أعلام

مصطفى لطفي المنفلوطي .. النابغة في الإنشاء والأدب

انفرد بأسلوب نقيٍّ في مقالاته وكتبه، وله شعر جيد فيه رقة وعذوبة

مصطفى لطفي المنفلوطي – اسمه ونشأته:-

مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي، كاتب وشاعر مصري، وُلِد في منفلوط بصعيد مصر سنة 1289هـ-1872م، من أسرة حسينية النسب، مشهورة بالتقوى والعلم، نبغ فيها قضاة شرعيون ونقباء أشراف، وانتقل بعد ذلك ليعيش في القاهرة.

مكانته العلمية والأدبية:-

مصطفى لطفي المنفلوطي نابغة في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقيٍّ في مقالاته وكتبه، وله شعر جيد فيه رقة وعذوبة، وتعلم في الأزهر، وابتدأت شهرته تعلو سنة 1907م، وذلك بما كان ينشره في جريدة «المؤيد» من المقالات الأسبوعية تحت عنوان «النظرات».

يعتبر -بسبب كتاباته التقليدية- من بين شعراء مصر الكبار في عصره، كرس نفسه لهذا النوع من الشعر الذي كان لا يزال مزدهراً، وهو شعر المناسبات، ولم يترك أي ديوان له، بل ترك مختارات تحت عنوان “مختارات المنفلوطي” ظهرت سنة 1912م، يتضمن بعض النصوص النثرية التي ترفق بعديد من القصائد.

أصالته الحقيقية تنبع من التزامه بالعقيدة، وما يستتبع ذلك من انعكاسات على أدبه، فإيمانه بالإسلام يظهر قوياً في مواجهة أي تحدٍّ أو اختبار، فهو يرى أن الإسلام ليس نظاماً قديماً من القيم يسعى للاحتماء به، ولكنه دين فعَّال ذو حيوية مستمرة، تعمل قوته المتجددة دوماً على تقوية المؤمنين، مما يتيح لهم أن يروا المستقبل مشرق الجوانب؛ ولذلك وقف إلى جانب المصلح العظيم محمد عبده، واتصل به اتصالاً وثيقاً، وتعرَّض للسجن ستة أشهر بسبب تأييده إياه ضد الخديوي عباس حلمي؛ لقصيدة قالها تعريضاً بالخديوي عباس حلمي، ومما جاء في هذه القصيدة:

قــدومٌ ولكـــن لا أقــولُ سَـــعيدُ … علــى فاجرٍ هجوَ الملوكِ يُريدُ

لأضرابه بيتٌ من اللؤمِ عـــامرٌ … ومُلــكٌ وإن طالَ المدى سيبيدُ

بعدتَ وثغر الناس بالبشــرِ باسِمٌ … لمَّــا عَلِمت بالفخر أن سَتعودُ

تَناءَيتَ عــن مصــرٍ فسُرَّ عدوُّهـــا … وعـدتَ وحُزنٌ في الفُؤادِ شديدُ

تُذكِّـــــرنا رُؤيـاك أيــــام أُنـــزِلَت … علـــى آلِ مُوسى نعمةٌ وسُعُودُ

وقال الأعـــادي إذ رأَوكَ تَنَــزَّلت … علينــا خطوبٌ من جُدودِكَ سُودُ

كان من دعاة الأخلاق، وقد وجد شكلاً أكثر موائمة مع مبادئه استطاع أن يعبر فيه عن نفسه في مجموعة المقالات التي كتبها على شكل قصص تهذيبية تنويرية، وقد نُشِرَت في مجلة «المؤيد» الأسبوعية تحت عنوان «النظرات»، وكان الموت وسوء الحظ والدموع تمثل العناصر الرئيسية في هذه الحكايات.

هو مقتدرٌ في فهم عبقرية اللُّغة، عارفٌ بمفرداتها وتراكيبها وببلاغتها وبيانها، لذا فهو يتخيَّر كلماته تخيُّراً كبيراً ، لا يهتم بالآراء والأفكار بقدر عنايته بحُسْن التعبير عنها.

أسلوب المنفلوطي متوسط بين الذي أبدعه ابن المقفع وبين ذلك الذي اُشتُهِرَ به عبد الحميد الكاتب، أو لنكُن أكثر دِقَّة، فهو أقرب لمدرسة الجاحظ الأدبية.

يمشي الرَّجُلُ وراءَ قلبهِ فيهديهِ، وتمشي المرأة وراء عقلها فيُضِلَّها، فما وَقَفَت معهُ وقفةً إلَّا سَقَطَت بين يديه عجزاً وضعفاً، لأنَّهُ يعرفُ السَّبيلَ إلى قلبها ولا تعرِفُ السَّبيلَ إلى عقله.

المنفلوطي
مصر في العام 1890 م – مكتبة الكونغرس

أعمال ومناصب مصطفى لطفي المنفلوطي :-

ولي مصطفى لطفي المنفلوطي أعمالاً كتابية في وزارة المعارف سنة 1909م، ووزارة الحقانية سنة 1910م، وسكرتارية الجمعية التشريعية سنة 1913م، وأخيراً في سكرتارية مجلس النواب، واستمر إلى أن توفي.

أدبياته:-

  • قال في مناجاة القمر: “أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتم صيغ من الأنوار؟ أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة من الماء، وهذه الأشعة جداول تتدفق، أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق؟ أيها القمر المنير: إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سحب الهموم والأحزان؟”.
ناجى القمر بطريقة متميزة
  • وقال مصطفى لطفي المنفلوطي في الرحمة: “أيها الرجل السعيد كن رحيماً، أشعِر قلبك الرحمة، ليكن قلبُك الرحمةَ بعينها. ستقول: إني غير سعيد؛ لأن بين جنبي قلباً يُلم به من الهم ما يُلم بغيره من القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع، واكسِ العاري، وعز المحزون، وفرّجِ كربة المكروب؛ يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك؛ فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام”.

كان المنفلوطي “منتقداً ناقِماً” لا مُصلِحاً: لقَد نقَّبَ عن العيوبَ وأجاد تصويرَها وبَالغَ في إبرازِها، ولكنَّهُ لم يُحاول أن يَضَعَ أُسُسَ إصلاحٍ اجتماعي، ولا ريبَ في أنَّ ذلكَ راجعٌ إلى سببٍ واحِد، هو أنَّهُ شديدُ التَّدَيُّن وأنَّهُ يَرَى في القُرآنِ الكريمِ العلاجَ الذي لا يجوزُ أن يوصَفَ مَعهُ علاجٌ آخَرَ لِرَدِّ البشَرِ إلى الحَياةِ المُثلى.

عمر فرُّوخ

كتبه ومصنفاته:-

  1. النظرات.
  2. في سبيل التاج.
  3. العبرات، هو مجموعٌ فيه قصص قصيرة بعضها منقول وبعضها موضوع، عالج فيه المنفلوطي بعض المشاكل الاجتماعية بشكلٍ قَصَصي، بأسلوب لغوي عذب يمُسُّ العاطِفة.
  4. الشاعر او سيرانو دي برجراك.
  5. مجدولين.
  6. مختارات المنفلوطي، وهي مقالات لكبار أُدباء العربية من الأقدمين والمُحدَثين تبحث في اللُّغة والبيان والشِّعر، إلى جانب بعض المقالات للمنفلوطي نفسه.

أين قطرات الدُّموع التي يريحُ الباكونَ بها أنفُسَهُم، أو قطرات المِداد التي يُرصِّع الكُتَّابُ بها صَحائفهم من قطرات المِداد التي أراقها مصطفى كامِل في سبيل وطنهِ وأُمَّتِه، ويا أيُّها النَّاسُ جميعاً لا تحفلوا بعدَ اليومِ بالأنساب والأحساب ولا تُفَرِّقُوا بين تربيةِ الأكواخِ وتربيةِ القُصور، لا تعتقدوا أنَّ الفضيلةَ وَقْفٌ على الأغنياء وحَبائسَ على العُظَمَاء، فلقَد عَلِمْتُم ما أضمرَ الدَّهرُ في طيَّاتهِ من رذائلِ الشُّرَفاء وفضائلِ اللُّقَطاء.

المنفلوطي

ترجماته:-

بين كتب مصطفى لطفي المنفلوطي ما هو مترجم عن الفرنسية، ولم يكن يحسنها، وإنما كان بعض العارفين بها يترجم له القصة إلى العربية، فيتولى هو وضعها بقالبه الإنشائي، وينشرها باسمه، كما تجدر الإشارة إلى أن مترجماته ليست ترجمة بالمعنى المعروف وإنما هي اقتباس من تلك الروايات التي كانت ترجمت من قبل.

ترجم لكل من شاتوبريان وألكسندر ديماس الصغير، ثم ترجم بعد ذلك كتاب «تحت ظلال الزيزفون»، وترجم «بول وفرحيني» للكاتب برناردين في سانت بيير، و«في سبيل التاج» للكاتب فرانسو كوبيه، وهذه القصص جميعاً مليئة بالفواجع وسوء الحظ، برع فيها في مخاطبة المشاعر والعواطف، وقد استخدم اللغة العربية بحرفية تصل إلى حد الكمال، فقد كان أسلوبه من الروعة والفخامة، والقدرة على التعبير عن أقوى المشاعر مثالاً احتذاه الكثيرون من معاصريه.

وفاته:-

توفي مصطفى لطفي المنفلوطي سنة 1343هـ-1924م.

أُذكُري يا بُنيَّة أن تطلبي الرَّحمَةَ لأبيكِ كما تطلبيها لأُمِّك، فَهُوَ أحوَجُ إِليهَا منها، لأنَّ الخَطَايا قد أثقَلَت ظَهرهُ فأصبَحَ لا يستطيعُ أن يرفَعَ رأسَهُ إلى السِّماء، وغُلَّت يدهُ فلا يستطيعَ أن يمُدَّها إلى اللهِ بالدُّعَاء.

المنفلوطي

تعرف أكثر على منارة الإسكندرية .. الأعجوبة التي لم يندثر ذكرها

المصادر:

  • الأعلام (7/239).
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (31/9714).
  • أربعة أدباء معاصرون، عمر فروخ.
  • النظرات (1/67)، و(1/98).
Image by Larisa Koshkina from Pixabay 

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2015/1/3/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%8A

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى