أعلامانفوجرافيكس

النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

كان يأخذ بالوشاية ولا يتحقق منها

كثير منا يعرف النعمان بن المنذر الذي وفدت عليه الشعراء ومدحته، وهو الذي اشتهر باتصال الشاعر الكبير النابغة الذبياني به، ولعلنا نُفكِّر في الوجه الآخر للنعمان الملك، وكيفية تصريفه للأمور.

من هو النعمان بن المنذر:-

هو أبو قابوس بن المنذر، كان والده أميرًا على الحيرة (العراق)، وأما أمه؛ فقد اُختُلِف في نسبها، فقيل: هي سلمى بنت وائل بن عطية بن كلب، وقيل: هي سلمى بنت عطية، وكانت من فدك، وقيل: كانت أَمَة للحارث من دومة الجندل، وفي الحالتين هي من طبقة وضيعة لا يصح أن تكون في أسرة الملك، ولذلك؛ فقد كانت الشعراء عندما تهجو النعمان تقول له: يا ابن سلمى.

صفات النعمان بن المنذر وأخلاقه:-

كان النعمان بن المنذر دميمًا أحمرًا أبرشًا قصيرًا، ما جعله سريع الغضب آخذًا بالوشاية من غير تمحيص ولا تحقيق، لذلك لُقب بالصعب لسرعة غضبه، وكان يُقال له: أبيت اللعن، كما كان يشرب الخَمر، وإذا فقد ذلك؛ فإنه يفقد اتزانه، مما جعله يتطاول على ندمائه كثيرًا.

تعيين كسرى النعمان بن المنذر أميرًا على الحيرة:-

المنذر لم يعيِّن أحد أبنائه للحكم من بعده، وبالرغم أن العادة جرت على تعيين الابن الأكبر؛ إلا أنه لم يفعل ذلك، ولا نعلم سببًا لهذا، سوى أننا نتوقع أنه كان يرى أن ابنه الأكبر لا يقدر على إدارة دفة الأمور من بعده، فعين إياس بن قبيصة الطائي، الذي تولى الحكم بضعة أشهر.

وعندما سأل كسرى كاتبه ومترجمه عدي بن زيد من بقي من آل المنذر يصلح لهذا الأمر، فقال له: عدي ثلاثة عشر ولدًا، فدعاهم كسرى جميعًا حتى يتخير منهم واحدًا.

ميل عدي بن زيد للنعمان بن المنذر:-

كان عدي بن زيد يميل للنعمان بن المنذر، ولكنه استطاع إيهام إخوته أنه لا يرغب بتوليته ويرغب بتوليتهم، ثم أخبرهم إن سألهم كسرى سؤالًا أن يجيبوا بجواب معين، وأخبر النعمان أن يجيب بجواب آخر يظن أنه سيُعجِب كسرى.
فلما سألهم كسرى :”هل تكفونني العرب ؟”  قالوا :”نعم إلا النعمان”.
فسأل كسرى النعمان :”هل تكفيني إخوتك ؟” فقال :”إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز”.
فعيَّنه كسرى وألبسه تاجًا قيمته 60 ألف درهمًا.

الوشاية بعدي بن زيد عند النعمان:-

كان هناك رجل اسمه كاسم عدي ودينه كدينه، ولكنه كان يكرهه كرهًا شديدًا، وأراد التخلص منه، فوشى به عند النعمان بن المنذر، وكان يرسل له رجالًا يوهمونه أنهم من محبي عدي بن زيد، فلما يأمن لهم، يشون بعدي، كما كان يرسل له كتبًا على أنها من عدي بن زيد تجعله يسخط عليه.

كل هذه الطرق غير الشريفة التي اتبعها عدي بن أوس بن مرينا، جعلت النعمان بن المنذر يسخط على عدي بن زيد، وكما ذكرنا أنه كان يأخذ بالوشاية ولا يتحقق منها؛ فأرسل إلى عدي بن زيد يطلب منه أن يزوره وأنه قد اشتاق إليه، فما كان من عدي إلا أن استأذن كسرى، وذهب وهو لا يعلم أنه ذاهب إلى حتفه.

سجن عدي بن زيد وقتله بأمر من النعمان بن المنذر:-

النعمان بن المنذر كان قد جازى عديًا جزاء سنمار، فعندما وصل عدي إلى النعمان الذي هو صاحب الفضل في توليه الحكم؛ إذا به يلقيه في السجن دون أن يترك له فرصة للدفاع عن نفسه.

علاقة مضطربة بين النعمان بن المنذر وبعض المقربين أمثال عدي بن زيد والخصوم
علاقة مضطربة نشأت بين ملك الحيرة النعمان بن المنذر وبعض المقربين أمثال عدي بن زيد والخصوم

وقد ظل عديًا يرسل له الأشعار وهو في السجن يخلي سبيله، ولكنه لم يفعل، فقرر مراسلة أخيه والاستنجاد بكسرى؛ فكتب كسرى للنعمان بن المنذر أن يتركه ويفك سجنه، فوصلت أنباء بذلك للنعمان قبل وصول الرسول بكتاب كسرى، فاقترح أعوان النعمان عليه أن يقتله في السجن قبل وصول الرسول؛ ففعل. ثم دفع الرشوة والهدايا للرسول ليقول أنه وجد عديًا ميتًا قبل أيام من وصوله.

انتقام زيد بن عدي لمقتل والده:-

لقد شعر النعمان بالذنب بعد مقتل عدي، فلما قابل ابنه زيدًا بالغ في إكرامه، وكتب إلى كسرى يوصيه بزيد بن عدي، وأرسله له، فلما شعر زيد أنه أصبحت له مكانة حسنة عند كسرى دخل عليه يومًا، وكان كتب صفة للنساء يريد ضمهم للبلاط.
فقال له: إنه يعلم نساء بهذه الصفة وأفضل، فسألهم من فقال بنات وبنات عم النعمان بن المنذر!
فقال إنه سيكتب له، فقال زيد :”إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون على العجم.”

ثم طلب منه أن يرسل معه رسولًا للنعمان يفهم العربية، حتى يبلغه برد النعمان، وكان يعلم سرعة غضب النعمان، وقلة ترويه، وعدم تقديره لعواقب الأمور، فلما قال له زيد بن عدي إن كسرى يبحث عن نساء مثل بناته وبنات عمه، وإنه يريد إكرامه بمصاهرته، فقال النعمان:” أما في البقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا.” فلما علم كسرى بجواب النعمان ؛ غضب عليه غضباً شديداً، وتغير وجهه، ولعل سبب ذلك هو قتله عدي بن زيد ورفضه تزويج بناته لهم، ثم سكت عنه بضعة أشهر، وبعدها انتقم منه.

لجوء النعمان بن المنذر إلى طيء:-

لقد شعر النعمان بأن كسرى يدبر له مكيدة فأراد أن ينجو بنفسه فذهب إلى جبلي طيء، وطلب منهم أن يحموه، وكان متزوجًا إليهم، فلم يقبلوا خوفًا من كسرى، ولم يمنعه أحد من العرب حتى نزل (ذو قار) التي سيكون فيها يوم ذي قار الفاصل في تأريخ الجزيرة العربية، فلقي هناك هانئ بن مسعود الشيباني وكان سيدًا منيعًا، فأودعه ماله وأهله وذهب لمقابلة كسرى.

وفاة النعمان بن المنذر:-

بالرغم من اختلاف رواة الأخبار حول وفاته؛ إلا أنها جميعًا روايات محزنة، فقيل: أن كسرى حبسه في ساباط في المدائن ثم جعل الأفيال تدوس عليه حتى مات، وقيل: بل حبسه ساباط ومات هناك، وقيل: بل مات بالطاعون وهو في محبسه.

جواد علي فيلسوف التاريخ العربي وأحد أبرز المؤرخين في العصر الحديث الذين أثروا المكتبة العربية بمجموعة قيمة من البحوث والدراسات التاريخية والأدبية الرصينة...
المفكر والمؤرخ العراقي الكبير المرحوم جواد علي

وساق المفكر جواد علي في كتابه الشهير “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” روايةً سريانية تم تداولها حول مقتل النعمان بن المنذر وأولاده.

وقال علي (المتوفى سنة 1987 م) : إن كسرى بعد أن تمكن من إلقاء القبض على النعمان وأنجاله؛ سقاهم سمَّاً فماتوا، وعصى عندئذ العرب الفرس وأخذوا يهاجمونهم، فأرسل كسرى قائداً سمته الرواية بـ”بولر” تولى أمر الحيرة، بيد أنه فشل في ضبط شؤونها، لشدة أهلها، فانصرف عنها تاركاً أمرها لمرزبان يدعى (رزوبى مرزوق)، والذي أقام في برية الحيرة في حصن الحفنة لتكون له منصةً في مقاتلة الأعراب.

ونقل جواد – الذي يعتبره كثيرون أبرز مؤرخ عربي في القرن العشرين- في كتابه المذكور رواية لحمزة الأصفهاني، مفادها أن كسرى حينما سخط على النعمان؛ استدرجه إلى وسط البادية، ليلقي به إلى أرجل الفيلة، ومن ثم استباح أمواله وأهله وولده، وأمرَّ أن يباعوا بأبخس الأثمان.

النعمان بن المنذر والأسدي:-

قيل: إن سَعد بن ضمرة الأسدي ما انفكَّ يغيرُ على حِمَى النُعمان بن المُنذر يَستَلِبُ أمواله حتى فقدَ الأخير صوابه ونفذ مخزون صبره ، فبعث للأول يقول: إن لكَ عندي ألفَ ناقةٍ على أنَّك تدخُل في طاعتي، فجاءه سعد وقد كان صغيرَ البُنية، فاستصغرته عين الملك الذي تنقَّصَ ضيفهُ الذي بادره بالقول: مهلاً إيُّها الملك، إنَّ الرِجال ليسوا بِعِظَمِ أجسامهم، وإنمَّا المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، إن نَطَقَ نَطَقَ ببيان، وإن صالَ صالَ بجِنان، ثم أنشأ يقول:

يا أيُّهـــــــا الملــــكُ المرجوُّ نائلـــــــهُ .. إنِّي لَمِنْ مَعشرٍ شُمٍّ الذرى زهرِ

فَلَا تَغُرَّنَّــــك الأجســــــــامُ إنَّ لنا .. أحلامَ عـادٍ وإن كُنَّا إلى قِصـــَـرِ

فكم من طويل إذا أبصَرْتَ جُثَّتهُ .. تقولُ: هذا غداة الروعِ ذو ظَفَرِ

فـــأنْ ألَـــمَّ به أمــــــرٌ فأفْظَعـــهُ .. رأيتـــه خاذلاً بالأهْلِ والزُّمَـــرِ

فقال لهُ النُّعمان : صدقت، فهل لكَ عِلمٌ بالأمور؟ ، قال: إنَّي لأنقضُ منها المفتول، وأبرم منها المحلول، وأجيلها حتى تجول، ثم أنظر إلى ما تؤول، وليس للدَّهر بصاحبٍ من لا ينظُر في العواقِب.

قال: فتَعَجَّب النُّعمان من فصاحتهِ وعقله، ثم أمَرَ لهُ بألفٍ ناقةٍ، وقال له: يا سعد، إن أقمتَ واسيناك، وإن رَحَلتَ وَصلناك، فقال سعد : قُرْبُ المَلِك أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها، فأنعمَ عليه وأدناه، وجعله من أخصِّ ندمائه.

النعمان والأعرابي:-

لقد كانت حياة بلاط قُصور النعمان تعُجُّ بالدسائس والوشايات التي ذهب ضحيتها كثيرٌ من الشعراء وسواهم، وقد سعى بعضهم إلى مديح النعمان وذلك لأغراض التكسُّب، والأهم من ذلك تلافيهم غضبه أو أخذهم بجريرة الوشاية بهم.

وقد ذُكِرَ أن النعمان بن المنذر قد ولَّى بعضَ الأعرابِ مِمَّا يلي البريَّة، فصادَ الأعرابيُ ضبَّاً، فبَعَثَ إلى النُّعمان وكَتَبَ إليه:

جَبَىَ المـالَ الخَـرَاجَ وَجَبْوَتي .. مُقَطَّعةُ الآذانِ صُفْرُ الشَّواكل

رَعَيْنَ الرُّبَا والبقْلَ حتَّى كأنَّمَا .. كَساهُنَّ سُلطانٌ ثيابَ المَرَاجِل

وقد أراد هذا الأعرابي الشاعر أن يدفع أي تهمة أو وشايةٍ عند النُّعمان قد تقوده إلى حتفه، فَنَظَمَ تلكَ الأبيات بشكل استباقي.

علاقة النعمان بن المنذر بالأدباء والشعراء:-

لقد كان النعمان بن المنذر مثل عمرو بن هند يحب الأدب ويُقرِّب الأدباء، كما كان من أخطب الناس، وقد وفد عليه مجموعة من الخطباء منهم أكثم بن صيفي، حاجب بن زرارة التميمي، وغيرهم.

من الشعراء من مدح النعمان:-

النابغة الذبياني:-

من أشهر الشعراء الذين اتصلوا بالنعمان ومدحوه، وقد أغدق عليه النعمان العطايا، مما جعل الحساد يشون به، فغضب عليه النعمان وأراد قتله، ففر النابغة هاربًا، ثم اشتاق إليه، فكتب اعتذارياته المشهورة، وعفا النعمان عنه، ولما علم النابغة بمرض النعمان، ذهب إليه وزاره.

النابغة الذبياني كان مرجعاً للشعراء في سوق عكاظ
النابغة الذبياني كان مرجعاً للشعراء في سوق عكاظ

المنخل بن يزيد اليشكري:-

كان النعمان يكرمه، ولكنه يفضل النابغة عليه؛ مما جعله يوقع بينه وبين النعمان، حتى يخلو له الجو، ولكن تلك الوشاية قد انقلبت عليه، حيث سجنه النعمان بعد مدة وقتله.

حسان بن ثابت:-

اتصل حسان بن ثابت بالنعمان ومدحه، لكنه كان يؤثر الغساسنة عليه، وقد أكرمه النعمان.

من الشعراء من هجا النعمان:-

عمرو بن كلثوم:-

ينسب رواة الشعر والأخبار لـعمرو بن كلثوم أبياتًا يهجو فيها النعمان بن المنذر هجاء شديدًا، كما يهجو أمه هجاء مرًا، ويقول إن خاله ينفخ في الكير، ويصوغ القروط بيثرب.

كثيرون يعتبرون الشاعر عمرو بن كلثوم الشخصية الأكثر جمعاً للقدرات والمواهب بين نظرائه من شعراء المعلقات
كثيرون يعتبرون الشاعر عمرو بن كلثوم الشخصية الأكثر جمعاً للقدرات والمواهب بين نظرائه من شعراء المعلقات

مالك بن نُويرة:-

هجا مالك بن نويرة النعمان هجاء شديدًا لأنه كانت بينه وبين بني يربوع قوم مالك حرب، لأنه أراد أن يأخذ منهم الرفادة، وانهزم فيها النعمان، وأسروا قابوس بن النعمان وأخا النعمان، ثم فكوا أسرهم مقابل إعادة الرفادة لهم، وقد حاول النعمان استرضاء مالك فأبى وهجاه.

من الشعراء من رثى النعمان بن المنذر:-

لم يكن موت النعمان بن المنذر حدثًا عاديًا، فقد رثته الكثير من الشعراء مثل سلامة بن جندل الذي ذكر أنه مات تحت أرجل الفيلة، وهناك قصيدة منسوبة لـ زهير يرثيه فيها، ويذكر كيف تخلى عنه من كان يغدق عليهم خوفًا من كسرى، وهناك الأعشى الذي ذكر حبسه بسباط بالمدائن، ثم ألقاه كسرى تحت أرجل الفيلة فداست عليه، وكتب النابغة الذبياني أبياتًا في رثائه.

وبالرغم من النهاية المحزنة التي حلت بالنعمان؛ إلا أن رواة الأخبار يشيدون بفترة حكمه، وبالترف والازدهار الذي كان فيها، ويتحدثون عن الضعف والاضمحلال الذي حدث بعد وفاته.

المصادر:

  • المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، الجزء الثالث، ص 261:285، جامعة بغداد.
  • تاريخ العرب قبل الإسلام لمحمد سهيل طقوس، ص 403:404، دار النفائس، الطبعة الأولى.
  • المستطرف في كلِّ فنٍ مستظرف، شهاب الدين الأبشيهي.
  • مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ناصر الدين الأسد.
  • https://www.vexels.com/download-vector/72753/three-wise-men-journey-camels

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى