أعلام

محمد ابن إبراهيم الأصولي البجائي .. صديق ابن رشد في محنته

تولى القضاء في بجاية ومرسية ومراكش وتحلى بالعلم والفضل والجدية في العمل

محمد بن إبراهيم المهري البجائي، أبو عبد الله، اشتهر بالأصولي لتضلّعه في علم أصول الفقه، فقد كان علَم وقته في هذا المجال، وهو وهو إلى جانب ذلك فقيه وقاضي، واهتم اهتماماً بالغاً بالفلسفة بشكل أثر على مسار حياته.

ويعتبر الأصولي أحد الأعلام الثلاثة الكبار في مدينة بجاية وأولهم إلى جانب: «أحمد بن إدريس البجائي» (ت.760هـ)، و«أبو علي الزواوي» (ت. 770هـ). قال عنه ابن الآبار: «كان علم وقته علماً وكمالا وتفنناً، يتحقق بعلم الكلام وأصول الفقه حتى شُهر بالأصولي».

مولد الأصولي البجائي ونشأته:

لا يُعرف للأسف شيء عن مولد محمد بن إبراهيم الأصولي البجائي ، ولا عن نشأته، سوى أنه ولد بمدينة بجاية، وأن أصوله تعود إلى بني مرزقان بأشبيلية بالأندلس، ولم تأت المصادر على ذكر شيوخه في بجاية وكيف زاول تعليمه هناك.

الأصولي البجائي ينتمي إلى بجاية.

وفي شبابه رحل الأصولي إلى المشرق، شأنه في ذلك شأن أغلب علماء المغرب، فأخذ عن مجموعة من العلماء المحدثين خاصة، ثم مكث لمدة قصيرة في مصر، ومنها قفل راجعاً إلى بلاده حتى أنه لم يحج، ولا شك أنه هذه الرحلة القصيرة إلى المشرق لم يكن هدفه طلب العلم بقدر ما كان امتحانا لمعارفه وقدراته، ففيها كمل عقله ونضج فكره واتسع أفقه وبرز بين أقرانه.

الأصولي البجائي القاضي الصلب:

قضى الأصولي البجائي جزءاً كبيراً من حياته في القضاء؛ حيث ولي قضاء بجاية ثلاث مرات (صرف عن آخرها سنة 608هـ/ 1211م)، وبعدها قضاء مدينة مرسية بالأندلس، ثم استخلف على قضاء مدينة مراكش، فقد كان يتمتع بالعلم والفضل والمروءة والجدية ما أهّله لتولي هذا المنصب عدة مرات.

وإلى جانب هذه الصفات العلمية والخلقية كان الأصولي جلداً صلباً قوي الجأش ذو اعتزاز في الرأي، لا يخاف في قول الحق لومة لائم، ولا يأبه لأولي الأمر بل كان شديدا عليهم، فقد كان «لا يسامحهم في شيء من أمورهم، ويجاهدهم بما يكرهون في حق الله، وفي حق المسلمين».

ويُروى أنه «جرى بينه وبين والي بجاية كلام فيه غلظة فقال له الوالي: والله لقد أصاب سيدنا أمير المؤمنين المنصور فيكم (وقصد ما سلطه عليه ورفاقه من محنة كما سيأتي)، فقال له: إن كان أصاب أمير المؤمنين المنصور، فقد أخطأ فينا أمير المؤمنين الناصر (أما الناصر فقد أكرم مثواهم وقربهم إليه)، فأفحمه، فرجع (الوالي) فاسترضاه».

صداقته ومحنته مع ابن رشد:

كان الأصولي البجائي صديقاً للقاضي والفيلسوف «أبو الوليد ابن رشد»ٍٍ، جمعتهما الاهتمامات العلمية والفكرية فكلاهما كان قاضي، وكلاهما أصولي شهير، وكلاهما اشتغل بالفلسفة أو كما كانت تسمى «علوم الأوائل» إلى جانب بعض الأصحاب، وقد كان اهتمامهم هذا يثير عليهم الشبهات حتى أنهم اتهموا بالإلحاد، وقام الخليفة الموحدي «المنصور أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن» (580- 595هـ) باضطهادهم جميعا.

وهنا ابتدأت محنة ابن رشد ورفاقه سنة 593هـ، حيث أُعفوا من مناصبهم، وصودرت أموالهم، وعذبوا ثم أُبعدوا من مدينتهم قرطبة إلى القرية «أليسانة» أين فرضت عليهم إقامة جبرية، كما أُتلفت وأحرقت كتب ابن رشد، وقد أجمع المؤرخون على ثبوت جأش البجائي وصبره وتجلده في هذه المحنة.

وبعد مدة عفا عنهم الخليفة يفضل توسط عدد من رجال العلم بالأندلس، إلا أن الموت عاجل ابن رشد فتوفي سنة 595هـ قبل الإفراج عنه، في حين عاد الأصولي إلى مسقط رأسه بجاية، وهناك قضى بها آخر سنوات حياته مكفوفاً.

الفيلسوف ابن رشد
محمد بن إبراهيم المهري البجائي الأصولي صادَقَ ابن رشد.

آثاره:

لم يخلف محمد بن إبراهيم الأصولي من الآثار المكتوبة سوى تقييد «إصلاح المستصفى» عن كتاب «المستصفى من علم الأصول» لأبي حامد الغزالي، وتقييد في «الشرفاء العمرانيين»، وكتاب آخر في الموسيقى (لكن لم تأكد بعض المصادر صحة نسبته له).

إذ يُقال إنه سئل عن التصنيف فامتنع وقال: «قد سبق الناس بذلك وما عسى أن آتي به» وربما كان يشير هنا إلى صديقه ابن رشد صاحب التآليف الكثيرة والمتنوعة.

وفاته:

توفي محمد بن إبراهيم المهري البجائي الأصولي ببجاية سنة 611هـ وقيل: سنة 612هـ/ 1215م من يوم الجمعة 10 رجب ودفن بمقبرة أم سلمة، وقيل: إنه توفي ذبيحاً، وفي هذا إيحاء إلى كثرة المتربصين به بسبب اشتغاله بالفلسفة.

تعرف أكثر على محمد عابد الجابري .. المفكر العربي الكبير

مراجع للاستزادة:

• أبو العباس الغربيني، عنوان الدراية، دار الآفاق الجديدة.
• صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، ج3، دار إحياء التراث العربي.
• محمد الصغير بن لعلام، علماء من زواوة، شركة الأصالة للنشر.
• عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى