أعلام

المقنع الكندي .. الشاعر الشريف البهي

كان إذا خلع اللثام عن وجهه أصابته العين، وكان أمد الناس قامةً وأجملهم خلقاً

اسمه ونسبه:-

محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرغان بن قيس بن الأسود بن عبد الله الولَّادة بن عمر بن معاوية بن كندة بن عدي بن الحارث بن مُرَّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ينتهي نسبه إلى قحطان، يُلقَّب الْمُقَنَّع الكندي، أحد شعراء صدر الإسلام، أصله من أهل حضرموت، وقد وُلِد بها في وادي دوعن، نزل الشام وبقي إلى أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

لقبه:-

كان يُعرَف بالْمُقَنَّع؛ لأنه كان أجمل الناس وجهاً، وكان إذا خلع اللثام عن وجهه أصابته العين، وكان أمد الناس قامةً وأجملهم خلقاً، وكان إذا أصابته العين يمرض ويلحقه عنت، فكان لا يمشي إلا متقنعاً.

يقول الجاحظ في سبب تسميته بالمقنَّع: ” إنَّ القناعَ من سِمات الرؤساء، والدليلُ على ذلكَ والشاهِد الصادق، والحُجَّة القاطِعة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان لا يكاد يُرى إلَّا مُقنَّعاً، وجاء في الحديث: حتى كأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دَهَّان”.

أما ابن معصوم، فيقول إنه “أحد ثلاثة كانوا لا يَردون مواسِمَ العربِ إلا مقنَّعين، يسترون وجوهَهَم حَذَراً على أنفسهم من النساء وخوفاً من العين، وهم أبو زيد الطائي، والمقنَّع الكندي، ووضَّاح اليمن”.

الإصطخري يصف رحلته إلى اليمن
الإصطخري يصف رحلته إلى اليمن وحضرموت التي ينتمي إليها المقنع

مروءة وسؤدد:-

كان له محل وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته، وكان كريماً في العطاء، سمحاً بالمال، لا يرد سائلاً عن شيء حتى أتلف كل ما خلفه أبوه من مال، فاستعلاه بنو عمه عمرو ابن أبي شمر بأموالهم وجاههم، وهوى بنت عمه عمرو، فخطبها إلى إخوتها، فردوه وعيروه بكثرة عطائه وفقره وما عليه من الدَّين، فقال:

يُعاتِبُنـي في الديـنِ قَــومـي وَإِنَّما
وَإِنَّ الَّـذي بَينــي وَبَيــن بَنــي أَبـي
وَلَيسوا إِلى نَصري سِراعاً وَإِن هُمُ
وَإِن زَجَـروا طَـيراً بِنَحـسٍ تَمـرُّ بي
وَإِن هَبطــوا غــوراً لِأَمــرٍ يَســؤني
فَـإِن قَدحـوا لـي نـارَ زنـدٍ يَشينُني
دُيونيَ في أَشياءَ تُكسِبُهُم حَمدا
وَبَيـنَ بَنـي عَمِّـي لَمُختَلِـفُ جِـدّا
دَعـونـي إِلى نَصيـرٍ أَتَيتُهُـم شَـدّا
زَجَرتُ لَهُم طَيراً تَمُرُّ بِهِم سَعدا
طَلَـعتُ لَهُـم مـا يَسُـرُّهُـمُ نَجـدا
قَدَحـتُ لَهُم في نار مكـرُمةٍ زَندا

قال الهيثم بن عدي عن رياسة أسرة المقنَّع في القبيلة في سياق حديثه عن المقنَّع: ” كان عُمير جده سيد كِندة، وكان عمُّه عمرو بن أبي شمر، ينازع أباه الرياسة ويساجله فيها، فيقصُر عنه”.

عموماً، فقد كان المقنَّعُ مثالاً للشهامة والنُبل والأريحية العربية، إلى درجة أنه لا يردُّ سائلاً عن عطاياه، حتى أتلَفَ جميعَ أموالهِ وركِبته الديون.

أغراضه الشعرية:-

  • النُصح والإرشاد: خصوصاً في نهاية حياته، حيث ارتدى عباءة الحكمة واتشحَ لباس الزُهد، مُذكِّراً نفسه ومُحيطه بأنَّ كل شيء في النهاية إلى زوال.
  • المديح: وكان يرمي في مديحه إلى التغنّي بفضائل الرجال وامتداح مزاياهم تخليداً لصنيعهم وتحفيزاً لسواهم على اقتفاء أثر أصحاب الفضائل.
  • الوصف: حيث وَصَفَ الخط العربي وجودته ومِداده وأنواع أقلامه..
  • الهجاء: وقد قَصَد عبر هذا النوع من الشعر؛ هؤلاء الذين يناقضون طبعه، ويخالفون سجيته، خصوصاً أولئك الذين يشتهرون بالبخل.
  • الفخر: فهو يفخر بشعره ويتغنى بقوة قصيدته وشخصيته وسُمو نفسه وترفُّعها عن الدنايا، إلى جانب فخره بسُمو منزلة قومه.
  • الغَزَل: كان عُذرياً في أسلوبه وتصويره، فقد ظلَّ متعلقاً بابنة عمه التي أحبها ورفَضَ أهلها تزويجه إيَّاها، بعدما عَيَّروه بتخرُّقه وفقره.
  • العتاب والشكوى: بسبب تقلُّب الدنيا عليه، فهو الكريم الذي كان يجود بكل ما لديه، لكن إسرافه أفضى به إلى مهاوي الفقر والاستدانة.

مكانته الشعرية:-

شاعر مجيد له الشعر الرائق، عاش في صدر الإسلام، اشتهر في العصر الأموي، وكان قد مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأنشد فيه:

إِنَّ عَــليّــــاً ســـادَ بِالتَّــكــــرُّم
هَــداهُ رَبّـي لِلصِّــراطِ الأَقــوَمِ
كَاللَّيثِ بَين الكَبواتِ الضَّيغَم
وَالحُلـمِ عِـندَ غايَةُ التَّحلُّـمِ
يَأخُذُهُ الحِلَّ وَتَرك المحرمِ
يُرضِعنَ أَشـبالاً وَلَمَّا تُفطَمِ
الإمام علي بن أبي طالب، الصحابي، وابن عم الرسول الكريم، صاحب العلم والحكمة والمروءة والشجاعة

ومن جميل شعره قوله:

وَإِن بادَهـوني بِالعَـداوَةِ لَم أَكُن
وَإِن قَطَعـوا مِنّي الأَواصِـر ضَـلَّةً
وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم
فَـذلِكَ دَأبي في الحَـياةِ وَدَأبُهُـم
لَهُم جُـلُّ مالي إِن تَتابَعَ لي غنى
وَإِنّي لَعَـبدُ الضَـيفِ ما دامَ نازِلاً
عَلى أَنَّ قَومي ما تَرى عَين ناظِرٍ
بِفَضـلٍ وَأَحـلام وجــودِ وَسُـؤدُد
أَبـادُهُــــم إِلّا بِمــا يَنعَـــت الــرُشـــدا
وَصَلــتُ لَهُــم مُنّــي المَحَــبَّةِ وَالــوُدّا
وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا
سَجـيسَ اللَيالـي أَو يُزيرونَنـي اللَحدا
وَإِن قَــلَّ مـالــي لَــم أُكَـلِّفهُــم رِفــدا
وَمـا شـيمَةٌ لي غَـيرُهـا تُشـبهُ العَــبدا
كَـشَيبِهِــم شَـيباً وَلا مُـردهـــم مُــرداً
وَقَـومـي رَبيــع فـي الزَمـانِ إِذا شَــدّا

وقال في صديق السوء:

وَصاحِبِ السُّوء كَالدَّاءِ العياءِ إِذا
يَبـدي وَيخـبرُ عَن عَـوراتِ صاحِـبه
كَــمهر سَـــوءٍ إِذا رَفَّعــتَ سـيرَتَـهُ
إِن يَحـي ذاكَ فَكُـن مِــنهُ بِمعـزلـةٍ
ما اِرفَضَّ في الجِلدِ يَجري ها هنا وَهنا
وَمــا يَــرى عِـــندَهُ مــن صـالِــحٍ دَفَــنا
رامَ الجِـــماحَ وَإِن أَخـــفَضتــه حَــــرَنا
أَو مــاتَ ذاكَ فَـــلا تَـشــهَدُ لَــه جَــنَنا

وله أيضاً:

نَـزَلَ المَشـيبُ فَأَيـنَ تَذهَـبُ بَعــدَهُ
كـــانَ الشَــبابُ خَــفيــفَةٌ أَيّــامُــــهُ
لَيسَ العَطاءُ من الفُضولِ سَماحَةً
وَقَد ارعَويتَ وَحانَ مِنكَ رَحيلُ
وَالشَـيبُ مَحـمَلُه عَلَيـكَ ثَقـيلُ
حَــتّى تَجــودَ وَمـا لَدَيـكَ قَليلُ
تناول في شعره تلك التغيرات التي تطرأ على الإنسان حينما يبلغ مرحلة الكبر

نوادره:-

قال عبد الملك بن مروان -وهو أول خليفة ظهر منه البخل-: أي الشعراء أفضل؟ فقال له كثير بن هَرَاسَة -يُعرِّض ببخل عبد الملك- أفضلهم المقنع الكندي؛ حيث يقول:

إِنّي أُحَــرِّض أَهــلَ البُخــلِ كُلِّهُــم
مــا قَــلَّ مـالــيَ إِلّا زادَنــي كَــرَمـاً
وَالمـالُ يَـرفَــعُ مَـن لَولا دَراهِــمُهُ
لَن تُخرِج البيضُ عَفواً مِن اكُفِّهُم
كَـأَنَّهـا مِــن جُلــودِ البـاخِلـينَ بِها
لَو كانَ يَنفَعُ أَهلَ البُخلِ تَحريضي
حَـتّى يَكـونَ بــرزقِ اللَهِ تَعويضـي
أَمسى يُقَلِّب فـينا طـرفَ مَخفوضِ
إِلا عَلـى وَجَــعٍ مِنهُــم وَتَمــريـضِ
عِـندَ النَـوائِبِ تُحـذى بِالمَـقاريضِ

فقال عبد الملك -وعرف ما أراده-: الله أصدق من المقنع؛ حيث قال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67].

وفاته:-

عاش المقنَّع إلى عهد الوليد بن يزيد الذي توفي سنة 126 هجرية، والدليل على ذلك مديحه له بقوله: “وله الخلافة بعد موت هشامه”، من قصيدة قَّدمها له في صدر خلافته سنة 125 هجرية، بحسب ما أورده الأصفهاني.

لكن خير الدين الزركلي يرى أن وفاته كانت عام 70 هجري.


المصادر:

  • شعر المقنع الكندي، جمع وتحقيق ودراسة أحمد سامي زكي.
  • الأعلام (6/319).
  • توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم (7/82).
  • شرح ديوان الحماسة (2/37).
  • الشعر والشعراء (2/728/رقم 175).
  • نزهة الألباب في الألقاب (2/192/رقم 2693).
  • الوافي بالوفيات (3/148).
Image by gedankenwind from Pixabay 
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق