معلومات تاريخية

النويري يروى تفاصيل حادثة سيل عجلون التاريخية

بلغ الماء في داخل الجامع إلى القناديل المعلَّقة

تمهيد:-

قد لا يسمع كثير منا بحادثة سيل عجلون التاريخية التي شهدتها المدينة الواقعة شمالي الأردن وذلك خلال العصر المملوكي وهي الواقعة التي جاءت على أغلب مرافق مدينة عجلون، لدرجة أن أهلها اعتقدوا بأن السَّاعة قد قامت وذلك من هول الحدث الذي ترافق مع هبوب رياح عاصفة وغير مسبوقة.

هذه الحادثة تم توثيقها بشكل مفصَّل في كتاب “نهاية الأرب في فنون الأدب” للمؤرخ الكبير شهاب الدين النويري (المتوفى في القاهرة سنة 1333 م)، وتناول فيها طبيعة المراسلات التي وصفت حادثة سيل عجلون .

ولغاية اليوم؛ تشهد المدينة سقوط الثلوج، إلى جانب ارتفاع معدل الهطول المطري في الِّشتاء مقارنة بمحيطها، لكن الحادثة التي أصابتها سنة 728 هجرية (1328 م) كانت مختلفة تماماً.

قلعة عجلون سيل عجلون
قلعة عجلون – موقع في غاية التحصين- الصورة من صفحة مرحبا بكم في الأردن على الفيس بوك

حادثة سيل عجلون :-

ويقول النويري في كتابه المذكور: “وفي هذه السنة في يوم الأربعاء ثامن وعشرين ذي القعدة؛ كانت حادثة سيل بمدينة عجلون ، وورد مُحضر بذلك إلى دمشق”، وهنا نتحدث عن فترة الحكم المملوكي الذي كانت فيه المركزية لمدينتي القاهرة ودمشق، لكن الأخيرة كانت أوثق ارتباطاً بعجلون بحكم تقاربهما الجغرافي.

وينص الكتاب المرسل إلى دمشق على ما يلي:

“بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي يُرسل آياته تخويفاً للعباد، ويريهم باهرات قدرته ليسلكوا سبل الرشاد، ويُظهر لهم جبروته في ملكوته، ليحسنوا لأنفسهم الارتياد، ويعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله لا يخلف الميعاد، ثم يدركهم برأفته ورحمته، ويكشف ما نزَل بهم من المُعضلات الشداد”.

“ولمَّا كان في يوم الأربعاء ثاني عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة؛ أرسل الله تعالى بقدرته ومشيئته بمدينة عجلون ريحاً عاصفاً، فأثارت سحاباً ثِقالاً هطلت بماء منهمر يُدوِّي وريح زعزع”.

“فلم تَزَل الأمطار متواترة الهطل والبروق تلمع، وأصداء الجبال والأودية بأصوات الرُّعود للقلوب تصدع، حتى ظن أهلها أنها قد أزِفت الآزفة، فارتفعت الأصوات بأن ليس لها من دون الله كاشفة، ولفت الرؤوس، ووجلت القلوب، وذرفت العيون، وطاشت الألباب، وخضعت الرقاب، ومُدَّت الأيدي بالدُّعاء لمن بيده أمر الأرض والسَّماء، وعاينوا في ذلك اليوم هولاً عظيماً، وأشفقوا أن يكون أرسل الله عليهم عذاباً أليماً”.

حادثة سيل عجلون النويري

“فبينما النَّاس على ذلك الحين ذاهلين، يقولون (ربَّنا ظلمنا أنفُسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَنَّ مِنَ الخاسرين)، إذ دهمهم سيلٌ عظيمٌ ماؤه، طام عبابه هام سحابه، له دويٌ شديد، قد اجتمع من عيون الجبال وبطون الأودية وقرار الوهاد، فالتقى الماء على أودية بأمرٍ قد قُدِر، إنَّ في ذلك لآية فهل من مُدَّكِر”.

“فارتفع العويل، وسُكِبَت العَبَرات، واشتدَّ الخوف، وتضاعفت الحسرات، وفرَّ كل واحدٍ من النَّاس يطلبُ النَّجاةَ لنفسه، واحتسب عند الله جميع ماله وعقاره وغرسه، فأخذَ هذا السيل العظيم ما كان في مَمَرِّه من الدُور والقياسير والأسواق، ودخل الطواحين والبساتين، وأخَذَ جانباً من حارة المشارقة المجاورة للوادي، وأخذَ العَرصة وسوق الأدمِيِّين، وسوق القطَّانين، وبعض دار الطعن وسوق الأقباعين، وسوق الخليع، وقيسارية التُّجّار المعروفة بإنشاء الأمير سيف الدين بَكْتَمُر، والقيسارية القديمة”.

“وأخَذَ من قيسارية مُلك الأمراء الموقوفة على البيمارستان بصَفَد عشرين حانوتاً، وضعضع بقية الجُدُر، وهدَم الأبواب، وهدمَ سوق الصَّاغة، وهدم سوق النَّامية، الذي بقُرب العين، وهَدَمَ وقف الجامع، وسوق السقطيين”.

“وأمَّا السوق المعروف بإنشاء الأمير علاء الدين بن معبد وسوق اللحامين وحوانيت الخّبَّازين؛ فإنَّه أخذه، وأخذَ السوق المعروف بإنشاء الأمير سيف الدين النَّائب الذي كان بقلعة عجلون، والحوانيت المعروفة بوقف القاضي فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة بالدِّيار المصرية الموقوفة على مدرسته بنابلس، وأخذَ المدرسة النفيسيَّة وهَدَمَ رُواق الجامع القِبلي وباب الجامع الشرقي، وهدَمَ جانباً من الحمام الصَّالحي المعروف بأمير موسى، وبعض الحمَّام السُّلطاني، وأخذَ ظهارة الجامِع والمربعة والمسلخ المعروف بابن معبد”.

 “وأخَذَ ما كان في مجراه من الجسور والقناطر والأقباء التي كان يجوز للنَّاس عليها عندما تَمُدُّ الاودية، وعُدِمَ من عجلون تقدير عشرة أبقار، وهذه قدرة الملك الجبَّار، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وكان مدة تواتر الأمطار والسيل من أول ساعة من النَّهارِ المذكور إلى وقت العَصر، وفي ذيل المشروح خطُّ جماعة من الشهود”.

ويقول النويري هنا: هذا ما أوردهُ الشيخ شمس الدين الجَزَرِي في تاريخه.

نقل الكتاب إلى دمشق:-

وقد نَقَلَ الشيخ علم الدين بن البِرزالي في تاريخه؛ نسخة الكتاب الوارد من عجلون فقال:

“الحمد لله المحمود في السَّراء والضرَّاء، المشكور على الشِّدة والرَّخاء الذي يخوِّفُ عباده بما شاء من
معضلات اللأواء، ويريهم باهرات قدرته في ملكوت الأرض والسَّماء، ثم يعود عليهم برحمته، ويجللهم
بسوابغ النعماء، أحمده حمداً يزيد على الإحصاء، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له ذو العظمة
والكبرياء، وأشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والكبرياء، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله
خاتم الأنبياء، ومُبلِّغ الأنباء صلى الله عليه وعلى آله الأمناء، وأصحابه الأتقياء، صلاةً دائمةً بلا نفاد ولا
انقضاء”.

“وبعد: فإنَّه لمَّا كان بتاريخ نهار بكرة الأربعاء ثاني عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة؛ أرسل
الله تعالى بقدرته ريحاً عاصفة، فأثارت سُحُباً واكفة من خلالها بروق خاطفة، ليس لما جاءت به من دون
الله كاشفة، فطبقت الوهاد، وجللت الآكام، وأطبقت على مدينة عجلون وما قاربها من أرض الشَّام، ثم
أرخت عَزَالِيها كأفواه القِرَب، حتَّى خُيِّلَ لمن رآها أنَّ الوعد الحق قد اقترب، فلم يكُن إلَّا كَحَلَب شاةٍ من
الضأن، أو ما قارب ذلك الزَّمان”.

“حتى صارت مدينة عجلون كما قال الله تعالى في كتابه المكنون(ففتحنا أبواب السَّماء بماءٍ مُنهمر، وفجَّرنا الأرض عيوناً، فالتقى الماء على أمرٍ قد قًدِر)، فوَجِلَت القُلوب لهول ذلك وتصدَّعت، وكادت الحوامل أن تضع حملها وتَذهَل كل مرضعة عمَّا أرضعت، واندهشَ أهل البلد عند معاينة هذا الهول الكبير”.

“واختلفت همومهم، فكل إلى ما اشتمل عليه قلبه يشير، فمِن باكٍ على ما في يده من متاع الدُّنيا الحقير، ومِن مُشفقٍ خائفٍ على ولده الصَّغير، ومن غريقٍ عدم نفسه النفيسة، ما له من ملجأ يومئذ وما له من نَكير، ومن ناجٍ يقول: أشهد أن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتي، وأنه على كُل شيء قدير”.

“ومن ضارعٍ إلى من ليس كمثله شيءٌ، ومِن قائل (ربَّنا عليك توكَّلنا وإليك أنبنا وإليكَ المصير) ولسانُ الحال
يتلو قوله تعالى: ” وما أصابكم من مُصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير)”.

” ولم تَزَل الأمطار متواترة، والسيول من كُلِّ فَجٍ متواترة، حتى تحيَّر من حضَرَ ذلكَ من الإنس والجِن،
وشغلوا بما عاينوه عن الأموال والأولاد والإخوان، وظنُّوا أنهم أُحيط بهم، وجاءهم الموج من كل مكان،
فتلاقى على البلد واديان: أحدهما من شمالها يسمى الجود، والآخر من شرقها يسمى جنان، فأخرب وادي
الجود بهذه الآية الخارقة جانباً من حارة المشارقة، ودمَّر وادي جنان ما كان على جانبه من البُنيان، ثم
اختلطا، فرأى النَّاسُ منهما ما لا يُطاق”.

سيل عجلون

“وأخربا ما مرا عليه من رباع وقياسير وأسواق، فأخربا العَرصة والمصبغة والفرانين والعلافين، وحوانيت الدق، وسوق الأدميين، وسوق البُر العتيق والأقباعية والقطانين، وحوانيت الصَّاغة، وما يليها من البساتين، وردم أمام دار الطعم – بعد إخراب بعضها- أحجاراً وصخوراً، وكل ذلك ليتَّعِظَ أهل المكر، ومايزيدهم إلَّا نفوراً”.

“وذهبَ هذا السيل العظيم الطَّامي بجميع سوق الخليع لبَكْتَمُر الحُسامي، وأخرب من قيسارية ملك الأمراء
للتجار نحو عشرين حانوتاً، وذَهَبَ بكُل ما فيها من ثمين، ثم رَدَمَ باقيها على ما فيه بالأخشاب والأحجار
والطين، حتى رجعت قيمةُ ما سلِم من المائة إلى العشرين”.

“وأخرَب ما جاوز بحر المدينة من سوق أم معبد واللَّحامين، ومن وقف السقطيين والحضريين وحوانيت
العجز وسوق الأمير ركن الدين، ثم دمَّر في وقف الجامع على ما فيه من الأمتعة والبضائع، ثم ردَمَ العين
بالأحجار والخشب والصخور، حتى خشي عليها أهل البلد أن تفور، ثم أخرب حوانيت الطبَّاخين وجانباً من
حمام الأمير موسى”.

” وكان ذلك على من لم يرضَ بأمر بقضاء الله يوماً منحوساً، ثم أخرب الدباغة وجانباً من حمام السُلطان،
وما يلي ذلك من المِطهَرة ومسلخ المعز والضأن، وأعظم من ذلك إخرابه المدرسة النفيسيَّة والرواق القِبلي
من المسجد الجامع، وفي ذلك ما يحرق قلب كل منيب وخاشع”.

“ورُدِمَ داخل الجامع بغُثاء السيل والطين والأخشاب، فاعتبروا يا أولي الألباب، وبلغ الماء في داخل
الجامع إلى القناديل المعلَّقة، وذلك بتقدير من يعلم ما في البرِّ والبحر وماتسقط من ورقة، ولم يَقرَب شيئاً
من غالب ما ذكر إلَّا أتى على ما فيه من الأمتعة والبضائع والأموال، حتى أتيحَ لكثير من أرباب ذلك أن يمدَّ
يده للسؤال”.

“وكانت مدة استدامته من بكرة النَّهار إلى وقت العصر (وقيل يا أرضُ ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض
الماء وقُضِيَ الأمر)، وكان عرض سيل عجلون قدر رمية بحجر، وارتفاعه على بسيط الأرض قدر قامتين أو أكثر، وقُدِّر ما ذهبَ فيه من الأمتعة والبضائع والأموال وقيمة الأملاك بهذا القضاء المبرم، فكان ذلك يزيد على
خمسمائة ألف درهم، وذلك خارج عن الغلات والمواشي والبساتين والطَّواحين ظاهر مدينة عجلون (إنَّا لله
وإنَّا إليه راجعون)”.

“ومِن جُملة لُطفِ الله تعالى مجيئه بالنَّهار، فحذِر النَّاس منه، فلم يُعلَم في البلد غريق إلا سبعة أنفار ولو
كان- والعياذُ بالله- ليلاً لزادوا على الإحصاء في المقدار (إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار)، وليس الخبر في
جميع ما ذكرناه كالعِيان، ونعوذُ بالله من الزيادة والنُقصان”.

سيل عجلون النويري

من هو النويري ؟

أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، المؤرخ الكبير شهاب الدين النويري
نسبة إلى نُوَيْرة من قرى بني سويف بمصر، وُلِدَ بقُوْص المصرية سنة 677هـ، ونشأ بها.

ويعد كتاب «نهاية الأَرَب في فنون الأَدَب» الذي استغرق المؤرخ في تدوينه عشرين عاماً، ووصف فيه حادثة
سيل عجلون ، موسوعة ضخمة تجمع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع، والعلوم
الدينية، ونظم الحكم، والتراجم والفنون والعلوم التي لم يجمعها من قبل ولا من بعد كتاب في مجاله،
وذكره أصحاب كتب التاريخ والتراجم باسم تاريخ النويري ، وتميز أسلوبه بالبساطة والوضوح والبعد عن
التعقيد، والإغراق في التخصص العلمي والمصطلحات التي لا يعرفها إلا أهل العلم.

مصدر الصور:-

Image by Keli Black from Pixabay 
Image by Alexey Marcov from Pixabay 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق