نوادر العرب

امرؤ القيس وقتَلة أبيه

لمَّا أكثرَ -الشاعر الكبير وملك قومه- امرؤ القيس الوَعيدَ في قتلِ أبيه.. قدِمَ إليه قبيصةُ بنُ نعيمٍ في أشياخِ بني أَسَدٍ، يراجعونهُ في خطبِ أبيه، فقال قبيصة:

أمَّا بعدُ: فإنَّكَ مِنَ المحلِّ والقدرِ والمعرفةِ بتصاريفِ الدَّهْرِ بحيثُ لا تحتاجَ إلى تذكير مُذَكِّرٍ، ولا تبصيرِ مجرِّب، ولكَ مِنْ سؤْددِ منصِبكَ وشرفِ أعراقِك وَكَرَمِ أصلِكَ.. مَحْتِدٌ (الأصل والطَّبْع)، يحملُ على إقالةِ العثرةِ، واغتفارِ الزَّلَّةِ، وإنَّ الهِمَمَ لا تتجَاوزُ إلى غايةٍ إلَّا رَجِعَتْ إليكَ، فوجَدَتْ عندَكَ مِنْ فَضِيلةِ الرَّأيِ، وبصيرةِ الفَهْمِ، وكرمِ الصَّفْحِ، ما يُطوِّلُ رغباتِها، وقد كانَ ما كانَ منَ الخَطْبِ الجليلِ، الذي عمَّت مصيبَتهُ العربَ، ولَمْ تُخَصَّ بهِ (كندةُ) دونَنَا؛ للشَّرَفِ البارِعِ كان لحِجْر (الوالد القتيل)، ولو يُفدى هالكٌ بنفسٍ.. لَمَا بَخِلَتْ بِهَا كرائِمُنَا على مثلِهِ، ولكِن مضى بهِ سبيلٌ لا يرجِعُ آخرُهُ على أوَّلَهِ، وَأَحمدُ الحالاتِ أَنْ تطلبَنَا في إحدى ثلاثِ خِلالٍ:

إِمَّا أن تختارَ مِنْ بني أَسدٍ أَشرفَهَا بيتاً، وأبعدَها صِيتاً، فَقُدْناهُ إليكَ بنسعةٍ (مربوط بحبل)، يذهبُ معَ شَفَرَاتِ حسامِكَ، ونقول: عظيمٌ امتُحِنَ بمَهْلِكِ عزيزٍ لهُ، فلَم تُستَلَّ سخيمةُ صدرِهِ إِلَّا بمكنتِهِ مِنَ الانتقامِ.

وإمَّا فداءٌ بما يَروحُ على بني أسَد مِنْ نَعَمِهَا، فهيَ أُلوفٌ تكونُ فداءً، رُجِعَتْ بهِ القضبُ إِلى أجفانِهَا.

وإِمَّا أَنْ توادِعَنَا إلى أَنْ تَضَعَ الحواملُ، وتُسْدَلَ الأُزُرُ، وتُعقَدَ الخُمُرُ فوقَ الرَّاياتِ.

فما كان من امرئ القيس إلَّا أن أطرَقَ ساعةً ثمَّ رَفَعَ رأسَهُ، وقال: لقد عَلِمت العربُ أَنْ لا كفؤَ لحُجرٍ بدمٍ، وأَنِّي لَن أعتاضَ بهِ جملاً ولا ناقةً، فأكتسب بهِ سبَّ الأَبَدِ، وفَتَّ العَضُدِ.

وزاد : وأمَّا النظرةُ؛ فقد أوجبَتْهَا الأجَنَّةُ في بطونِ الأُمَّهَاتِ، ولن أكونَ سبباً لِعَطَبِها، وستعرفونَ طلائعَ كندةَ بعدَ ذلكَ، تحملُ في القلوبُ حَنَقَاً، وفي الأَسنَّةِ عَلَقَاً:

إِذا جَـالَتِ الْحرْبُ فِي مَـأزِقٍ ..

تُصَافِحُ فيهِ الْمَنَايَا النُّفوسَــا

أَتقيْمونَ أَم تنصرفونَ؟ قالوا: بل ننصرفُ بأسوأِ الاختيارِ، وأَبلى الاجترارِ بمكروهٍ وأَذيَّةٍ، وحُربٍ وبليَّةٍ، وقال قُبيصةُ يتمثَّلُ:

لَعَلَّكَ إِنْ تَستَوخِمِ الْوِرْدَ إِنْ عَدَتْ ..

كَتَائِبُنَـا فِي مَـأزِقِ الْحَرْبِ تَمْطُرُ

فقالَ امرؤُ القيسِ: لَا واللهِ، ولكنْ أَستعذبُهُ، فرُويداً ينفرجُ لَكَ دُجَاها عن فُرسانِ كِندة وكتائبِ حِميَر، ولقد كان غيرُ هذا أولى بي؛ إذْ كنْتُ نازِلاً بربعي، ولكنَّكَ قُلتَ فأَوجَبْتَ.

ويعلَّق السيد عبد الرحمن بن عُبيد الله السقَّاف علَّامة حضرموت ومُفتيها على هذا الموقف بالقول: وفي هذا الكَلام مِنَ الجزالةِ والعُذوبةِ ما يأخُذُ بمجامِعِ القُلوبِ إلى مَا يُشَفُّ عنهُ من السؤددِ الضخمِ، والكرمِ الخالِص، والشَّمائلِ الرَّاقية، والهِمَمِ العاليةِ، والنُّفوسِ القَوِيَّة، واحترامِ الأَرواحِ البريئةِ، وغيرِ ذلك.

المصدر:-

العود الهندي عن أمالي في ديوان الكندي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى