أخبار العربانفوجرافيكس

النابغة الذبياني.. الشاعر الجاهلي الكبير والشريف

كان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تَكَلُّف في شعره ولا حشو، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً

اسمه ونسبه:-

هو شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى، من أهل الحجاز، وُلِدَ النابغة الذيباني في ديار غطفان التابعة لنجد سنة 535م.

هو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، أبو أمامة.

وبنو مُرَّة من عوف قومه يعود نسبهم إلى مُرَّة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة، من قبيلة قريش، بيد أن عوف بن لؤي خرج من قومه ودخل في بني ذبيان الغطفانيين وانتسب إلى سعيد بن ذبيان، وذلك بحسب ما أورده أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي الأزهري المصرفي في كتابه “جواهر الأدب”.

وهو من أشراف ذبيان، إلا أن تكسّبه بالشعر غضَّ من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه اتصل بملوك المناذرة في الحيرة ومدحهم ثم مدح نظراءهم ومنافسيهم وأعداءهم الغساسنة.

وذُكِرَ أنَّ أبا عمرو بن علاء قد سُئِل: لم خَضَعَ النابغة للنعمان بن المنذر؟، فقال: رَغِبَ في عطائهِ وعصافيره.

مكانته الشعرية:-

كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها، وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة.

وكان أبو عمرو ابن العلاء يفضله على سائر الشعراء، وهو أحد الأشراف في الجاهلية.

فر النابغة الذبياني من مقر إقامته عند النعمان
فر النابغة من مقر إقامته عند النعمان ( تعبيرية – تعود إلى العام 1890 م – مكتبة الكونغرس)

هو إذا أحد فحول شعراء الجاهلية وزعيمهم في سوق عكاظ، وأحسنهم ديباجة لفط، وجلاء معنى، ولطف اعتذار، وقد لُقِّب بالنابغة وذلك لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير في السن، بعد أن امتنع عليه وهو صغير.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ” النابغة أشعر غطفان “، وقال أيضاً: ” النابغة أشعر العرب “، وقال كل من ابن عباس وأبو الأسود مثل ما ذهب إليه الفاروق.

قصة لقبه:-

النابغة حمل هذا اللقب لأنه نبغ في الشعر، أي أبدع فيه مرةَ واحدة، غير أن هذا التفسير لم يحظ بإجماع النقَّاد.

وفي هذا الصدد؛ يقول ابن قتيبة إنه لُقِّب بالنابغة لقوله :

وحلَّت في بني يقين بن جسر ..

فقد نبغت لهم منا شؤون

ورد ابن قتيبة بهذا اللقب إلى قولهم “ونبغ – بالشعر – بعد ما احتنك وهلك قبل أن يهتر”.

أما البغدادي؛ فيرى أن هذا اللقب لحقَهُ لأنه لم ينظم الشعر حتى أصبح رجلاً، وربما كان اللقب مجازاً، على حدِّ قول العرب: نبغت الحمامة، إذا أرسلت صوتها في الغناء، ونبغ الماء إذا غزر، فقيل: نبغ الشاعر، والشاعر النابغة، إذ غزرت مادة شعره وكثُر.

النابغة الذبياني الشاعر الكبير في سطور
الشاعر الكبير في سطور

مكانته عند النعمان:-

وكان حظياً عند النعمان بن المنذر، وقد طلب الملك من النابغة أن يصف له زوجته المتجردة في قصيدة تليق بمقامها، وقد كانت فائقة الحسن بارعة الجمال ممتلئة الجسد، وكان النعمان على ما يروى قصيراً ذميماً، لكن النابغة استرسل في وصف محاسن المتجردة ليتعداه إلى ما خفي منها، فغضب النعمان، ففر النابغة ووفد على الغسانيين بالشام، وغاب زمناً، ثم رضي عنه النعمان، فعاد إليه، ومما قاله في المتجردة هذه الأبيات:

أَمِــن آلِ مَــيَّةَ رائِــحٌ أَو مُغـتَـــدِ .. عَجــــلانَ ذا زادٍ وَغَـــيرَ مُــــزَوَّدِ

أَفِـــدَ التَـرَجُّــــلُ غَــيرَ أَنَّ رِكـابَنــا .. لَمَّــــا تَـــزُل بِـرِحالِـنا وَكَـــأَن قَــدِ

لا مَـرحَــبـــــاً بِغَـــدٍ وَلا أَهــــلاً بِــــهِ .. إِن كـانَ تَفـريقُ الأَحِــبَّةِ في غَــدِ

حـانَ الرَحيلُ وَلَم تُـوَدِّع مَهـدَداً .. وَالصُبحُ وَالإِمساءُ مِنها مَوعِدي

صَفراءُ كَالسِـيَراءِ أُكمِـلَ خَلقُها .. كَالغُصــنِ في غُلَوائِـــهِ المُـتَأَوِّدِ

وَالبَطــنُ ذو عُكَــنٍ لَطـيفٌ طَـيُّهُ .. وَالإِتبُ تَنفُجُـــهُ بِثَـــديٍ مُـقعَــدِ

سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ .. فَتَنــاوَلَـتــــهُ وَاِتَّقَـتنـــا بِـاليَـــــدِ

النعمان بن المنذر ملك الحيرة الداهية الشجاع، لقب بأبي قابوس، عرف بسرعة الغضب والتهور فكان يأخذ بالوشاية دون أن يتحقق منها، فتمكن منه الكارهين وسخط عليه كسرى
النعمان بن المنذر ملك الحيرة الداهية الشجاع، لقب بأبي قابوس، عرف بسرعة الغضب والتهور فكان يأخذ بالوشاية دون أن يتحقق منها، فتمكن منه الكارهون وسخط عليه كسرى

قال النابغة يمدح النعمان بهبة الإماء:

الواهِب المائةَ المِعْكـاءَ زَيَّنهـا .. سَعْدان تُوضح في أوبـارها اللُّبدِ

والرَّاكِـضاتِ ذيُـــولَ الرَّيْـط فانقهـــا .. بَــرْدُ الهواجر كالغُزلان بالجرَدِ

ووصلت وشاية به إلى النعمان بن المنذر فقال:

أتــانـي أبيتَ اللَّعْـنَ أنَّــك لُمتَنــي .. وتِلـكَ التي تَسْتَكُّ منهـــا المَسَامِعُ

فبِـتُّ كــأنِّي ســـاوَرَتْنِــــي ضئيـلــةٌ .. مِــنَ الرُّقْــشِ من أنيابِها السّمُّ ناقِــعُ

أَكَلَّفْتَنـــي ذْنبَّ امْــرئٍ وتــرَكتَــهُ .. كــذِي العُرِّ يُكوَى غيرهُ وهْوَ راتِعُ

فإنَّكَ كالليـــل الــذي هُــو مُدْرِكــي .. وإن خِلْتُ أن المُنتأى عنكَ واسِعُ

وقال للنعمان مدافعاً عن نفسه:

ولسْتَ بِمسْتبــقٍ أخَـــــاً لا تَلْمُّــهُ .. علــى شَعَثٍ أي الرجالِ المُهذَّبُ ؟

فإنْ أكُ مَظلــومــاً فعبــدٌ ظَلَمْتَـــهُ .. وإن تَكُ ذا عَتْبٍ فمِثْلُكَ يُعتِبُ

حَلَفْتُ فلم أتْرُكُ لنفسِــكَ رِيبــةً .. وليــسَ وراءَ اللهِ للمرءِ مذهبُ

لئن كُنتَ قد بُلِّغْتَ عَنّي جِنايةً .. لَمبْلِغُكَ الواشي أغشُّ وأكْذَبُ

ألَمْ تَــرَ أنَّ اللهَ أعطــــاكَ ســــورةً .. تــرى كلَّ مَلَكٍ دونَها يتذبذبُ

فإنَّــكَ شمــسٌ والملـوكُ كــواكِــبٌ .. إذا طلعتْ لم يَبْد مِنهُنّ كوكَبُ

ومما هجا به النعمان قوله:

قَبَّــــحَ اللَــهُ ثُــــمَّ ثَنّـــى بِـلَعــــنٍ .. وارِثَ الصائِغِ الجَبانَ الجَهولا

يَجمَـعُ الجَيشَ ذا الأُلوفَ وَيَغــزو .. ثُـــمَّ لا يَـــرزَأُ العَــــدُوَّ فَتيـــلا

من روائع شعر النابغة الذبياني

وله قصيدة اشتُهِر بها تحسب ضمن المعلقات، ومطلعها:

يا دارَ مَيَّةَ بِالعَليــاءِ فَالسَـــنَدِ .. أَقــــوَت وَطــالَ عَلَيـها سالِفُ الأَبَـــدِ

وَقَفتُ فيهــا أُصَيلانــاً أُسائِلُــهــا .. عَيَّــت جَوابـاً وَما بِالرَبــعِ مِــن أَحَــدِ

إِلّا الأَوارِيَّ لَأيـــاً مـــا أُبَيِّنُـهــــا .. وَالنُــؤيَ كَالحَوضِ بِالمَظلومَةِ الجَلَدِ

رَدَّت عَـلَيـــهِ أَقــاصيـهِ وَلَبَّــــدَهُ .. ضَــربُ الوَليدَةِ بِالمِسـحاةِ في الثَــأَدِ

شعره كثير، جمع بعضه في «ديوان» صغير، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تَكَلُّف في شعره ولا حشو، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً.

أشعر الشعراء:-

قال الشعبي: دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه، فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتي! فقال:

هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذي يقول:

هَـــذا غُــلامٌ حَسَــنٌ وَجهَــهُ .. مُستَقــبِــلُ الخَــيرِ سَـريعُ التَــمام

لِلحارِثِ الأَكبَرِ وَالحارِثِ الـ ..ـأَصغَـــرِ وَالأَعــرَجِ خَــيرِ الأَنــــام

ثُــمَّ لِهِـــنــدٍ وَلِــهِــــندٍ وَقَــــد .. أَســـــرَعَ فـي الخَـيراتِ مِنــهُ إِمــام

خَمسَـــــةُ آبـائِهِــــمُ مــــا هُــــمُ … هُـــم خَيرُ مَن يَشرَبُ صَوبَ الغَمام

الأخطل.. الشاعر البارز في العصر الأموي يتحدث عن النابغة
الأخطل.. الشاعر البارز في العصر الأموي

فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر منِّي. فقال لي عبد الملك: ما تقول في النابغة ؟ قلت: قد فضَّله عمر بن الخطاب على الشعراء غير مرة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أيُّ شعرائكم الذي يقول:

أَتَيتَــــكَ عــارِيـاً خَلَقـــاً ثِيابــــي … عَلــى خَوفٍ تُظَنَّ بيَ الظَنونُ

فَــأَلفَيــتُ الأَمـــانَةَ لَم تَخُنـهـــا … كَــــذَلِــكَ كانَ نــوحٌ لا يَخــونُ

قالوا: النابغة ، قال: فأيُّ شعرائكم الذي يقول:

حَلَفتُ فَلَم أَترُك لِنَفسِكَ رَيبَةً ..

وَلَيسَ وَراءَ اللَهِ لِلمَرءِ مَذهَبُ

قالوا: النابغة ، قال: فأيُّ شعرائكم الذي يقول:

فَإِنَّكَ كَاللَيلِ الَّذي هُوَ مُدرِكي ..

وَإِن خِلتُ أَنَّ الـمُنتَأى عَنكَ واسِعُ

قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعراءكم.

مناقب شعر النابغة عند الأعلم الشنتمري:-

شعر النابغة لطيف رقيق إذا تملَّكتهُ عاطفة قوية من إشفاق أوحماسة أو رهبة، كما يظهر في أهاجيه ومدائحه واعتذارياته، وقيل عنه: أشعر الناس إذا رهِب، وهو في اعتذارياته حزين عميق، قلق مضطرب يداخله التشاؤم واليأس الشديد، لأن خيال الشاعر دقيق واسع، يسمو إلى درجة عالية في إكمال الصورة وإيضاح المشابهات، يتوسَّع بالتشبيه، ويفسح له خياله المجال في التصوير.

كما تمتاز معاني النابغة بالدقة والإنسجام والتآلف والصدق والقرب من العقل، والبعد عن التعقيد والغموض مع مراعاة المخاطبين ومع البصر بمواقع الكلام.

البدو كان يفاخرون بحفظ شعر النابغة
البدو كان يفاخرون بحفظ شعر النابغة

ويمتاز شعر النابغة الذبياني أيضا ببلوغه غاية الحسن والجودة ونقاوته من العيوب في مطالع القصائد وأواخرها، وكان بدو الحجاز يحفظون شعره ويفاخرون به لحسن ديباجته وجمال رونقه وجزالة ألفاظه وقلة تكلُّفه.

كما أجاد النابغة في المدح والاعتذار والغزل والفخر إجادة بالغة، كما برع في الوصف والرثاء والحكمة إجادة أدنى من ذلك.

أما إجادته في صنوف الشعر؛ فهي للمبررات التالية، بحسب ما قاله الأعلم الشنتمري في كتابه “اختيارات من الشعر الجاهلي”:

  • إجادته في المدح لحبه للمال وخصب خياله وقوة ذكائه، وميله إلى التجويد والتنقيح.
  • إجادته في الاعتذار كان الباعث عليها الرهبة والخوف مع الرغبة والأمل.
  • إبداعه في الوصف متفاوت في جودته، فقد أجاد في بعض دون الآخر، وهنا يقول الأصمعي: “لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوي أحسن في صفة الخيل غاية الإحسان”.
دمشق في العام 1898 م وهي المدينة التي كان فيها عبد الملك بن مروان خليفة ينتمي للأسرة الأموية

مناقب شعر النابغة عند ابن عاشور:-

قال محمد الطاهر بن عاشور إن شعر النابغة الذبياني اشتمل على وصف أحوال كثيرة من شؤون العرب وعاداتهم وديارهم وأيامهم وحياة خاصتهم وعامتهم، مما خلا عنه شعر سواه ممن سبقه أو واكبه في حياته.

وأضاف ابن عاشور – وهو العالم والفقيه التونسي المعروف المتوفى سنة 1973م- إن شعر النابغة كان محطاً لهمم أيمة اللغة والأدب، ذلك لأن شعره بالمنزلة العليا فصاحة لفظ، وبلاغة تركيب، وشرف معنى، وتباعداً عن الضرورات، وعن ضعف التأليف.

وأضاف ابن عاشور -خلال تحقيقه لديوان النابغة الشعري- إن شعر النابعة مولج للذين يهمهم الاطلاع على شؤون العرب في أواخر عصر الجاهلية، فقد كان الذبياني مرجع فصائحهم، وموئل ذوي الحاجات منهم، لما له من الوجاهة لدى ملوك العرب وسادتهم، ولأنه كذلك كان صاحب الرأي فيهم، فكان واسطة لديهم في شؤون جسيمة لقومه وجيرتهم، هذا فضلاً عن تغلغله في منازل ملوك غسَّان بالشام، وملوك اللخميين بالحيرة.

وأشهر الرواة لشعر النابغة: الأصمعي، وأبوعبيدة، وأبو عمرو، و ابن الأعرابي، وأشهر رواية للأصمعي ما يوجد في ديوان الشعراء الستة للأصمعي، على ما ذكره المرحوم الطاهر بن عاشور.

شعره ينبض تعبيراً عما كان يجري في بيئته

وفاة النابغة:-

توفي النابغة الذبياني في ديار غطفان التابعة لنجد سنة 604هـ، وقد عاش عمراً طويلاً.


المصادر:

  • الأعلام (3/54).
  • الشعر والشعراء (1/156).
  • اختيارت من الشعر الجاهلي، الأعلم الشنتمري.
  • احمد الغوفي، الغزل في العصر الجاهلي.
  • النابغة الذبياني وخصائص شعره، دراسة تحليلية أدبية للحصول على درجة الماجستير من جامعة علاء الدين الإسلامية الحكومية بمكاسر، إعداد نور حكمة.
  • ديوان النابغة الذبياني ، تحقيق محمد الطاهر بن عاشور.
  • العقد الفريد لابن عبد ربه.
  • https://www.loc.gov/item/mpc2004001381/PP/

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى