أعلامانفوجرافيكس

النابغة الذبياني .. مرجعية الشِعر في سوق عكاظ

من بين أحسن الناس خلقًا، ومن أشرفهم نسبًا

النابغة الذبياني:-

هو زياد بن معاوية الذبياني، من سادة قبيلة ذبيان وأشرافها، وهو ذبياني الأب والأم، يكنى بـأبي أُمامة أو ثُمامة، وهما ابنتاه، لُقب الشاعر الجاهلي زياد بن معاوية الذبياني بـالنابغة واختلف في سبب هذا اللقب، فيقال: إنه بسبب نبوغه في الشعر، ويقال: لأنه قال الشعر بعدما كبرت سنه، وقيل لأنه قال “فقد نبغت لنا منهم شؤون”، كما لُقب غير واحد من الشعراء بالنابغة، كالنابغة الجعدي.
النابغة الذبياني شاعرٌ من تِلكَ الكَوكبة التي تألق نجمها في سماء الجاهلية، فقد كان من بين أحسن الناس خلقًا، ومن أشرفهم نسبًا، وقد اُشتُهر بمدح النُعمان بن المنذر ملك الحيرة والاعتذار له، وتحكيمه بين الشعراء.

من روائع الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني
من روائع الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني

مكانة النابغة الذبياني الشعرية:-

لقد عَدَّ ابن سلام الجمحي؛ النابغة الذبياني، في أول طبقة من طبقات الشعراء مع امرئ القيس وزهير بن أبي سُلمى، والأعشى، واختلف النقاد والشعراء في التفضيل فيما بينهم.

الذبياني حكمًا في سوق عكاظ:-

لا شك أن هذه المكانة الشعرية المرقوقة كان يحظى بها الشاعر النابغة الذبياني في الجاهلية أيضًا، فقد كانت تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء من كل القبائل، لينشدوه شعرهم، فمن رفع منهم ذاع صيته، ومن وضع منهم خمُل ذكره، وقد كان يحكم بين فحول الشعراء كالأعشى وحسان بن ثابت والخنساء وغيرهم من كبار الشعراء.

النابغة الذبياني كان مرجعاً للشعراء في سوق عكاظ
النابغة الذبياني كان مرجعاً للشعراء في سوق عكاظ

سر هذه المكانة الشعرية:-

لا شك أن هذه المكانة التي نالها الشاعر النابغة الذبياني كانت عن استحقاق، وكيف لا! وهو من أحسن الشعراء انتقاء للألفاظ، وقد بلغ حرصه على اختيار الألفاظ أنه كان يتخير اللفظ البدوي الجاف للتعبير عن المعاني البدوية كوصف الناقة، وكان ينتقي الألفاظ التي تسيل عذوبة ورقة  والبعيدة عن التعقيد والإغراب في الاعتذار والمدح، إلى جانب أنه كان يأتي بالمعاني المبتكرة والتشبيهات الجديدة والمميزة، وله العديد من الأبيات الشعرية المشهور والتي أجمع النقاد على استحسانها، ومنها:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ..

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وفي معلقة النابغة الذبياني التي تضم أبيات رائعة في اعتذاره من النعمان بن المنذر، ويقول فيها:

أُنْبِئْتُ أنّ أبا قــابــــوسَ أوْعَــدَنـــي ، .. ولا قرارَ على زأرٍ منَ الأسدِ

مَهْلاً، فِداءٌ لك الأقـــوامِ كُلّهُــمُ، .. ومَـــا أثمرُ من مالٍ ومنْ ولدِ

وقد تمثل الحجاج بن يوسف الثقفي بالبيت الأول عندما توعده عبد الملك بن مروان.

أقوال النقاد والشعراء فيه:-

كان حسان بن ثابت يرغب في مدح النعمان بن المنذر والوفود عليه، وبعد أن أُذن له بالدخول عليه، سمع صوتًا يقول:

أنمت أم تسمع رب القبة ..

يا أوهب الناس لعنس صلبه

فقال النعمان: أبو أمامة! فأذنوا له فحيا الملك وشرب، ثم أنشده قصيدته التي يقول فيها:

فإنك شمس والملوك كواكب ..

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

فأعطاه النعمان مئة من الإبل السود ومعها رعاؤها، وهذه الإبل لم يكن يملكها أحد سوى الملك النعمان، فيقول حسان: إنه لم يحسد أحدًا كما حسد النابغة، فلا يدري أيحسده على شعره أم عطائه؟
وقد قال عنه نقاد العصر العباسي:”كان أحسن الجاهليين ديباجة، وأكثرهم رونق كلام، وأجزل لهم بيتًا، وكأن شعره كلام ليس فيه تكلف”

إقواء النابغة الذبياني:-

بالرغم من مكانة النابغة الذبياني الشعرية؛ إلا أنه كان يُقْوِي في شعره، فلما دخل الحجاز أمروا أن يُغنى بشعره ليسمعه، ففطن لهذا العيب، ولم يعد له، والإقواء هو أحد عيوب القافية، وهو عبارة عن اختلاف حركة الروي من حركة ثقيلة إلى أخرى ثقيلة.

وهو مثل قول النابغة الذبياني:

أمن آل مية رائح أو مغتدي ..

عجلان ذا زاد وغير مزودِ

إلى أن يقول:

زعـم البـــوارح أن رحلتنــا غــدًا .. وبـذاك حدثنا الغـراب الأسـودُ

لا مرحــــبــــاً بغـــدٍ ولا أهــــــلًا بـه .. إن كان تفريق الأحبة في الغدِ

فالأبيات كلها تنتهي بحرف الدال المكسورة، ما عدا البيت الذي فيه الأسود ينتهي بدال مضمومة، وهذا هو الإقواء تغيير حركة الروي لحركة أخرى. وهذا العيب يجعل هناك نوع من الكسر في الموسيقى الشعرية.

النابغة الذبياني وملك الحيرة النعمان بن المنذر:-

كانت الكثير من القبائل العربية تدين بالولاء للمناذرة، ومنها قبيلة ذبيان، مما شجع الشاعر النابغة الذبياني على الوفود على النعمان بن المنذر ومدحه، وقد فرح النعمان به وأجزل له العطاء، وقرَّب مجلسه، وبالرغم من وجود الكثير من الشعراء الذين يمدحون النعمان إلا أنه لم يُكرم أحد كما أكرم النابغة، وقد أشاد النابغة الذبياني بكرمه في شعره، حيث يقول:

الواهِبُ المائَةِ المَعْكاءِ، زَيَّنها ..

سَعدانُ تُضِحَ في أَوبارِها اللِّبَدِ

فهو يقول إن النعمان يهب مئة ناقة، وفي أبيات أخرى ذكر أنه يعطيه الخيول والجواري.

رحيل النابغة الذبياني عن بلاط النعمان:-

بالرغم من هذه الصلة القوية بينهما؛ إلا أن حدثًا اضطر النابغة لترك بلاط النعمان، والوفود على الغساسنة أعداء النعمان ومدحهم، وقد اختلف الرواة كثيرًا في ذلك، فمنهم من يرى أن الحُساد أوغروا صَدر الملك النعمان ضده، وهناك من يرى أن السبب هو وصفه زوجة النعمان بكلام لا يليق.

غير أن الراجح أن الغساسنة قد أوقعوا بقومه وسبوا نساءهم، فلم يكن هناك بد من ذهاب النابغة الذبياني لهم ومدحهم حتى يردوا الأسرى ويصلح بينهم وبين قومه، وقد كانت سفارات الذبياني نافعة لقومه، وآتت الثمار المرجوة منها.

اعتذاره للنعمان بن المنذر وعودته له:-

بعد فترة من الزمن في بلاط الغساسنة؛ اشتاق النابغة الذبياني للعودة إلى النعمان، ولكنه كان قد غضب عليه غضبًا شديدًا، فكتب له العديد من قصائد الاعتذار حتى يعفو عنه، ويسامحه.

وقد ذهب للنعمان مع رجلين فزاريين وهما منظور بن سيار وزبان بن سيار، وكانت بينهما وبين النعمان مودة، فدخل معهم دون علم النعمان بوجوده، وأنشد شعره، فلما سمعه النعمان أقسم إنه شعر النابغة، وتدخل الرجلان فأمنه النعمان وكلّمه.

النابغة الذبياني يمدح عمرو بن الحارث:-

وقال النابغة يمدح عمرو بن الحارث الأعرج  بن الحارث الأكبر بن أبي شَمِر، حين هَرَبَ إلى الشَّام وذلك لما بلغه من سعي مُرَّة بن ربيعة بن قُرَيع به إلى النُّعمان وخافه:

كِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَـــــةَ ناصِــبِ .. ولَيْــــلٍ أُقَاسِيهِ بَطِــيءِ الكواكِـــبِ

تَطَــاوَلَ حتى قُلتُ: ليــسَ بُمْنقَــضٍ .. وليـــسَ الذي يَرْعَــى النُّجُــــومَ بآيِـــبِ


المصادر:

  • تاريخ الأدب الجاهلي للدكتور شوقي ضيف، ص 268، دار المعارف، الطبعة الحادية عشر.
  • طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، ص 56، دار المدني بجدة.
  • ديوان النابغة الذبياني، ص 6، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة.
  • ديوان النابغة الذبياني، محمد أبو الفضل.
  • الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص 164 ،165، دار المعارف.
  • الشعر والشعراء، ص 167.
  • علم العروض والقافية، للدكتور عبد العزيز عتيق، ص 167، دار النهضة العربية للطباعة، 1987.
  • تاريخ الأدب الجاهلي للدكتور شوقي ضيف، ص 269:273.
  • الشعر والشعراء ص 165:167.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى