أخبار العرب

النابغة الجعدي .. الشاعر المخضرم المُعمِّر

أمضى ثلاثين عامًا من عمره دون أن يقول الشعر، ثم نبغ فيه فقال من الشعر ما سطَّره التاريخ من أجمل ما قِيل

مَن هو النابغة الجعدي؟

هو أبو ليلى النابغة الجعدي ، قيْس بن عَبْد اللّه بن عَمْرو بن عدس بن ربيعة بن جَعْدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمه هي فاخرة بنت عمرو بن شحنة بن جابر بن أسامة بن مالك بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، واختُلف في اسمه فقيل أيضًا إنه ربما يكون حيان بن قيس.

نشأ في الفلج، جنوب نَجد، عاش طويلًا فكان من المُعمّرين، حيث قِيل أن عُمره قد تجاوز مائةً وعشرين سنة، وقد أمضى  ثلاثين عامًا من عمره دون أن يقول الشعر، ثم نبغ فيه فقال من الشعر ما سطَّره التاريخ من أجمل ما قِيل.

والنابغة الجعدي هو صحابيٌّ جليلٌ، وشاعر مُخضرم عاش في العصر الجاهلي، كما شَهِدَ الإسلام فأسلم، وحَسُن إسلامه وحظي بصحبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – كما رُوي عنه الأحاديث.

وكان النابغة الجعدي من خِيارِ الناس قبل الإسلام، فكان ينهى عن شرب الخمر في الجاهلية، وكان شاعرًا فَحلًا مرموقًا ، وقد صنّفه الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ضمن الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية، مع أبي ذؤيب الهذلي والشماخ بن ضرار ولبيد بن ربيعة.

وقد ذُكر من شعره المدح والفخر والهجاء، واشتهر بكثرة ترحاله ومدحه للأمراء والخلفاء فنال عندهم مكانة مرموقة، وقد ذكره العديد من المؤرخين في مؤلّفاتهم لمكانته  قبل وبعد الإسلام، لأهمية دوره في التاريخ.

إسلامه:-

ما أن سمع النابغة الجعدي عن الإسلام وما تدعو إليه تعاليمه الحنيفة، ذهب إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلْقاه ويتعلم منه عن الإسلام، وكان في العام التاسع من الهجرة، فأعلن إسلامه، وأنشد بين يدي الرسول أبياتاً استحسنها، قال فيها :

تَبعت رَسُولَ اللهِ إِذْ جَــاءَ بِالهُدى .. يَتْلـــو كِتَابًا كالمَجَرَةِ نَيِّرًا

بَلَغْنا السَمـــاءَ مَجْدَنــا وَجُدودِنــا .. وإِنَّا لَنَرْجوا فَوقَ ذَلِكَ مظهرًا

وقد دعا له النبي- صلى الله عليه وسلم، قائلًا “لا فضَضَّ الله فاك”. وقد أنشد من بعض ما قال بعد إسلامه قصيدة يقول في مَطلعها:

تذكَّــرتُ شيئًا قد مضى لسبيـلــه .. ومِــن حاجة المحزون أن يتذكَّرا

ندامـــاي عنـد المنـذر بـن محـــرِّق .. أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفِرَا

كهـــولًا وشـبَّانًا كــأنَّ وجوههــم .. دنانيـــرُ مما شِيفَ في أرض قيصرا

إذا ملِكٌ مِن آل جفنـة خـــالُه .. وأعمـــامُـه آل امرئ القيس أزهرا

يردُّ علينـــا كــأسَه وشـــواءَه .. مناصفـــةً والشرعبي المحبَّرا

وراحًا عــراقيًّا وريطًا يمانيــاً .. ومغتبطــاً مِن مسكِ دارينَ أذفَرَا

وقد عاش النابغة الجعدي في المدينة زمنًا طويلًا، وشهد الكثير من الفتوحات والمعارك وشارك في بعضها،  وذُكِر عنه الكثير من الشعر الذي له صفات التدين والذكر و الروح الاسلامية، فعُرِف عنه حُسن إسلامه.

سمات شعر النابغة الجعدي :-

من المُلاحظ في قصائده أنه لا يتبع ما كان سائدًا في العصر الجاهلي، حيث لم يكن يستهل قصيدته بالبكاء على الأطلال، و مدح شرب الخمر، وإنما كان يبدأ قصائده بالتأملات والأفكار والحكمة، مما دفع البعض باعتقاد أنه لم يعبد الأصنام، وبعضهم اعتقد أنه كان على ملة أبينا إبراهيم – عليه السلام – إلا أن هذا لم يثبت من مصادر موثوقة، ومن ضمنها قصيدته التي يقول في مطلعها:

خَلِيلَيَّ عُوجــــا ســـــاعَةً وَتَهَجَّــــرا .. وَلُـــومـــا عَلى ما أَحدَثَ الدَهرُ أَو ذَرا

وَلا تَجزَعا إِنَّ الحَيَــــاةَ ذَمِيمَـــةٌ .. فخِفّـــا لِروعَاتِ الحَوَادِثِ أَو قِرا

وَإِن جاءَ أَمــرٌ لا تُطِيقانِ دَفعَــــهُ .. فَـــلا تَجزعَا مِمّا قَضى اللَهُ واصبِرا

أَلَـم تَرَيا أَنَّ المَـــلاَمَـــةَ نَفعُهــــــا … قَلِيـــــلٌ إِذا ما الشيءُ وَلّى وَأَدبَرا

تَهِيجُ البُكـــــــاءَ وَالنَدامَـــــةَ ثــــمَّ لا .. تُغيِّــــرُ شَيئًا غَيرَ ما كانَ قُدِّرا

حتى بكائه على الأطلال، فهو لا يصف أطلال حبيبته كعادة الشعراء، وإنما يتحدث عن أطلال قومه، كقوله في مَطلع قصيدته اللامية  : “لِمَن الدارُ كأنضاءِ الخلل .. عهدُها من حقبِ الدهرِ الأُوَل”، وقد غلب على شعر النابغة الجعدي الفخر والهجاء، فكان فيهما معظم شعره، وذُكر من شعره القليل من الغزل فكان لا يقوله مستقلًا وإنما ضِمنًا مُرافقًا للغرض الأصلي للقصيدة، وكان لِطول عمره الذي فقد خلاله الكثير من أهله أثر في طابع شِعره الذي غلب عليه الحزن والرثاء لمن فقدهم، كما قد شكا ما مرَّ به من سنون كَبُر فيها وضَعُف، وابيضَ شَعره من هَول ما رأى، وفقدانه لإخوانه، فيقول:

قـــالت سُـليمــى: أرى رأسَــــه .. كنــاصيــــةِ الفرَس الأشهبِ

وذلك مــن وَقعـــــات المَنــــــون .. ففيئـــــي إليك ولا تعجبِي

أتينَ علـــى إخـــــوتي سبعــــــةٍ .. وعُـــدن على ربعيَ الأقربِ

وســـادة رهطــــيَ حتـــى بقيـتُ .. فــــردًا كصيصيَّةِ الأعضبِ

النابغة الجعدي .. الشاعر الحكيم.

النابغة الجعدي وليلى الأخيلية :-

ذكر المرزباني في كتابه “أشعار النساء”؛ ليلى الأخيلية، وهي شاعرة أموية فصيحة، وكانت أشعرَ النساء بعد الخَنساء، وقد عُرفت بقصة حبها العذري مع توبة بن الحمير، واشتهرت بالمبارزة الهجائية الطويلة بينها وبين النابغة الجعدي، فكان يهجوها بقصيدة لاذعة وترد عليه بأخرى، حتى إنها كانت تتفوق عليه في قوة الهجاء أحيانًا، وظلَّا هكذا حتى مات، وكان من هجائه لها قوله:

ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا ..

فقدْ ركِبتْ أغـرُّ مُحجَّـلا

فأفحمته بردّها عليه بقصيدة من أشهر أبياتها:

وعيَّرتَني داءً بأمكَ مثله ..

وأيُّ جوادٍ لا يُقال لها هلا

وفاة أبو ليلي النابغة الجعدي :-

وكما ذكرنا أن الجعدي كان من المُعمرين، لكن لم يُعرف تحديدًا الفترة التي وُلد بها، فهناك بعض الروايات التي تفيد بأنه قد عاش في زمن المنذر ملك اللخميين، وهذا لم يثبت صحته بشكل قاطع، إلا أن الراجح أنه عاش حوالي مائة وعشرين عامًا، والمؤكد أنه تجاوز مائة واثني عَشَر عامًا لقوله:

فَمَـــن يَكُ ســـــائِلًا عَنّــي فَــــــإِنّي .. مِــــنَ الفِتيانِ فِي عامِ الخُنانِ

مَضَت مِئةٌ لعــــام وُلِدتُ فِيــه .. وَعَشـــرٌ بَعدَ ذاكَ وَحِجَّتانِ

وقد تُوفي أبو ليلى النابغة الجعدي بين عامي 65 و 70  هجرية.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

  • كتاب سير أعلام النبلاء، أبي عبدالله شمس الدين الذهبي.
  • معجم الشعراء، ياقوت الحموي.
  • الأعلام، خير الدين الزركلي.
  • أشعار النساء، المرزباني.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى