أعلام

المهلهل بن ربيعة … أول من قصَّد القصيد

حمل لواءَ الثأرِ على عاتقه وترك حياةَ اللهو خلفَ ظهره، وجعل حياته رَهنًا للقصاصِ لأخيه

المهلهل بن ربيعة البطل المغوار:-

بسيفه البتَّار، يكرُّ على كتائبِ الأعداء، فيلوذ أبطالها خوفًا منه بالفرارِ، عاش حياةً حافلةً ومحفوفةً بكثيرٍ من الحكايا والأخبار، ولما امتدت أيادي الغدر ونالت مَنالَها من أخيه، حَسَم القرارَ بالثأر لروحِ أخيه بعزمٍ جبارٍ، حتى باتت قبيلةُ القاتلِ – بكر – سابحةً في بركةٍ من الدماءِ، إنه المهلهل بن ربيعة الفارس الجاهليّ المِغوار.

من هو المهلهل ؟

 هو أحدُ أبطال العربِ في الجاهليَّةِ وفوارسهم البواسل، الذين دارت حولهم الحكايا والروايات، ولِكثرة الإسقاطات الروائية والأدبية حول شخصه وقصة حياته، فقد تاهت بعض الحقائق، وأُضِيفت الكثير من المعلومات الوهمية في خِضَمِّ الروايات المتعددة التي قدمها الرُوَاةُ والقصَّاصون والمُحبون وبالطبع الكارهون.

وأبسط ما تعددت الروايات حوله هو اسمه ولقبه:

  • عُديّ بن ربيعة بن مُرة بن هبيرة، من بني جشم، من تَغْلُب، استنادًا إلى قصيدته الشهيرة التي نظمها في أسره :

طَـفـَـلــة مـا ابْنة المـحـللِ بـيــضـــاء ..

لــعـوب لــذيــذة في الـعناقِ

فاذهبي مـا إليــــــــــــك غـير بـعيــد ..

لايــؤاتـي العــنـاق مـن في الــوثاقِ

ضربـت نـحــرهـا إلــيَّ وقــالـت: ..

ياعديا ، لــقــد وقــتـك الأواقـــــي

  •  وقِيل: إن اسمه سالم استنادًا للقب الذي أطلقه عليه أخوه كُلَيب بن ربيعة “الزير سالم” – أي جليسهنّ – لأنه كان يَركَنُ إلى مجالسِ اللهو والمُنادَمة في شبابه.
المهلهل بن ربيعة
المهلهل بن ربيعة صاحب مكانة كبيرة في التراث العربي
  • ولُقِّبَ بالمُهَلهِل لأنّ ثيابه كانت مُهَلهلة، وقيل أيضًا لقوله:

لما توغل في الكراع هجينهن ..

هلهلت أثأر مالك أو سنبلا

وقِيل: لأنه هَلهَل الشعر أي أرقَّه، لكنه قولًا لا يُعقل ولا يقبله منطق، فالمُطَّلع على أشعاره يدرك مدى بلاغته، وفصاحة نظمه، وفُحولة ألفاظه.

أبو ليلى هو كُنيته، فقد راودته رؤيا في صغره أنه سينجب فتاة ذات شأن اسمها ليلى، فحينما تزوج وأنجب سمّى ابنته ليلي، ثم زوجها كلثوم ابن مالك، فانجبا عمرو بن كلثوم صاحب المعلَّقة الشهيرة.

الشاعر عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، من بني تغلب، أبو الأسود، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة
بطولات بالوراثة

المهلهل بن ربيعة – نشأته وشخصيته:-

نشأ المُهلهِل بن ربيعة في كَنَفِ قبيلةِ تَغلب، في بيت سيدها ربيعة،  وكان له في حروبها صولات وجولات وبصمات، ومنها حرب السلان وفيها أسر، شهدت له العرب بأنه بطلًا فارسًا باسلًا، مِقدامًا لا يخشى ولا يَهاب، فلما آل الحكم إلى أخيه كليب، انطلق إلى الدعَّةِ واللهو والمُنادَمةِ شأنه شأن غالبية فرسان الجاهلية ولا سيما من الأسر الحاكمة، لقد كانت حياته هانئةً ميسورةً إلى أن حانت نقطةُ التحولِ في حياته.

مقتل كُليب:-

ظلّت حياة المهلهل على وتيرتها، إلى أن قتل جسَّاس بن مُرّة أخاه كليب، فكانت هذه الفاجعة هي التي غيرت مجرى حياته؛ حيث حمل لواءَ الثأرِ على عاتقه وترك حياةَ اللهو خلفَ ظهره، وجعل حياته رَهنًا للقصاصِ لأخيه، فقد كان الثأر هو مقياس العزة والأنَفَةِ في شريعة الجاهليّة، وفي ذلك يقول:

خذِ العهدَ الأكيدَ عليَّ عمري ..

بتركي كلَّ ما حوتِ الديارُ

وَهَجْرِي الْغَانِيَاتِ وَشُرْبَ كَأْسٍ ..

وَلُبْسِي جُبَّة ً لاَتُسْتَعَارُ

وَ لستُ بخالعٍ درعي وَ سيفي ..

إلى أنْ يخلعَ الليلَ النهارُ

وإلاَّ أَنْ تَبِيدَ سَرَاة ُ بَكْرٍ ..

فَلاَ يَبْقَى لَهَا أَبَداً أَثَارُ

وهكذا، اشتعلت العداوة بين قبيلتي تغلب وبكر- قبيلة جسَّاس – وبدأت حرب ضروس بينهما سُمّيت بحرب البَسوس، لكنّها طالت واستطالت حتى بلغت أربعين سنة، أُرِيقَتْ خلالها أنهارًا من الدماءِ من كلا الطرفين، ويرجع السببُ في طول هذه العداوة إلى أن غاية تغلب لم تُدرك والقاتل لم يُقتل، فالمهلهل لم يتوصل إلى جسَّاس في مواجهة فقد قيل: إن جسَّاس فرَّ هارباً من مجابهة المهلهل، وهكذا بالنسبةِ لقانونِ الجاهليةِ فإن الجريمةَ لم تُغسل بعد بما تستحق من الدماء.

العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم
العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم

المهلهل بن ربيعة أول من قصّد القصائد:-

كان المُهلهلُ بن ربيعة شاعرًا فصيحًا، لم يُرو لأحدٍ من قبله شعرٌ طويل، وقد اتجه أغلب المُترجمين إلى اعتباره من أوائل من قصَّدوا القصائد وطولوها -إن لم يكن الأول -ومنهم:

  • يقول الأصمعيّ: “أول من يُروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم ضمرة، رجل من بني كنانة، والأضبط بن قريع”.
  • ويقول الجاحظ في كتابه “الحيوان”: “وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة”.
  • يقول محمد بن سلّام الجحميّ في كتابه طبقات فحول الشعراء :”وكان أول من قصّد القصائد وذكر الوقائع المُهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كُليب”.

وغالبية أشعاره هي رثاء لأخيه كُليب، يَنظم فيها حزنَه وأساه وألمه لمقتلِه، وعزمه أن يثأرَ من قاتله وقبيلته ويُنكِّلَ بهم، وله أشعارٌ في وصفِ الخمرِ والحروبِ، وبعض أشعار الغزل، وهذه بعضٌ من أبياتِ قصائده الشهيرة:

قصيدةُ “إنَّ في الصَّدرِ من كُليب شُجونًا” :-

يُقالُ: إنّ المهلهل بن ربيعة أقام طويلًا لا يلهو ولا يشرب الخمر ولا يحلّ لأمَته، ونذر ألّا يغتسل بعد مقتلِ أخيه، فأقسم عليه نَديمه ربيعة بن الطفيل أن يغتسل ويتطيب فأَبَى قائلًا أنه لن يفعل إلا بعدما ينال ثأر أخيه، وبعد جدال وافق أن يَعمد إلى خادمه ليصبَّ الماء عليه، وما إن خلع الغلامُ خوذته تنهد المهلهلُ قائلًا: ” يا غلام! ردوها، فبتربة كُليب لا تزول من مكانها حتى أفني بكرًا أو أذوق الموت! “

 ثم أنشد في حُرقةٍ قصيدةً يقولُ في مَطلعها:

إِنَّ في الصَدرِ مِن كُلَيبِ شُجوناً ..

هاجِساتٍ نَكَأنَ مِنهُ الجِراحا

أَنكَرَتني حَليلَتي إِذ رَأَتني ..

كاسِفَ اللَونِ لا أُطيقُ المُزاحا

وَلَقَد كُنتُ إِذ أُرَجِّلُ رَأسي ..

ما أُبالي الإِفسادَ وَالإِصلاحا

بِئسَ مَن عاشَ في الحَياةِ شَقِيّاً ..

كاسِفَ اللَونِ هائِماً مُلتاحا

يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً ..

وَاِعلَما أَنَّهُ مُلاقٍ كِفاحا

يا خَليلَيَّ نادِنا لي كُلَيباً ..

ثُمَّ قولا لَهُ نَعِمتَ صَباحا

حروب مستعرة ودائمة كانت تندلع بين قبائل الجزيرة العربية

قصيدةُ “أَهَاج قذّاءَ عيني الإذِّكارُ”:

أقام المهُلهلُ على قبر أخيه يرثيه بأحرِّ الأشعارِ بعد دفنه، فأنشد قصيدته التي قال في مَطلعها:

أَهَاجَ قَذَاءَ عَيْنِي الإِذِّكَارُ ..

كهُدُوّاً فَالدُّمُوعُ لَهَا انْحِدَارُ

وَصَارَ اللَّيْلُ مُشْتَمِلاً عَلَيْنَا ..

كأنَّ الليلَ ليسَ لهُ نهارُ

وَبِتُّ أُرَاقِبُ الْجَوْزَاءَ حَتَّى ..

تقاربَ منْ أوائلها انحدارُ

أُصَرِّفُ مُقْلَتِي فِي إِثْرِ قَوْمٍ ..

تَبَايَنَتِ الْبِلاَدُ بِهِمْ فَغَارُوا

وَ أبكي وَ النجومُ مطلعاتٌ ..

كأنْ لمْ تحوها عني البحارُ

عَلَى مَنْ لَوْ نُعيت وَكَانَ حَيّاً ..

لَقَادَ الخَيْلَ يَحْجُبُهَا الغُبَارُ

دَعَوْتُكَ يَا كُلَيْبُ فَلَمْ تُجِبْنِي ..

وَكيفَ يجيبني البلدُ القفارُ

أجبني يا كليبُ خلاكَ ذمٌّ ..

ضنيناتُ النفوسِ لها مزارُ

أجبني يا كليبُ خلاكَ ذمُّ ..

لقدْ فجعتْ بفارسها نزارُ

قصيدةُ “مَنْ مُبلغٌ بكرًا:-

قالها المهلهل مخاطبًا قبيلةَ بكر، ذاكرًا فيها أعظمَ موقعة بينهما وهي “يوم الذنائب”، وفيها ظفرت بنو تغلب ببكر، وأراقت دماء الكثير من أشرافها مثل شراحيل بن مُرة – أخو جسَّاس – وتميم بن قيس بن ثعلبة، ويقول في مَطلعها:

مَن مُبلِغٌ بَكراً وَآلَ أَبيهِمِ ..

عَنّي مُغَلَغَلَةَ الرَدِيِّ الأَقعَسِ

وَقَصيدَةً شَعواءَ باقٍ نورُها ..

تَبلى الجِبالُ وَأَثرُها لَم يُطمَسِ

أَكُلَيبُ إِنَّ النارَ بَعدَكَ أُخمِدَت ..

وَنَسيتُ بَعدَكَ طَيِّباتِ المَجلِسِ

أَكُلَيبُ مَن يَحمي العَشيرةَ كُلَّها ..

أَو مَن يَكُرُّ عَلى الخَميسِ الأَشوَسِ

مَن لِلأَرامِلِ وَاليَتامى وَالحِمى ..

وَالسَيفِ وَالرُمحِ الدَقيقِ الأَملَسِ

وَلَقَد شَفَيتُ النَفسَ مِن سَرَواتِهِم ..

بِالسَيفِ في يَومِ الذُنَيبِ الأَغبَسِ

إِنَّ القَبائِلَ أَضرَمَت مِن جَمعِنا ..

يَومَ الذَنائِبِ حَرَّ مَوتٍ أَحمَسِ

المهلهل بن ربيعة والقصيدةُ الدَّاهِيَةُ:-

عُدَّتْ هذه القصيدة من “السبع المُنتقيات” ولُقبت بالدَّاهيةِ؛ لأن فيها بعض الألفاظ التي يألفها الجاهليون، ولأنها من أكثرِ قصائده شدةً ومتانةً وبلاغةً، وقد قالها يوم واردات وقيل يوم القصيبات، حيث ظَفرت تغلب، وكَثُرت الدماء في بكر حتى كاد جسَّاس أن يُقتل لولا فراره إلى الشام، يقول في مَطلعها:

جارَت بَنو بَكرٍ وَلَم يَعدِلوا ..

وَالمَرءُ قَد يَعرِفُ قَصدَ الطَريق

حَلَّت رِكابُ البَغيِ مِن وائِلٍ ..

في رَهطِ جسَّاس ثِقالِ الوُسوق

يا أَيُّها الجاني عَلى قَومِهِ ..

ما لَم يَكُن كانَ لَهُ بِالخَليق

جِنايَةً لَم يَدرِ ما كُنهُها ..

جانٍ وَلَم يُضحِ لَها بِالمُطيق

كَقاذِفَ يَوماً بِأَجرامِهِ ..

في هُوَّةٍ لَيسَ لَها مِن طَريق

مَن شاءَ وَلّى النَفسَ في مَهمَةٍ ..

ضَنكٍ وَلَكِن مَن لَهُ بِالمَضيق

المهلهل بن ربيعة – نهاية مسيرة:-

الأمرُ المُؤكّدُ أنّ حياةَ المُهلهل بن ربيعة الصَّاخبة لم تنتهِ في معركة، لكنه كبر وأسنّ، أمّا كيفية وفاته فقد دارت حولها الأقاويل، فقد قِيل أنه مات عند أخواله في بني يشكر، وقيل أن عمرو بن مالك أَرْدَاه بماءٍ مَوبوءٍ بعد أسرِه في بلادِ البحرين، وقيل أيضًا أنّ عبدين له تآمرا على قتله بعدما كبر وأسنّ.

ومرة أخرى تختلف الروايات في تحديد سنة وفاته، يقول بعض الباحثون أن المُهلهِلُ بن ربيعة تُوفي سنة 500م، وقيل 530م، وقيل غير ذلك، إلّا أنَّ جميع التواريخ تؤكد أنه تُوفي في الثُلثِ الأولِ من القرنِ السادسِ الميلاديّ.

لم يتم التثبت من تاريخ وفاته

المصادر:-

  • كامل سلمان جاسم الجبوري، معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002م. دار الكتب العلمية, 2003, ص 376.
  • سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • ديوان مهلهل بن ربيعة، طلال حرب، الدار العالمية.
  • نهاية الأرب في فنون الأدب ،النويري، الجزء 15، 2018.
  • الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، طبعة دار الكتب المصرية.
  • شعراء النصرانية قبل الإسلام، لويس شيخو، دار المشرق.
  • أدب العرب، مارون عبود، 2013.
  • طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجحميّ.
الوسوم

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق