أعلامانفوجرافيكس

بطرس البستاني .. صاحب اللغات والعلم الواسِع

"محيط المحيط" اتخذ من القاموس المحيط للفيروز آبادي أساساً لمادة معجمه

بطرس البستاني:-

بطرس بن بولس بن عبد الله بن كرم بن شديد بن أبي شديد بن محفوظ بن أبي محفوظ البستاني، عالم واسع المعرفة مشارك في أنواع عدة من العلوم، صاحب «دائرة المعارف» العربية، وُلِد بطرس البستاني ونشأ في الدبِّيِّة من قرى لبنان في تشرين الثاني سنة 1235هـ-1819م.

مشهد جميل لمدينة بيروت في عام 1900 م
مدينة بيروت في مطلع القرن العشرين

مكانة بطرس البستاني العلمية:-

تعلم بطرس البستاني في قريته وفي بيروت آداب العربية، واللغات السريانية والإيطالية واللاتينية ثم العبرية واليونانية، وبرع في المنطق، والتاريخ، والحساب، والجغرافية، ومبادئ الفلسفة، والقانون.

أنشأ المعلم بطرس مستعيناً بابنه الأكبر سليم أربع صحف؛ هي: «نفير سورية»، و«الجنان»، و«الجنة»، و«الجنينة»، وعُيِّن أستاذاً في مدرسة عبية سنة 1860م، فمكث سنتين، وعُيِّن ترجماناً للقنصلية الأميركية في بيروت، واستعان به المرسلون الأميركيون على إدارة الأعمال في مطبعتهم، وعلى ترجمة التوراة من العبرية إلى العربية.

حبه لوطنه:-

تدل أعمال بطرس البستاني على حبه للوطن السوري، وتسامحه الديني، وترفعه عن الطائفية، وقد ظهر ذلك أثناء محنة سنة 1860م، عندما نشر ما تعارف الكُتَّاب على تسميته جريدة، مع أنه لم يكن كذلك، والمقصود هو «نفير سورية» الذي نشر إحدى عشر مرة دون انتظام، بين أيلول 1860م ونيسان 1861م، وهذا ما كتبه من النفير الأول الذي ظهر 29 أيلول سنة 1860م:

“يا أبناء الوطن، الفظايع والمنكرات التي ارتكبها أشقياؤنا هذه السنة في ظروف مدة قصيرة وصلت أخبارها إلى أطراف المسكونة .. يا أبناء الوطن، إنكم تشربون ماءً واحداً، وتشمون هواءً واحداً، ولغتكم التي تتكلمون بها، وأرضكم التي تطؤونها، وهواءكم وعاداتكم، فهي واحدة، فإذا كنتم لا تزالون إلى الآن سكارى من شرب دم إخوانكم في الوطن أو طايشين من عظيم المصائب عليكم، فلا بد من أنكم عن قليل تستفيقون من هذه الغفلة”.

كتب الأديب المعلم بطرس:-

  1. محيط المحيط: اتخذ من القاموس المحيط للفيروز آبادي أساساً لمادة معجمه، وحذف أسماء الأماكن والأشخاص والقبائل والمشتقات القياسية وبعض اللغات، وصاغ التفسيرات صياغة تلائم روح العصر الحديث، وأضاف غير قليل من المعاني المولدة والمسيحية والعامية والمصطلحات العلمية والفلسفية.
  1. قطر المحيط: سماه بهذا الاسم لأن نسبته إلى «محيط المحيط» نسبة قطر دائرة إلى محيطها، وقد أتى فيه على مواد المحيط غير أنه حذف جزءاً كبيراً من كل مادة منها، واتبع فيه منهج المحيط، وهو مختصر للكتاب السابق.
  2. كشف الحجاب في علم الحساب.
  3. مسك الدفاتر.
  4. تاريخ نابليون.
  5. المصباح، كتاب في النحو.
  6. مفتاح المصباح: كتاب في النحو.
  7. أدباء العرب في الجاهلية وصَدر الإسلام.
  8. أدباء العرب في الأعصر العباسية.
  9. دائرة المعارف: وهو أعظم آثاره، لم يتم، أكمل منه ستة مجلدات وبدأ بالسابع، فأكمله ابنه سليم وأردفه بالثامن، وتعاون أبناء له آخرون مع ابن عمهم سليمان خطار البستاني، فأصدروا التاسع والعاشر والحادي عشر، وشرعوا في الثاني عشر، وتوقف العمل.

رأيتُ أنَّ الفضل في بُنيان العرش العباسي للفُرس عُموماً، ولأبي مسلم الخراساني خصوصاً، فلا غَرْوَ أن تصطبغ المملكة العباسية باللَّون الفارسي، ويكون للفُرْسِ صوتٌ بعيدٌ فيها، فيستأثروا بالخِطَطْ العالية ، ويتولُّوا شؤون الدَّولة، ويديروا سياستها، ويتمتعوا بجميع الحقوق التي كان العَرَبُ يتمتَّعون بها دونهم، فقد أعادَت لهم موقِعة الزَّاب سابقَ عِزَّهُم، فَغَلَبَ عنصرهم على العُنصر العربي، وطبعوا العَصْرَ العباسي الأول بطابعِهِم الخاص.

بطرس البستاني

اقتباسات من كُتُب البستاني :-

شرَّح المعلِّم بطرس البستاني مسيرة الأدب والشِّعر ابتداءً من العصر الجاهلي وصولاً إلى العهد العباسي، حيث نورد بعض الاقتباسات التي أوردها في كتبه ذات الصِّلة.

  • للعربي شخصية قويَّة تظهر بأنانيته، ونزوعه إلى الحرِّيَّة والاستقلال، وحبِّه للخير لنفسه دونَ غيرهِ، والاستئثارِ بالجاه والذِّكر الحَسَن وحميد الصِّفات، وتظهَر في جَلَدِهِ وصبره على الفقر والجوع والظَّمأ ومُغالبة الطبيعة في صحرائه العاتية، تلكَ الصَّحراء التي لفَحَتْهُ بحرِّها فتركته أسمر اللون يابس الجلد، خفيف اللَّحم، أسود العينين والشَّعَر، واستولَت على إحساسه بوحشتها، فجعلته حديد السَّمع والبَصَر، سريع التأثُّر، متوتر الأعصاب، مُذعِناً للقضاء والقَدَر؛ وعلَّمَتْهُ بقحطِها الغزو والترحُّل في طلب الماء والكلأ؛ وصيَّرتهُ كريماً مقداماً يُقري الضيوف ويلتقي الأهوال، ويمنعُ الجار ويغيث الملهوف، لتعرُّضه في ترحاله إلى أن ينزِل ضيفاً على غيره؛ وفي مخاوفه إلى أن يستغيثَ قوماً يُجيرونه، ويدفعون الضُّرَ عنه، حتى أصبَحَ حبُّ القِرى (الضيافة) وحُسْن الجوار من طبائعه، يفاخِر بهما، ويرى من العارِ عليه ألا يُكرم الضَّيف ويحامي عن الجار.
  • لسانُ العرب في جاهليتهم يمثِّل حالتهم الفِطرية أصدق تمثيل بما له من ثروةٍ متسعةٍ في الألفاظِ الدَّالة على حياة البداوة، وحدود مرافقها المادِيَّة، وبما به من فقرٍ إلى أوضاعٍ تُعبِّر عن الشؤون الحضارية المتنوِّعة، وفوارق الحالات النَّفْسِيَّة الدَّقيقة، ومختلف العلوم والآداب والفنون.
  • لم يكُن انتقال الشِّعر من البداوة إلى الحَضَارةِ مرهوناً بانتقال الخِلافة من الأمويين إلى العباسيين، بل أخَذَ الشِّعرُ يتحضَّر في صَدْرِ الإسلام على إثر الفتوح الكثيرة، وملابسة العرب للأعاجم.
  • في العصر العباسي، دَخَلَ على لغة الشِّعر ألفاظٌ غريبة دعتْ إليها الحاجة، كالألفاظ العلمية والفلسفية وغيرها؛ مما يدلُّ على أشياءٍ حديثة العهد عندَ العَرَب، ودَخَلَ عليها أيضاً اُستعيرت من صُلْبِ اللُّغَة لمعانٍ جديدة مُستحدثة خلقَتْهَا الحضارة الجديدة.
  • لم يُعرَف الزُّهدُ على حقيقته إلَّا في العصر العباسي، بعدَ أن تُرجِمَتْ الحِكمةُ الفارسية الهندية، واطَّلَعَ عليها الكُتَّاب والشُّعراء، وكان أبو العتاهية أولَ شاعرٍ تأثَّرَ بها في شعرهِ، وافتنَّ في الزُّهد فأبدَعَ بعد حياةٍ قضاها بالعبث والمُجون، وجاراهُ كثيرٌ من الشُّعراء فأجادوا، ولكِنَّهُم لم يبلغوا غايته.

كان العهد الأموي عهد ثورات وحروب، فلم يبِت خلفاؤه ليلةً إلَّا على عصيان يتأهبون لقمعه، أو على مكيدةٍ يحاولون ردَّها، وكان لهُم في بدء أمرهم من القوَّة والسُّلطان ما مكَّنهم من نحور أعدائهم، ولكن لم يلبثوا أن تسلَّلَ الضعفُ إليهم؛ لتتفاقم الثَّورات من جهة، ثم لانغماسهم في الترَف من جِهةٍ أُخرَى؛ فإنهُم انصرَفُوا إلى اللَّهوِ والخَمْرِ والمُجُون، وأصبحوا لا يهتمون بتأييد سلطانهم، ولا يُعنون بانتقاء عمَّالِهِم.

البستاني

البستاني يصِف معارف العرب في عصره :-

قال : إنَّ العرب في إيَّامِنا هذه قنوعون جداً في أمر الآداب، فإنَّهُم يكتفون بأقلِّها، ويحسبون أنفسهم أنهم قد وصلوا إلى أعلى طبقات العِلم مع أنَّهُم لم يقرعوا بابه، ومن تعلَّم منهم الزَّبور والقرآن يقال: إنَّهُ قد خَتَمَ عِلْمَه، وإن تعلَّمَ شيئاً من أصول الصَّرْفِ والنَّحو يقال فيه: إنَّه قد صارَ علَّامَة زمانه، وإذا نَطَقَ الشِّعر فلا يبقى عندهم لقبٌ يصفونه به.

ثمَّ يقول: ” وأمَّا العلوم اللغوية؛ فإننا قلَّما نجِدُ أحداً من أبناء العرب يُمكن أن يُشار إليه بالبنانِ بأنَّهُ يعرفُ لغته وقواعِدها حقَّ المعرفة، فإنهم في الأكثرِ يكتفون من عِلْمِ اللُّغة بحفظِ بعضِ كلمات غريبةٍ ميتةٍ يدرجونها في كتاباتهم وأشعارهم بقصد إظهار معرفتهم والتمويه على الجمهور”.

ويضيف ” وأمَّا الشِّعر الذي من شأنه أن يتقدَّم جنازة الآداب أو يُبشِّر بولادتها؛ فبابه مفتوحٌ عفواً لمن أراد الدُّخول، وكلُّ من حَافَظَ على القوافي وألبَسَ معاني الأقدمين أخلاق ثياب، فهو شاعرٌ، ولكن إذا أبدَعَ بأنَّهُ أتى بكلماتٍ غير مفهومةٍ وأظهر مهارةً وبراعةً في التضمين والاقتباس- حتى لا أقول في السَّرِقة من الأقدمين- فهو خنذيذ ( الشاعر المجيد المُفلَّق والخطيب البليغ”. ويصف البستاني حال الرِّياضيَّات والفلك والطِّب في عصره قائلاً: “إنها تقتصر على كتابات ورثناها من المرحومين”.

وفاته:-

توفي الأديب بطرس البستاني في لبنان سنة 1301هـ-1883م.

بيروت في العام 1935 م
بيروت في العام 1935 م

المصادر:

  • الأعلام (2/58).
  • معجم المؤلفين (3/48).
  • مجلة البحوث الإسلامية (11/252).
  • مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، العدد رقم 3، يوليو 1970م الموافق ربيع الأول 1390هـ، ص 604.
  • الأمير شكيب أرسلان حياته وآثاره، محمد سامي الدَّهَّان، دمشق.
  • أدباء العرب في الجاهلية وصَدر الإسلام للبستاني، مؤسَّسة الهنداوي.
  • أدباء العرب في الأعصر العباسية، بطرس البستاني.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى