معلومات تاريخية

المغرب .. حيث مظاهر الصوفية تنتشر في كل الأرجاء

تطَّلع الزوايا أيضا بعدة وظائف اجتماعية تتمثل في التكافل والتضامن والصلح

عرف أهل المغرب كسواهم من الشعوب؛ العديد من الديانات السماوية وغير السماوية، ومارسوا – عبر التاريخ- طقوسا وعادات لا حصر لها.

وبعد فتح المغرب وانتشار الاسلام فيه؛ انفتح المغاربة على كافة المذاهب والإتجاهات الدينية التي كانت سائدة حينذاك في المشرق، غير أن المذهب المالكي ظل الأكثر شهرة وانتشارا إلى اليوم.

وخلال القرنين الأول والثاني الهجريين؛ وصلت إلى المغرب أصداء التيارات الزهدية التي عرفها المَشرق، سواء على يد المشارقة الوافدين على المغرب أو على يد المغاربة الذين زاروا المشرق.

صورة قديمة للمغرب
تواصل حضاري وثقافي وديني وتجاري بين المشرق والمغرب (الصورة من مكتبة الكونغرس 1904 م)

وسرعان ما وجدت هذه التيارات كل مظاهر القبول والترحيب من طرف المغاربة، حيث عَرِف التصوف انتشارا كبيرا في أرجاء المغرب ، وتشكّلت مؤسسات تُعنى به، ومن أهمها الزوايا التي لعبت دوراَ كبيراَ في استمراره وانتشاره.

ظهور التصوف في المغرب :-

ارتبطت التيارات الزهدية في المغرب بتعليم اللغة العربية وتفقيه المغاربة في أمور الدين ، وكان ذلك يتم في المساجد والمدارس المنتشرة في القرى والمدن.

ونظرا لما كانت تعرفه هذه المدارس خاصة في القرى من نظام تعليمي وديني صارم، ولما كانت تعانيه من  نقص في الإمكانيات وشظف العيش وتقاطر محبي العلم؛ فقد اضطرت إلى اتباع نظام تربوي يرتكز على التقشف والزهد، ما ساهم في انتشار ظاهرة التصوف بشكل كبير لدى المغاربة، وفي ظهور الزوايا في العهد المريني فيما بعد .

ميل نحو الزهد وتربية النفس

وحكمت السلالة المرينية الأمازيغية شطرا كبيرا من جغرافيا المغرب العربي وذلك في الفترة الواقعة بين عامي 1244 و1465 م).

كما ظهرت في العهدين المرابطي والموحدي مجموعة من المؤسسات الدينية التي كان يطلق عليها الرباطات، غير أن هذه الرباطات كانت ترتكز على الدور الجهادي أكثر من الدور التعليمي، وكانت تنتشر على السواحل من أجل التصدي للتهديدات الخارجية، أو على مسالك التجارة الرئيسية لحمايتها من قُطَّاع الطرق.

العصر المريني شكل بداية ظهور الزوايا:-

لم يعرف المغرب الزوايا قبل عهد السلطان أبي يوسف يعقوب المريني ( 1259 –  1286 م )، ففي عهده بدأ ظهورها، وذلك بعد أن شيد هذا السلطان مجموعة من الزوايا رغبة منه في اتخاذها  كدور لاستقبال الغرباء والوافدين من الخارج من كبار رجال الدولة  وأعيانها.

وحادت الزوايا بعد ذلك؛ عن الهدف الذي تأسست من أجله، واتخذت هدفا  آخر ذو طابع ديني، حيث أصبحت المكان المفضل لرجال التصوف الذين كانوا ينقطعون فيها للعبادة، و تحولت فيما بعد إلى مراكز  لاستقبال المريدين والأتباع.

 وقد كان السلطان المريني أبو عنان ( 1329– 1358 م ) يُخصِّص طعاماً يومياً للمساكين الوافدين على الزوايا ، مهيأ بذلك الجو المناسب ومن دون قصد لجعل الزوايا أماكن لاستقطاب المريدين، خصوصا الفقراء منهم.

وتعد زاوية النساك بمدينة سلا الحالية من أوائل الزوايا التي بنيت في المغرب، حيث تم بناؤها من طرف السلطان أبي عنان المريني سنة 1356 م، والذي قام أيضا بإنشاء زاوية في مدينة فاس سميت بـ”الزاوية المتوكلية ” نسبة للقبه المتوكل، ثم أصبحت فيما بعد تعرف بدار الضيفان تلميحا لدورها الإحساني.

ونظرا لاهتمام السلاطين المرينيين بالتطور العلمي خاصة في الميدان الروحي منه؛ فقد اتجهت الزوايا للقيام بوظيفة التعليم إلى جانب وظيفتها الاجتماعية.

رجل ذاهب للزاوايا
انتشار كبير لرواد الزوايا الصوفية في المغرب

وبعد  نهاية الدولة المرينية؛ وتوالي كل من الدولتين السعدية والعلوية حكم المغرب من بعدها؛ ازداد انتشار الزوايا بشكل ملفت وكبير ليشمل جميع مناطق المغرب، واتخذت إلى جانب الدورين الاجتماعي والتعليمي دوراً آخر هو الدور السياسي، حيث أصبحت داعما أساسياً  للعديد من السلاطين، كما تزعمت حركة الجهاد ضد المستعمرين الذين توالوا على احتلال المغرب خلال مراحل عديدة  من تاريخه الطويل.

أنواع الزوايا وأدوارها بالمغرب:-

تعني الزاوية ( وتقابلها التكية في المشرق )  المسجد الصغير، الذي يتكون من مكانٍ مُخّصصٍ للعبادة ، إضافة إلى أماكن لإيواء الوافدين وإطعام المحتاجين، ويتوفر بعضها عل قاعات للدراسة ومكتبة وغرف إيواء الطلبة.

 ويمكن تقسيم الزوايا إلى ثلاثة أنواع وهي : الزاوية البسيطة أي التي لم تُبن على ضريح ولي ولا تنسب إليه وليس لها طريقتها الخاصة، ثم الزاوية ذات الولي، وهي التي أنشأت حول ضريح وتكتسب سمعة عظيمة منه، والنوع الثالث، هي الزاوية الطرقية التي تنسب إلى طريق معينة من الطرق الصوفية.

صور للصوفين في عام 1904
الصورة تعود إلى العام 1904

وتقوم هذه الزوايا سواء أقديما أم اليوم  بالعديد من الأدوار والوظائف، فهناك الوظيفة الدينية والتعليمية حيث يجمع شيوخها على تحفيظ القرآن لمن يرتادهم من الأطفال والمريدين والطلبة، كما يقومون بتحفيظ الحديث وتدريس الفقه وأصوله.

وإضافة إلى ذلك؛ تقوم الزوايا أيضا بالاطلاع بعدة وظائف اجتماعية تتمثل في التكافل والتضامن والصلح والتحكيم بين القبائل المتخاصمة، التي تتجه إليها للفصل في المشاكل بين الأفراد والجماعات، نظرا لرمزية شيخ الزاوية لديهم.

أشهر الزوايا بالمغرب :-

تنتشر بالمغرب اليوم العديد من الزوايا، ولعل من أشهرها ما يلي :

الزاوية الناصرية : تنتسب إلى محمد بن ناصر الدرعي ( 1603- 1674 م )، وتوجد زاويتها الأم بتامكروت في الجنوب الشرقي للمغرب على ضفاف وادي درعة .

صورة للزوايا
تباين في طرق الزوايا المنتشرة في المغرب

الزاوية الدرقاوية : تميزت بالاستقلال عن السلطة أثناء ظهورها وبانتقادها لها ورفض الشرك بالله، ويعد محمد العربي الدرقاوي  ( 1737 – 1823 م ) هو مؤسسها، وهو شريف حسني من بني زروال.

الزاوية التيجانية : تأسست على يد أبي العباس التيجاني ( 1735 – 1815 م ) الذي وفد على المغرب فاراً من استبداد الأتراك بالجزائر، فاتصلَّ بسلطان المغرب المولى سليمان العلوي ( 1766 – 1822 م ) ، الذي أذن له بفتح زاوية بمدينة فاس ومده بمساعدة مالية لبنائها، وكان يأمل من ذلك؛ خلق توازن بينها وبين الزاوية الدرقاوية المعارضة للسلطة.

الزاوية الحمدوشية : تنسب هذه الزاوية إلى علي بن حمدوش دفين مدينة مكناس، وتشتهرهذه الزاوية بنزوع أصحابها نحو الشطح وافتراس الحيوانات وشدخ الرؤوس.

الزاوية البودشيشية : تنسب إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلالي الذي ظهر في القرن الخامس هجري، وقد اكتسبت لقب البودشيشية بواسطة الشيخ سيدي علي بن محمد ( القرن 18 م )  الذي لقّبه الناس بـ ” سيدي علي بودشيش ” لكونه كان يُطعم الناس أيام المجاعة، طعام الدشيشة.

الصوفية في المغرب
الصوفية في المغرب ذات أسس راسخة

إضافة إلى  تلك السابقة الذكر؛ يعرف المغرب انتشار العديد من الزوايا الأخرى كالزاوية الدلائية والزاوية السملالية وغيرها الكثير ، فلا نكاد نجد اليوم منطقة في المغرب سواء في البوادي أو القرى إلا وتحتضن  قبر ولي أو فرع لإحدى الزوايا.

 ولم يعد يقتصر اليوم  نفوذ بعض الزوايا على المغرب فقط، بل امتد ليشمل دولا وأقاليم أخرى خاصة دول إفريقيا، التي يتقاطر مريدوها  سنويا على المغرب أثناء عقد الزوايا لأنشطتها السنوية في مقراتها الرئيسة المنتشرة في ربوع المغرب.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

المصادر :

  • ابراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء 01
  • حسن جلاب،  الحركة الصوفية بمراكش.
Image by simone saponetto from Pixabay 
https://www.freepik.com/free-photo/silhouette-muslim-man-praying_2039126.htm#page=2&query=muslims&position=23
https://pixabay.com/photos/morocco-casablanca-mosque-man-357301/

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى