أعلام

ابن الدهان الواسطي .. الأديب النحوي

برع في اللغة العربية، وله فيها تصنيف في علم النحو

ابن الدهان الواسطي:-

المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن أبي السعادات، أبو بكر النحوي الضرير الواسطي، الملقب بـ «وجيه الدين»، المعروف بـ «ابن الدهان الواسطي»، الأديب النحوي، وُلِدَ بمدينة واسط العراقية سنة 502هـ، ونشأ بها.

صفاته:-

كان ابن الدهان الواسطي كثير الهَذْر، وفيه شره نفس وتوسُّع في القول، وكان كثير الدعاوى، قال عنه تلميذه ياقوت الحموي: “ولم يكن فيه عيب إلا أنه كان فيه كيس ولين، وكان إذا جلس للدرس يقطع أكثر وقته بالأخبار والحكايات وإنشاد الأشعار حتى يسأم الطالب وينصرف عنه وهو ضجر وينقم ذلك عليه … وكان حسن التعليم، طويل الروح، كثير الاحتمال للتلامذة”.

مكانته الوجيه ابن الدهان العلمية:-

بدأ ابن الدَّهَّان تحصيله العلمي في بلده واسط، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ القراءات، واشتغل بالعلم، وسمع بها من أبي سعيد نصر بن محمد بن سالم الأديب، وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف بابن السوادي الشاعر، وغيرهما.

الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف ما شاهده في واسط
الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف ما شاهده في واسط

ثم قدم الوجيه ابن الدهان بغداد مع أبيه في صباه واستوطنها، وكان يسكن بالظَّفَرِيَّة، وجالس أبا محمد ابن الخشَّاب النحوي، كما صحب أبا البركات الكمال عبد الرحمن الأنباري، ولازمه كثيراً، وجُلُّ ما أخذ عنه؛ لذا يعد الكمال الأنباري أشهر شيوخه، وسمع الحديث من أبي زُرْعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي.

أقرأ القرآن الكريم كثيراً، وبرع في اللغة العربية، وله فيها تصنيف في علم النحو، كما كان يجيد اللغة الفارسية، والتركية، والحبشية، والرومية، والأرمنية، والزنجية، فكان إذا قرأ عليه عجميٌّ واستغلق عليه المعنى بالعربية فهَّمه إياه بالعجمية على لسانه.

مذهبه الفقهي:-

تفقَّه ابن الدهان الواسطي على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبلياً، ثم شَغَر منصب تدريس النحو بالمدرسة النِّظَامِيَّة، وشرط الواقف أنْ لا يُفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد التَّكريتي:

وَمَـنْ مُبْلِــغٌ عَنِّــي الوَجِـيْــهَ رِسَالَــةً .. وَإِنْ كَانَ لاَ تُجْدِي لَدَيْهِ الرَّسَائِلُ

تَمَذْهَبْتَ لِلنُّعْمَانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ.. وَذَلِكَ لَمَّــا أَعْـــوَزَتْـك المـآكِـــلُ

وَمَـا اخْـتَرتَ رَأْي الشَّافِعِيّ دِيَانَـةً.. وَلَكِنَّمَا تَهـوَى الَّـذِي هُـوَ حَاصِـلُ

وَعَـمَّــا قَلِيْــلٍ أَنْتَ لاَ شَــكَّ صَـــائِـرٌ .. إِلَـى مَـالِكٍ فَافْطَـنْ لِمَا أَنَـا قَائِـلُ!

تلامذته:-

يُعدُّ ياقوت الحموي من أشهر تلامذته؛ حيث قال في «معجم الأدباء»: “هو شيخي الذي به تخرَّجت، وعليه قرأت”. وقد تولّى الوجيه ابن الدهان تدريس النحو بالمدرسة النِّظَامِيَّة سنين، فتخرج عليه جماعة كثيرة؛ منهم: الحسن بن الباقلاوي الحلِّي، والموفَّق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، والمنتجب سالم بن أبي الصقر العروضي، وغيرهم.

وكان الوجيه ابن الدهان قليل الحظِّ من التلامذة، حيث كانوا يتخرجون عليه ولا يُنسَبون إليه.

تعلّم من ابن الدهان الواسطي عدد كبير من التلامذة النجباء
تعلّم من ابن الدهان الواسطي عدد كبير من التلامذة النجباء

شعر ابن الدهان الواسطي:-

للوجيه ابن الدَّهَّان اليد الطولى في الشعر، قال ابن كثير: “وله مدائحُ حسنةٌ وأشعارٌ رائقةٌ، ويبتكر معاني فائقةً، وربما عارضَ شِعرَ البُحْتُريِّ بما يقاربه ويدانيه”. ومن أشعاره، قوله:

لَسْـتُ أستقبــحُ اقتضاءَك بالــوعـ.. ــدِ وإِنْ كُنْتَ سيِّدَ الكرماءِ

فإلــهُ السَّـماءِ قَـدْ ضَمِـنَ الــرِّز.. قَ عليه ِويقتضي بالدُّعـاءِ

وقوله:

وَلَـوْ وَقَعَتْ فِـي لُجَّــةِ الْبَحْــرِ قَطْـرَةٌ .. مِـنَ الْمُـزْنِ يَوْمـاً ثُـمَّ شَـاءَ لَمَازَهَــا

وَلَـوْ مَلَكَ الدُّنْيَا فَـأَضْحَــى مُلُــوكُهَــا .. عَبِيـداً لَهُ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مَا زَهَا

ومن روائع الوجيه ابن الدهان الواسطي، قوله:

أَطَلْـتَ مَلَامِـي فِي اجْـتِنَابِـي لِمَعْشَـرٍ.. طَغَـامٍ لِـئَامٍ جُـودُهُــمْ غَيْـرُ مُرْتَجَــى

تَــرَى بَـابَـهُــــمْ لَا بَــارَكَ اللَّهُ فِيهِـــمُ.. عَلَى طَالِبِ الْمَعْـرُوفِ إِنْ جَـاءَ مُرْتَجَا

حَمَوْا مَا لَهُمْ وَالدِّينُ وَالْعِرْضُ مِنْهُمُ.. مُبَاحٌ فَمَا يَخْشَوْنَ مِنْ هَجْـوِ مَنْ هَجَا

إِذَا شَـرَعَ الْأَجْـوَادُ فِي الْجُـودِ مَنْهَجًا.. لَهُمْ شَرَعُوا فِي الْبُخْلِ سَبْعِينَ مَنْهَجَا

طرائفه ونوادره:-

كان الوجيه ابن الدهان سمحاً، واسع الصدر، لا يغضب أبداً، فتراهَنَ جماعةٌ مع واحد أنه كان له كذا وكذا إن أغضبه، فجاء إليه فسأله عن مسألة في العربية، فأجابه فيها، فقال له السائل: أخطأت أيها الشيخ. فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى، فقال له: أخطأت أيضاً. وأعاد ثالثة بعبارة أخرى، فقال له: كذبت، ولعلك قد نسيت النحو.
فقال له ابن الدهان الواسطي: أيها الرجل، فلعلك لم تفهم ما أقول لك. فقال: بلى، ولكنك تخطئ. فقال له: فقل ما عندك لنستفيده منك. فأغلظ له السائل في القول، فتبسم ضاحكاً، وقال له الوجيه: إن كنت رَاهَنْتَ فقد غُلِبْتَ، إنما مَثَلُكَ في هذا كمثل البَقَّةِ -يعني الناموسة- سقطت على ظهر الفيل، فلما أرادت أن تطير قالت له: استمسك، فإني أريد أن أطير. فقال لها الفيل: ما أحسسْتُ بك حين وقعْتِ عليَّ، فما أحتاج أن أستمسكَ إذا طِرْتِ.

وفاته:-

توفي العلّامة ابن الدهان الواسطي ليلة الأحد، 26 شعبان، سنة 612هـ، ودُفِن بمقبرة الوردية ببغداد.


المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/272).
  • كتاب شرح أبنية سيبويه ، تحقيق علاء محمد رأفت.
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/254/رقم 739).
  • البداية والنهاية (17/47).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/97).
  • العبر في خبر من غبر (3/158).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/152/555).
  • Photo by Utsman Media on UnsplashCopy

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى