أعلام

شمس الدين المقدسي البشاري .. الجغرافي الرحَّالة

امتاز عن سائر علماء البلدان بكثرة ملاحظاته وسِعَة نظره

شمس الدين المقدسي البشاري ، هو أبو عبد الله بن أحمد بن أبي بكر المولود في مدينة القدس الشريف سنة 947 م ( 335 هـ)، وهو أحد الجغرافيين العرب والمسلمين الأوائل الذين أخذوا على عاتقهم التجوال وذلك للتعرُّف على جغرافيا وأنثروبولوجيا العالم الإسلامي.

المقدسي البشاري المشهور بأصالة عمله؛ يعتبرُ حلقة وصل مهمة بين الرحالة والجغرافيين المسلمين الذين سبقوه  مثل الإصطخري (850-957 م) و اليعقوبي (توفي سنة 897) وابن حوقل (934-988 م) من جهة، وكل من لحقه مثل الإدريسي (1099-1160 م)  وابن جبير (1145-1217 م) و ابن بطوطة (1304-1377 م) من جهةٍ ثانية.

توفي المقدسي البشاري في عام 1000 م تقريباً (390 هـ).

كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم :-

اشتُهِرَ كتاب البشاري المقدسي والمعروف بـ ” أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ” بدقته في تناول وعرض ما توصَّل إليه خلال رحلاته، كما اتَّسم بالأمانة والموثوقية النسبية مقارنة بما ذكره سابقوه ومعاصروه من الرَّحالة.

الرحالة شمس الدين المقدسي يصف اقليم المغرب
الرحالة شمس الدين المقدسي يصف إقليم المغرب.

ويقول الدكتور محمد أمين الضناوي في هذا السياق” وصفَ الأمصار المشهورة، ومدنها المذكورة، ومنازلها المسلوكة، وطرقها المستعملة، وعناصر العقاقير، والآلات، ومعادن الحمل والتجارات، واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم، وألسنتهم، وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وأوزانهم، ونقودهم وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، وما يُحمل من عندهم وإليهم، كما ذكر مواضع الخَطَر في المفازات، وعدد المنازل في المسافات”.

وبذلك، فإن شمس الدين المقدسي البشاري؛ سبقَ المقريزي (1364-1442 م) بكثير في تناول الجوانب الاقتصادية والمالية وما يتفرَّع عنها من نقودٍ وأموالٍ وتجارات.

تناول أبو عبد الله المقدسي البشاري للحواضر والمواقع :-

أورد أبو عبد الله المقدسي البشاري كثيراً من الوصوفات التي تتناول الحواضر التي قَصَدَها، وقد أدرَجَ هذه الوُصُوفات في كتابه “أحسن التقاسيم”.

وقد قدَّم كتابه المذكور بالقول: “فإنه ما زالت العلماء ترغب في تصنيف الكُتُب لئلا تُدرس آثارهم، ولا تنقطع أخبارهم، فأحببتُ أن أتَّبِعَ سُنَنَهُم، وأقفوَ سَنَنَهم، وأقيم عِلماً أُحيي به ذكرى، ونفعاً للخلق أُرضِي بهِ ربِّي، ووَجَدْتُ العلَماءَ قد سبقوا إلى العُلوم، فصنَّفُوا على الابتداء، ثم تَبِعَتْهُم الأخلاف فشرحوا كلامهم واختصروه، فرأيتُ أن أقصد علماً قد أغفلوه، وأنفَرِدُ بفنٍّ لم يذكروه، إلَّا على الإخلال، وهو ذكر الأقاليم الإسلاميَّة وما فيها من المفاوز والبِحَار، والبُحَيراتِ والأنهار.

وفيما يلي بعض الوصوفات التي أوردها المقدسي في كتابه:

  • العراق: هذا إقليمُ الظرفاء ومنبعُ العُلَماء، لطيفُ الماء، عجيبُ الهواء، ومختارُ الخُلَفَاء، أخرَجَ أبا حنيفة فقيه الفُقها، وسفيان سيِّد القُرَّا، ومنه كان أبو عبيدة، والفرَّا، وأبو عمر صاحب المقراء، وحمزة والكسائي، وكُلُّ فقيه ومقرئ وأديب،وسَريّ وحكيم وداه، وزاهد ونجيبٍ وظريف ولبيب، به مولِد إبراهيم الخليل، وإليه رَحَلَ كلُّ صحابي جليل، أليسَ بهِ البصرة التي قوبلت بالدُّنيا، وبغداد الممدوحة في الورى، والكُوفة الجليلة وسامرَّا، ونهره من الجَنَّة بلا مِرَا، وتمور البصرة فلا تنسى، ومفاخره كثيرة لا تُحصَى، وبحرُ الصين يمسُّ طرفه الأقصى، والبادية إلى جانبه كما ترى، والفُرات بقربهِ من حيث جَرَى، غير أنَّهُ بيت الفِتَنِ والغلا، وهوَ في كُلِّ يومٍ إلى ورا، ومن الجُورِ والضَّرائبِ في جهدٍ بلا، مع ثمارٍ قليلةٍ، وفواحش كثيرة، ومُؤنٍ قليلة، وهذا شكله ومثاله والله أعلم وأحكم.
وصف أبو عبد الله البشاري المقدسي لإقليم العراق.
  • بغداد: بغداد هي مصر الإسلام، وبها مدينة السلام، ولهم الخصائص والظَّرَافة، والقرائح واللَّطافة، هواءٌ رقيقٌ، وعلمٌ دقيقٌ، كلُّ جيِّد بها، وكلُّ حسن فيها، وكلُّ حاذقٍ منها، وكلُّ ظرف لها، وكلُّ قلبٍ إليها، وكُلُّ حربٍ عليها، وكُلُّ ذبٍّ عنها، هي أشهر من أن توصَف، وأحسن من أن تُنْعَت، وأعلى من أن تُمْدَح..
  • آمد : بلدٌ حصينٌ حسَنٌ، عجيبُ البناء على عَمَل أنطاكية، بفصيلٍ شَبه كُرسيٍّ لهُ أبوابٌ وعليه شرف، بينه وبين الحصن فضاءٌ؛ وهي أصغر من أنطاكية، بحجارة سُود صلبة، وكذلك أساسات الدُّور، وفيها عيون غربي دجلة، رحبة، طيبة، ثغر المسلمين، وحصن حصين، الجامع وسط البلد، لها خمسة أبواب..
  • ترمذ: هي أجلّ مدينة على جيحون (نهر)، نظيفة طيِّبة، أحد العرصات مفروشة، أسواقها بالآجر، والماء يسطع جانبيها، ويقلع المراكب إليها من كُلِّ جانب، وعلها حِصْن..
المقدسي يتحدث عن تجارات الشام.
  • الرقَّة : قصبة ديار مُضَر على الفُرات بحصنٍ حصين عريض، يسير على متنهِ فارسان، غيرُ كبيرة، ولها بابان، غير أنَّها طيِّبة، نَزْهَة قديمة الخطَّة، حسنة الأسواق، كثيرة القرى والبساتين والخيرات، ومعدن الصَّابون الجيِّد والزَّيتون، ولها جامعٌ عجيبٌ وحمَّاماتٌ طيِّبة..
  • حلب: فبلده نفيس، خفيف حصين، وفي أهلها ظرف، ولهم يسار وعقول، مبنيٌّ بالحجارة عامر، في وسط البلد قلعة حصينة واسعة، فيها ماء وخزائن السلطان، والجامع في البلد، شربهم من نهر قويق..
  • بعلبك: مدينة قديمة، فيها مزارع وعجائب، معدن الأعناب، وسائر مدُنها طيِّبَة رِحَاب.
  • القدس الشريف : بلدةٌ جَمَعَت الدُّنيا والآخرة، فمن كانَ من أبناءِ الدُّنيا وأرادَ الآخرة؛ وجَدَ سوقها، ومن كانَ من أبناء الآخرة فدعتهُ نفسه إلى نعمةِ الدُّنيا وجَدَهَا، وأمَّا طيب الهواءِ؛ فإنَّهُ لا سمَّ لبردِهَا، ولا أذىً لحَرِّهَا، وأمَّا الحُسْن فلا تَرَى أحسن من بنيانها، ولا أنظَفَ منها، ولا أنزهَ من مسجدها، وأمَّا كثرة الخيرات؛ فقد جَمَعَ اللهُ تعالى فيها فواكه الأغوار والسَّهْل والجَبَل والأشياء المُتضَادَّة كالأُترج واللوز والرُّطَب والجوز والتِّين والموز..
يصف المدينة المقدسة التي ينتمي إليها.

أقوال العلماء والمستشرقين في المقدسي البشاري :-

أثنى المؤرخون العرب وحتى المستشرقين على الجهد الذي بذله المقدسي البشاري وذلك في سياق ملاحظته وتدوينه لتضاريس البلاد التي قصدها هذا فضلاً عن تناوله عادات وتباين أمزجة الشعوب التي تقطنها.

  • قال خير الدين الزركلي عنه :”تجشَّمَ أسفاراً هيأت له المعرفة بغوامض أحوال البلاد، ثم انقطع إلى تتبُّع ذلك، فطاف أكثر بلاد الإسلام، وصنَّف كتابه..”.
  • وقال الدكتور إدريس سليمان محمد: “جاءت كتابات ابن حوقل والمقدسي في القرن الرابع الهجري، فكانت هي الذَّروة التي بلغها العرب في وصف البلدان، وكلاهما سافر حتَّى دوَّخَا الممالك، وحملهما تيار الأسفار، واستهوتهما حياة الارتحال والسياحة على طريقة المسلمين ، لتوفُّر الوسائل التي ساعدت المهتمين من المؤرخين والجغرافيين في هذا القرن على الانتقال في الأقاليم الإسلامية المختلفة..”.
  • قال عنه المستشرق غلد ميستر : ” امتاز المقدسي عن سائر علماء البلدان بكثرة ملاحظاته وسِعَة نظره”.
  • كما قال سبرنغر عنه: ” لم يتجوَّل سائحٌ في البلاد كما فعل المقدسي، ولم يتنبَّه أحد أو يُحسِن ترتيب ما علم وعمل به مثله”.
أبو عبد الله المقدسي البشاري يتحدث عن عمَّان خلال زيارته إياها.

اقرأ ايضاً محمد الإدريسي.. أعظم راسم للخرائط في العصور الوسطى

المصادر:-

  • أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، تحقيق الضناوي.
  • الأعلام، الزركلي.
  • الموصل في كتب الرحالة الجغرافيين، إدريس سليمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى