى بأنه برج يقوم على ارتفاع (91) متراً عن مستوى سطح الأرض، حيث سموه آنذاك بالزقورة ( أي الجبل أو التلة العالية للتعبد) والتي كانت تلفظ باسم “ايتي مينا نكي” وهو نفس البرج الذي استقر فيه مردوخ، النمرود أو الضّحاك الظالم المتجبر المذكور في قصة النبي إبراهيم عليه السلام.

حديث العهد القديم عن البرج:-

فقد كان البرج هو “البيت الذي يقع بين السماء والأرض” وبالفعل عُرف في كل العالم بأنه البناء الأعظم وخاصة عندما تم ذكره في العهد القديم “التوراة” وسمي فيها باسم برج بابل وذكر بالكلمات التالية:

“أما ايتي مينا نكي، زقورة بابل التي قام نبوخذ نصر ملك بابل، والدي بوضع أساسها ورفعها على امتداد ثلاثين ذراعاً نحو السماء ولكنه لم يكمل قمتها، لأقوم أنا بالمتابعة. وليكون صرحاً عظيماً؛ فقد قمت بجلب الأرز من غابة جبل لبنان، لأقطعها بكلتا يدي وأبني بها قمته”.

أسطورة بابل :-

لنعد الآن إلى قصة بابل، هذه المدينة التي نستمد معلوماتنا عنها من مزيج مما وصل إليه العلماء التاريخيين مثل هيرودوت المؤرخ اليوناني الأشهر خلال القرن الخامس قبل الميلاد، ومن الآثار الباقية إلى اليوم وما تتضمن من نصوص مسمارية على الألواح الطينية.

بابل .. المدينة ذات الإرث الهائل
بابل .. المدينة ذات الإرث الهائل

 في الواقع يقوم المؤرخ هيرودوت بتقديم الوصف الأقدم والأكثر تفصيلاً عن بابل، وذلك ضمن مجلد واحد يتضمن عشر صفحات كاملة عن المدينة والتي يظن المؤرخون اليوم بأنها مزيج بين الحقيقة التي اطلع عليها المؤرخ اليوناني مع الخيال المحيط بها، إضافة إلى بعض العادات البشرية التي قد تجذب اهتمام الجمهور العام.

“تتربع بابل على سهل واسع لتأخذ شكل مدينة مترامية الأطراف مربعة الشكل، حيث يبلغ بعدها الواحد 14 ميلا ومحيط الدائرة التي قد تحيط بالمدينة تعادل (56) ميلا، وبالإضافة إلى كبر حجمها الهائل؛ فهي بالجمال تضاهي أي مدينة حول العالم الذي نعرفه” ويبدأ هيرودوت في وصفها قائلاً:

“فهي محاطة بخندق عميق وعريض يكون مملوء بالماء، وبعد الخندق يوجد سور عرضه (500) ذراعاً ملكياً ويبلغ (200) ذراعاً بالارتفاع”

برج بابل رسمها الفنان بيتر بروغل الأكبر ” Pieter Bruegel ” سنة 1563م، حيث اعتمد على ما قيل عن أن البرج هذا سيبنى بشكل يساعد على الوصول إلى الجنة.

ومن جهة معبد مردوخ “النمرود”؛ يقوم هيرودوت بوصفه بشكل تفصيلي، فقد كان المعبد هو المهيمن على قلب المدينة وخاصة من حيث تربعه على الضفة الشرقية لنهر الفرات:

“كان المعبد عبارة عن بناء مربع القاعدة يمتد لثمانية أميال في كل اتجاه، حيث كانت بواباته من البرونز والمعبد نفسه كان ما زال قائماً حتى زمني، كان يحتوي في مركزه على برج مركزي من الحجارة يمتد على ثمانية أميال في كل اتجاه، وبني فوقه نصب آخر وفوقه نصب آخر حتى يعتلي الطابق الثامن”.

وزاد “من الممكن أن تقوم بتسلق الطبقات الثمانية من خلال السير بأسلوب حلزوني تدور فيه من خارجها، وضمن منتصف الطريق ستجد مقاعداً ومجالساً لمن يجد صعوبة في الانتقال والصعود ليرتاح عليها، وعند القمة ستجد معبداً كبيراً..”

معابد وطرق:-

ضمن جزء المدينة الشرقي؛ كان هناك مجموعة من المعابد الصغيرة وتحديداً بجوار أرصفة السفن التجارية، هذا الأمر يدل على الازدهار التي عاشته المدينة والانفتاح على المحيط وشبكة التجارة الواسعة.

 فخلال سيرك ضمن شبكة مرتبة من الشوارع؛ ستجد الطريق الأهم وشريان الحياة للمدينة وهو طريق بروكسيال؛ وهو الطريق الذي يقودك نحو المعبد، بحيث يأخذك شمالاً لتمر من بوابة عشتار التي تتميز بمنحوتات الثيران والتنانين، لتصل في النهاية إلى موقع أكيتو وهو منزل احتفاليات العام الجديد.

ستجد غربي بوابة عشتار قصرين عظيمين بنيا على مساحة (40) فدانا، واللذان يعتبران أحد أهم دفاعات بابل الثمانية والمحصنة.

تم إعادة تشييد مدينة بابل التاريخية في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين
تم إعادة تشييد مدينة بابل التاريخية في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، حيث توجه لبنائها فوق أطلالها التاريخية.

تباهى نبوخذ نصر وتفاخر ببطولاته وأعماله المعمارية وذلك عبر طلب نقشها على الطوب المخبوز والألواح الطينية بشكل موافق لتقاليد البابليين القدامى في توثيق أعمالهم العسكرية، والتي أعطت المدينة قيمة كبيرة، واليوم تعتبر الأدلة على عظمتها.

في أحد هذه الألواح؛ وصف نبوخذ نصَّر إنجاز العمل العظيم الذي تم إتمامه في الطريق المذكور والبوابتين، حيث يقول النص:

“لقد قمتُ بوضع أسسها من الطوب والملاط لنكسوها ببلاط مزجج باللون الأزرق اللامع والتي تضمنت صوراً للثيران ولتنين مهيب زين المدخل. ثم تم إحضار اشجار الأرز الضخمة ليتم وضعها في السقف، ورفعت أبواب من شجر الأرز الضخمة والتي تم طلاؤها بطبقة من البرونز مع مفاصل ومقابض نحاسية، ومعها وجدت تماثيل برونزية للثيران والأفاعي المهيبة التي نُصبت على العتبات، بالفعل كانت البوابتان المزخرفتان قادرتين على ادهاش كل الرجال، حتى لا تقترب المعارك من بوابة – إمجور بل – لبابل”.

الهجوم على فلسطين:-

خلال سنة 597 قبيل الميلاد؛ قام الملك البابلي نبوخذ نصر بشن هجوم عسكري على مدينة القدس والسيطرة عليها، وهنا يقوم سفر الملوك الملحق بالعهد القديم بوصف ما حدث بعد الهجوم بالقول: “قام بحمل كل أورشليم، جمع كل أمراءها، وكل المقاتلين الجبابرة، أخذ معه قرابة عشرة آلاف أسير، حتى أنه أخذ كل الحرفيين والحدادين، فلم يبق منهم أحداً في المدينة سوى أفقر جماعة من أهل المدينة”. (حسب ما أوردته الترجمة ولا نتبناه).

لم يحتج الأمر سوى القليل من المخيلة لترى السجناء وهو يعملون كالعبيد في مشاريع هذا الملك المصاب بجنون العظمة، حيث كانوا يجهدون في سبيل تشييد ما تخيله من صور وأصنام ضخمة تقديساً لنفسه وليتم التعبد الجماهيري الشعبي وتقديم الذبائح القائم على عذابات وتعب الأسرى، كان نبوخذ نصر يقوم بتزيين عاصمته بأكثر الأبنية بذخاً وغنى في تلك العصور.

رسم توضيحي لبلاد ما بين النهرين، مهد الحضارات البشرية
رسم توضيحي لبلاد ما بين النهرين، مهد الحضارات البشرية، صورة من مكتبة “Dea”

ولسبب لا يمكن تفسيره؛ لم يقم هيرودوت بذكر حدائق بابل المعلقة والتي كانت إحدى عجائب العالم القديم، حتى أن المؤرخ الصيقلي ديودوروس -الذي عاش القرن الأول قبل الميلاد- قال إن أشهر العجائب المائية في العالم ولدت من قصة حب رجل واحد لامرأة:

“لقد كان هناك أيضاً حديثة معلقة، بالقرب من القلعة، لم تُبنَ في زمن سمير أميس ولكن تم بناءها في زمن أمير لاحق يسمى سايروس والذي أمر ببنائها لأجل المحظية التي أحبها والتي – كما يقولون – كانت من بلاد الفرس، حيث ولِدت هناك على قمم الجبال، فأراد الأمير أن يبني لها جبل مزروعاً واصطناعياً ليقلد الأراضي التي تشتهر بها بلاد فارس”.

وتروي القصص الأخرى أن هذه الحدائق المدرَّجة التي تقوم بتحدي الجاذبية والبيئة، كانت بمثابة هدية نبوخذ نصر لزوجته أميتيس، بينما يظن آخرون من علماء الآثار أن الحدائق لم تتواجد أصلاً، بل كان الحديث عنها ضمن قصة ملحمية تفترضها الأسطورة المحيطة بالمدينة.

تقاليد وممارسات:-

ولكن في المقابل؛ يقوم هيرودوت بكتابة جميع جوانب الحياة في بابل، كما أنه فصل كل جغرافيتها والحرف التي تشتهر بها، من تقاليد العاملين في صناعة الطوب، وأساليبهم في بناء الجدران الخارجية والأسوار، بالإضافة إلى تخطيط الشوارع والمحاصيل التي تمت زراعتها (من قمح، شعير، الدخن، السمسم والتمور) بالإضافة إلى استعمالات أهل المدينة لشجر النخيل ورطبه من طعام، نبيذ وعسل.

كما ذكر المؤرخ كل الممارسات الاجتماعية الدينية والعلاقات بين السكان، وتناول كذلك أنواع القوارب التي استعملت في التنقل بين ضفتي نهر الفرات.

كما قد ذكر كيفية بناء الأسوار الضخمة التي أحاطت بالمدينة، وأنها كانت من القرميد أو الطوب المصنوع من الطين والصلصال المخبوز بالنار والذي يُغطى بالقار الساخن، وفي الواقع يمكن أن نرى هذه القطع من الجدران القديمة في الموقع، وفي المتحف، أو ضمن المواقع الأثرية الأخرى المحاذية.

نساء بابل :-

من قصص العادات التي ذكرها هيرودوت والتي تعد إحدى أطول قصصه، تلك التي تتحدث عن النساء في بابل والتي سَرَدَها تحت عنوان “الخزي التام” فهي ممارسة كانت معروفة بين العامة وتقوم بها نساء بابل؛ “سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة؛ فقد كان عليها عند سن معينة أن تجلس أمام المعبد حتى يقوم رجل برمي عملة فضية في أحضانها لتتمكن من العيش التمام ” تقاليد المعاشرة والزواج”، فبعد إلقاء القطعة في حضنها كانت المرأة تمتلك حريتها للعودة إلى منزلها، وحينذاك، كانت النساء الجميلات ترجعن إلى المنزل مباشرة، أما اللواتي لم يمتلكن نصيباً من الجمال فكان من المحتمل أن تنتظر إحداهن ثلاث أو أربع سنوات أمام المعبد تنتظر من يعجب بها ويرمي لها عملة فضية”.

طقوس خاصة لنساء بابل
طقوس خاصة للبابليات

إرث مدينة بابل :

عندما ننظر اليوم إلى قصة وسيرة مدينة بابل من النشأة إلى الانحسار؛ نجدها مزيجاً لثنائيات متنافرة من التراجع والتقدم، للحرب والسلم، للرحمة وللتجبر، هي مزيج من الجشع، الغطرسة، جنون العظمة، نشأة الإمبراطورية وبالنهاية الاضطهاد الديني.

إرث بابل باختصار هو تجسيد مصغر للحضارة الإنسانية بكل ميزاتها وعيوبها، للثروة والمجد المعماري، فهي تعبر عن أرقى الصفات البشرية التي نمتلكها وأكثر قبحاً.

الاحتلال الأميركي:-

وخلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 م، زاد الأضواء المسلطة على بابل لتعرِّف العالم برمته بقصصها وتاريخها وانحسارها، باعتبارها المدينة الام ومولد الحضارة الإنسانية التي نملكها جميعاً.

فخلال حرب اجتياح العراق؛ تعرضت المواقع البابلية لضرر كبير نتيجة مرور المدرعات فوقها، وهي تلك الآليات الثقيلة التي تسحق الطوب الأثري تحت جنازير دواليبها الفولاذية.

 كان الأسوأ منذلك هو بناء القاعدة البولندية في بابل خلال سنة 2003 م، ناهيك عن مساهمة اللصوص في سرقة التماثيل البرونزية والحجرية للتنانين التي شمخت لأكثر من ألفي سنة في موضعها الأصيل، حيث أقدم السارقون على تقطيعها من بوابة عشتار، لينهبوا ويفسحوا المجال للمدرعات بالمرور.

فهذا التصرف المهين يعادل أن تقوم مثلاً بإنشاء معسكر مُدمِّر ومستهتر أمام أهرامات الجيزة أو في منطقة ستونهينج الأثرية وهو شيء يدمي القلب، ويدمر برائحة البارود الذاكرة البشرية العميقة.

مشهد يظهر الشرطة الفليبينية تحرس بوابة عشتار أثناء مرور القوات البولندية والأميركية، وكالة غيتي الفرنسية.

إن دخلت عبر بوابة عشتار؛ ستجد آثار سايروس العظيم والإسكندر المقدوني اللذان قاما باحتلال بابل في سنتي 539 و331 قبل الميلاد على التوالي.

وما يذكر أن الإسكندر الكبير أمر بأن يتم هدم الزقورة لتختفي وتتلاشى قبل أن يقوم أحد بترميمها أو إعادة بنائها، بينما البوابة الملونة اليوم تعتبر نسخة طبق الأصل والتي قام برسمها وتصميمها علماء الأثار الألمان وذلك سنة 1914 م.

فقدان البريق:-

إن أجزاءً من الطريق العظيم تخلت عن بريقها الزجاجي الذي كان يتوهج تحت أشعة الشمس كأسنان تنين مخيف تلاشى مع ذكرى ثورات وفتوحات نبوخذ نصر. لتحط طيلة قرون من بعد الأخير أفواج من الحمام أسست مستعمراتها على جدران مدخل مدينته لتسكن فيها وتتغذى من محيطها على مر السنين.

سيكون من السهل جداً أن يخيب ظنك عندما تأتي وترى كل هذه العظمة التي أفل نجمها وشوهت بفعل الحروب التي كانت تتكرر بشكل دوري على هذه الأرض منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث تتراجع قوى وتظهر أخرى جديدة.

نقش مسماري يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد

ومن جهة بابل؛ سنرى أن القوى لا تقوم بصناعة التاريخ بنفس قدرتها على تشويهه ومحوه بشكل كامل؛ وبابل نموذجا على ذلك.

نعم يمكن القول بأن التلاشي لم يكن تاماً فيُذكر لعهد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين محاولته ترميم آثار بابل بجمع العلماء المحترفين من حول العالم ليترك على الأقل لمواطني هذا البلد العريق شيئاً من تاريخهم ينظروا إليه بين كل التلال الحزينة وأنقاض الحروب التي لا تنتهي.

وعلى الرغم من وجود الأنقاض القديمة المتلاشية بفعل دورات متكررة من التدمير وإعادة الإعمار إلى جانب فقداننا اليوم لسمات الإنسانية والشعور بعمق هذا الإرث، غير أن بابل ستبقى دائماً موجودة.

الإدريسي وصف بابل بالقرية الصغيرة حينما مر بها في القرن الثاني عشر الميلادي
الإدريسي وصف بابل بالقرية الصغيرة حينما مر بها في القرن الثاني عشر الميلادي

المصدر:-

https://www.theguardian.com/cities/2016/aug/08/lost-cities-1-babylon-iraq-war-history-mankind-greatest-heritage-site

الوسوم

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق