أخبار العرب

المنذر بن ماء السماء .. ثالث ملوك المناذرة

قام ببناء قصر الزوراء في الحيرة، وهو كذلك باني الغريين، وهما الطربالان اللذان بظاهر الكوفة

المنذر بن ماء السماء:-

المنذر بن ماء السماء اللخمي، أحد ملوك الحيرة، لُقِّب بذي القرنين؛ لضفيرتين كانتا له من شعره، فعُرِف بهما لذلك، أبوه امرؤ القيس بن النعمان بن المنذر بن امرئ القيس الثالث بن عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وماء السماء أمه، وهي ماوية بنت عوف بن جشم بن النمر بن قاسط، وإنما قيل لها ماء السماء؛ لحسنها وجمالها.

أولاده:-

يعتبر أولاد المنذر بن امرئ القيس من الملوك الأكابر؛ وهم: عمرو الأكبر والمنذر وقابوس، أمهم هند بنت الحارث الكندي، طلقها المنذر وتزوج بنت أختها أمامة، فولدت له عمراً الأصغر بن المنذر، وقال:

كَبِرتْ وأدركها بنــــــــــاتُ أخٍ لهـــــا ..

فأَزلن إمّتَها بركضٍ مُعجـــل

مكانته وسلطانه:-

يُعَدُّ المنذر بن ماء السماء ثالث المناذرة الذين ملكوا الحيرة وما يليها من جهات العراق في الجاهلية، وهو من أرفعهم شأناً وأشدهم بأساً وأكثرهم أخباراً، وقيل: هو صاحب يومي البؤس والنعيم.

غلب بليزار أحد أبطال الروم في عهده وكبير قواد يستنيان، كما تمكن المنذر في بعض حروبه مع الروم من أسر قائدين هما: ديموستراتوس، وتيموستراتوس، وأراد القيصر أن يفك أسر هذه القائدين ويعقد صلحاً وحلفاً بين الروم والمنذر، فأرسل رسولاً خاصاً إلى المنذر بن امرئ القيس هو إبراهيم والد الكاتب المؤرخ نونوسوس، ومعه شمعون الأرشامي وسرجيوس أسقف الرصافة، وقد وصل الوفد إلى المنذر وكان المنذر آنئذ في البادية في موضع اسمه الرملة، وقد نجحت مهمته فيما يخص فك أسر القائدين.

انتهى إليه ملك الحيرة بعد أبيه نحو سنة 514م، وأقره كسرى قباذ مدة، ثم عزله سنة 529م؛ لامتناعه عن الدخول في الْمَزْدَكية، وولَّى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي مكانه، فأقام الحارث إلى أن مات قباذ وملك أنوشروان سنة 531م، فأعاد مُلْكَ الحيرة والعراق إلى المنذر بن ماء السماء.

وقد هجم المنذر بن امرئ القيس على بلاد الشام أكثر من مرة، فبعد مدة قصيرة من هجومه الأول، هاجمها سنة 529م، وتوغل فيها حتى بلغ حدود أنطاكية.

تعددت هجمات المنذر بن ماء السماء على بلاد الشام حتى بلغ في سيطرته حدود أنطاكية

أحد أيام بؤسه:-

قام المنذر بن ماء السماء ببناء قصر الزوراء في الحيرة، وهو كذلك باني الغريين، وهما الطربالان اللذان بظاهر الكوفة، قيل: أقامهما على قبري نديمين له من بني أسد قتلهما في إحدى ليالي سكره، أحدهما عمرو بن مسعود بن كلدة، والثاني خالد بن نضلة.

والرواية هي أن المنذر كان قد نادمه رجلان من بني أسد (خالد وعمرو)، فأغضباه في بعضِ القول، فأمرَ بأن يُحْفَرَ لكُلٍ منهما حُفرة، ثمَّ يُجعلا في تابُوتين، ويُدفنا في الحفرتين، حتى إذا أفاق من نومه وسكرته؛ سأل عنهما، فأخبره قومه بهلاكهما، فنَدِم على ذلك، ليُصابَ بالغَم.

ثم ركِبَ المنذر، حتى نَظَرَ إليهما، فأمرَ ببناء الغريَّيْن عليهما، فبُنِيا عليهما، وجعل لنفسه يومين في السَّنة يجلس فيهما عند الغريَّين، يُسمي أحدهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس.

فأول من يتلقَّاه يوم نعيمه؛ يهبه مائة من الإبل شوماً أو سوداً، بينما أول ما يصادفه في مطلع يوم بؤسه؛ يعطيه ظِربان أسود (حيوانٌ من رتبة اللواحم ومن رُتبة السنوريات، طويل الخطم، قصير القوائم، مُنتن الرائحة)، ثم يأمرُ به، فيُذبَح ويغرَّى بدمه الغريَّان، واستمر على ذلك برهة من الدَّهر.

ثمَّ أن عبيد الأبرص – الشاعر المعروف- كان أول من أشرَفَ عليه في يوم بؤسه، فقال له: هلَّا كان الذَّبحُ لغيرِك يا عبيد؟، فقال” أتتك بحائنٍ (الهالك) رجلاه”، فأرسَلها مثلاً، فقال المنذر: أنشدني، فقد كان شعرك يُعجبني، فقال عبيد : حالُ الجريضُ (الغصَّة) دون القريض، وبلَغَ الحِزام الطُبيين (حلمة الضَّرع)، فأرسلها مثلاً.

فقال له المُنذر: اسمعني فقال: “الكنايا على الحوايا ( ما يحتويه المرء في بطنه)”، فأرسلها مثلاً، فقال آخر: ما أشدَّ جزعك من الموت، فقال عبيد: لا يرحلُ رحلك من ليس معَك، فأرسَلَها مثلاً.

 فقال له المنذر: قد أمللتني، فأرِحني قبل أن آمر بِك، فقال عبيد: من عزَّ بزَّ، فأرسَلَها مثلاً. فقال المنذر: أنشدني قولك: أقفرَ من أهله ملحوبُ

فقال عبيد:

أقفـــــــــر من أهلــــــــــه عبيدُ .. فليــــــــــــس يُبدي ولا يعيد

عَنَتْ لــــــــــهُ عنَّة نكــــــــــــــــود .. وحــــــــــــــــان منها له ورودُ

فقال المنذر: يا عبيد، ويحك!، أنشدني قبل أن أذبَحَك، فقال عبيد:

واللــــــــه إن مِتُّ لمـــــــــــــا ضرَّني ..

وإن أعِشْ مـــا عشتُ في واحــدة

فقال المنذر: إنَّه لا بُدَّ من الموت، ولو أن النُّعمان عَرَضَ لي في يوم بؤسٍ لذبحته، فاختر لنفسِكَ إن شئتَ الأكحل ( وريدٌ في وسط الذِّراع ) وإن شئتَ الأبجل ( وريدٌ في الرِّجل أو اليد بإزاء الأكحل) وإن شئتَ الوريد.

فقال عبيد: ثلاثُ خِصالٍ كسحابات عاد، واردها شرُّ ورَّاد، وحاديها شرُّ حاد، ومعادها شرُّ معاد، ولا خيرَ فيه لمرتاد. وختمَ عبيد بالقول: وإن كُنتَ لا محالة قاتِلي؛ فاسقني الخمر، حتى إذا ماتَتْ مفاصيل وذَهَلَتْ لها ذواهلي؛ فشأنُكَ وما تُريد، فأمرَ المنذر بحاجته من الخَمر، حتى إذا أخَذَت منه (ابن الأبرص)، وطابَت نفسه، أمر المنذر بقتله.

عبيد الأبرص .. الشاعر الداهية.

تسمع بالمُعَيْدي خير من أن تراه:-

جاء في المثل: “تسمع بالْمُعَيْدي خير من أن تراه”، وهذا المثل يُضرَب لمن له صيت وذكر ولا منظر له، والْمُعَيدي منسوب إلى معد بن عدنان، وقد نسبوه بعد أن صغَّروه وخفَّفوا منه الدال.

وأول من تكلم به المنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة التميمي الدَّارِمي، وكان قد سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال له هذا المثل وسار عنه، فقال له شقة: أبيت اللعن! إن الرجال ليسوا بجزر يراد منها الأجسام، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فأُعْجِب المنذر مما رأى من عقله وبيانه.

مقتل المنذر بن ماء السماء:-

عاش المنذر إلى أن نشأت فتنة بينه وبين الحارث ابن أبي شمر الغساني، فتلاقيا بجيشيهما يوم حليمة، في موضع يقال له: عين أباغ، وراء الأنبار، على طريق الفرات إلى الشام، فقُتِل فيه المنذر بن امرئ القيس نحو سنة 60 قبل الهجرة الموافق 564م، ولما مات المنذر، ملك ابنه الأكبر عمرو بن هند الملقَّب مُضَرِّط الحجارة؛ لشدته وعنفه.


المصادر:

  • الأعلام (7/292).
  • معجم الشعراء (366).
  • المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (5/217).
  • وفيات الأعيان (4/68) و(5/358).
  • موسوعة طرائف ونوادر العرب، إبراهيم شمس الدين.
Image by 5718714 from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى