أعلام

المعتصم بن صمادح .. الشاعر والملك الأندلسي

أخذ نفسه بالعلوم، ومكارم الأخلاق، فامتد صيته، واشتهر ذكره، وعظم سلطانه

المعتصم بن صمادح:-

محمد بن معن بن محمد بن أحمد بن صُمَادِح، المنعوت بالمعتصم، أبو يحيى التُّجِيْبِي الأندلسي، صاحب الْمَرِّيَّة وبَجَايَة والصُّمَادحية من بلاد الأندلس، وُلِد سنة 429هـ، ورث الملك عن أبيه معن الذي ورثه عن الجد محمد بن أحمد، واستمر ملكهم 50 سنة، ملك منها المعتصم بن صمادح 41 سنة.

منزلته ومكانته:-

تولى المعتصم بالله بن صمادح الحكم بعد وفاة والده سنة 443هـ بعهد من أبيه، وكان عمره 14 سنة، فكفله عمه أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي سنة 446هـ، فبقي المعتصم ابن صمادح مستضعفاً لصغره، وأُخِذَت بلاده البعيدة عنه، ولم يبقَ له غير الْمَرِيَّةِ وما يجاورها.

سمَّى نفسه معز الدولة، ثم لما تلقبت ملوك الأندلس بالألقاب السلطانية لقب نفسه: المعتصم باللَّه الواثق بفضل الله.

مشهد من مدينة ألمرية (الميريا) - الأندلس
مشهد من مدينة ألمرية (الميريا) – الأندلس

فلما كبر أخذ نفسه بالعلوم، ومكارم الأخلاق، فامتد صيته، واشتهر ذكره، وعظم سلطانه، والتحق بأكابر الملوك، فكان كريماً كثير العطاء، حليماً عن الدماء، عالماً بالأدب والأخبار، اتسع في مدحه المقال، وشُدَّت إليه الرحال، فقد كان بلاطه مقصد العلماء والمفكرين والشعراء.

بذل المعتصم بالله ابن صمادح جهوداً كبيرة في توسيع ألمرية وتجميلها، فبنى فيها قصره الكبير، وإلى جانبه بستانه العظيم، وأنشأ مجلساً رحباً مفروشاً بالرخام الأبيض، ومجلساً آخر بالرفوف المذهبة، وابتنى خارج ألمرية قصوراً فخمة.

وكان المعتصم بن صمادح قد اختص بمؤانسة الأمير يوسف بن تاشفين عند عبوره إلى جزيرة الأندلس، وأقبل عليه الكثير من ملوك الطوائف، فلما تغيرت نية الأمير يوسف بن تاشفين على المعتمد بن عباد، وجاهره المعتمد بالعصيان، شاركه في ذلك المعتصم، ووافقه على الخروج عن طاعته وعدم الانقياد لأمره، فلما قصد الأمير يوسف بلاد الأندلس عزم على خلعهما وقبضهما.

المعتمد بن عباد جاهر في معارضة ابن تاشفين
المعتمد بن عباد جاهر في معارضة ابن تاشفين

حاصره المرابطون جيش يوسف بن تاشفين، ومرض أثناء ذلك الحصار، وكان القتال تحت قصره، فسمع يوماً صياحاً وجَلَبَةً، فقال: “لا إله إلا الله نُغِّصَ علينا كل شيء حتى الموت!”، فقالت جارتيه: فدمعت عيناي، فقلت بصوت ضعيف:

تَرَفَّقْ بِدَمْعِكَ لاَ تُفْنِهِ

فَبَيْنَ يَدَيْكَ بُكَاءٌ طَوِيْلُ

وتوفي في مرضه ذلك، فمات على فراشه، وهرب أولاده وأهله بمالهم في البحر إلى سلطان بَجَايَة، وملك جيش يوسف بن تاشفين المرية وما معها.

شعر المعتصم بن صمادح:-

أهم ما يشتهر به ملك مملكة ألمرية المعتصم بن صمادح التجيبي هو أدبه وشعره، وحمايته لدولة الشعر والأدب، وكان بلاط المعتصم منتدى لطائفة من أكابر شعراء العصر، وقد كان بلاطه الصغير بالْمَرِّيَّة ينافس -في مجالسه الأدبية وفي رعايته للأدباء والشعراء- بلاط إشبيلية، فكان له أشعار حسنة، فمن ذلك ما كتبه إلى أبي بكر بن عمار الأندلسي يعاتبه:

وَزَهَّدَنِي فِي النَّاسِ معرفتي بهم.. وَطول اخْتِيَارِي صَاحِبَاً بَعْدَ صَاحِبِ

فَلَـمْ تُـرَنِـي الأَيَّـامُ خِــلاًّ تَسُــرُّنِي.. مَـبَادِيهِ إِلاَّ سَاءَنِي فِي العَــوَاقِـبِ

وَلَا قلْت أرجوهُ لـدفـعِ ملمَّــةٍ.. مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ كَانَ إِحْـدَى الْمَصَائِبِ

من شعر المعتصم بن صمادح قوله:

يا مَنْ بِجِسمي لِبُعْـدِهِ سَقَمٌ.. ما فِيـــهِ غيرُ الدُّنُـوِّ يُبْـرِيني

إنْ كانَ صَرْفُ الزَّمانِ أبْعَدَني.. عَنك فطيفُ الخيالِ يُدنيني

ومن شعره قوله:

انْظُرْ إِلَى الأَعْلامِ خَفَّاقَةً.. قَدْ عَبَثَتْ فِيهَا أَكُفُّ الشَّمَالْ

كَــأَنَّهَا وَهِــيَ لَنَــا زِينَــةٌ.. أَفْـئِدَةُ الأَعْـدَاءِ يَـوْمَ القِـتَالْ

من أشعار الملك الأندلسي المعتصم بن صمادح في الصحبة والناس
من أشعار الملك الأندلسي المعتصم بن صمادح في الصحبة والناس

ومما قاله المعتصم ابن صمادح حينما شعر بدنو أجله:

تَمَتَّعْتُ بِالنَّعْمَاءِ حَتَّى مللتها.. وَقد أَضْجَرَتْ عَيْنَيَّ مِمَّا سَئِمْتُهَا

فَيَا عَجَبَاً لَمَّا قَضَيْتُ قَضَاءَهَا.. وَمُلِّيتُــهَا عُمْــرِي تَصَــرَّمَ وَقْـتُهَا

ما قيل فيه:-

لزم ملك مملكة ألمرية المعتصم بن صمادح جماعة من فحول الشعراء، كأبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بالحداد القيسي الذي مدحه في قصيدة بديعة، قال فيها:

لَعَــلَّكَ بِالوَادِي الْمُقَــدَّسِّ شَــاطِئٌ.. فكالعـنبر الْهِـنْدِيّ مَــا أنا واطـئُ

وإنِّـيَ فـي رَيّـاكَ واجِـــدُ رِيحِهِــمْ.. فَـرَوْحُ الهـوى بيـن الجـوانحِ نـاشىء ُ

ولي فِي السُّرى مِنْ نَارِهِمْ وَمَنَارِهِمْ.. حَــوَادٍ هَــوَادٍ وَالنُّجُـومُ طَــوَافِـئُ

لذلك مـا حَـنَّتْ رِكابِي وَحَمْحَـمَتْ.. عِـرَابي وأَوْحَى سَــيْرُها المـتباطىء ُ

فـهل هاجَـها مـا هاجَنـي؟ أو لعلَّها.. إلى الوَخْدِ من نيران وَجْدِي لواجىء ُ

ولولا عُلَى المَلْكِ کبنِ مَعْنٍ محمَّدٍ.. لما بـرحت أصدافهـن اللآلــئُ

لآلـىء ُ إلاَّ أنَّ فِـكْــرِيَ غـائـصٌ.. وعِلْمِيَ دأماءٌ وَنُـطْقِــيَ شــاطـىء ُ

وقصده أيضاً من شعراء الأندلس أبو القاسم الأسعد بن بِلِّيْطَة، وهو من فحول شعرائهم، ومدحه بقصيدته الطائية التي أولها:

بـرامـة ريـم زارنـي بعـدما شـطا.. تقنصته في الحلم بالشَّطِّ فاشتطا

رعى من أناس في الحشا ثمر الهوى.. جنياً ولم يرع العرار ولا الخمطا

وفاته:-

مات المعتصم بن صمادح التجيبي بالْمُرِّيَّة، عند طلوع الشمس يوم الخميس، 22 ربيع الأول، سنة 484هـ، ودُفِنَ في تربة له عند باب الخوخة.


المصادر:

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق