أعلامانفوجرافيكس

المسعودي .. المؤرخ والرحالة والبحاثة

الذهبي عن المسعودي: "كان أخباريّاً، صاحب مِلَح وغرائب وعجائب وفنون"

اسمه ونشأته:-

علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن المسعودي ، المؤرِّخ، وهو من ذرية الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وُلِدَ في بغداد وقيل ببابل سنة 283هـ.

ويذكر الدكتور عبد الرحمن حسين العزاوي، في مؤلفه ” المسعودي مؤرخاً” أن المسعودي من مواليد إقليم بابل، وليس بغداد، كما ذكر بعض المؤلفين والمؤرخين، وذلك استنادا لقول المسعودي نفسه ” وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أناءت بيننا وبينه وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومقطننا، وهو إقليم بابل..”.

أسرته ونسبه:-

وقد كان عبد الله بن مسعود، الجد الأكبر للمسعودي ذو مكانة كبرى في قلوب أهل بلاد العراق، إذ قصدها في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه والتف الناس حولهم ليحدثهم عن النبي الكريم عليه السلام، ولينقل لهم السنة الشريفة.

وبالتالي؛ انتقلت أسرة ابن مسعود إلى العراق، منصرفة إلى مضامير العلم والأدب، نائية بنفسها عن الخوض أو المشاركة في أي من أوجه الصراعات السياسية التي شهدتها البلاد وذلك طيلة العصرين الأموي والعباسي.

تمثال المسعودي في النمسا
تمثال المسعودي في أحد أهم المواقع في النمسا – المتحف التاريخي في فيينا

مكانته العلمية:-

مؤرِّخ ورحَّالة وبحَّاثة، أخذ العلم في بغداد وفي غيرها من الأمصار، ورحل في الآفاق إلى أن حطَّت رحاله في مصر، فأقام فيها إلى أن مات.

ويقول الدكتور العزاوي، إن أبا الحسن المسعودي يعتبر من الشخصيات ذات الثقافة المتنوعة أو ما كان يطلق عليه بـ”الموسوعية”، حيث لم يكتف بالاهتمام بالجغرافيا والتاريخ فحسب، وإنما أيضاً في علم الكلام، والأخلاق، والسياسة، وعلم اللغة.

وبين العزاوي أن المسعودي سلك نهجاً تاريخياً جديداً في تدوين حوادثه مقارنة بمن سبقه، كما أن الفترة التي عاش فيها ووثق غالبية ملاحظاته عنها؛ هي تلك التي شهد فيها التاريخ العربي الإسلامي، قفزات علمية وحضارية مهمة (القرنين الرابع والخامس الهجري)، رغم أن هذه الحقبة شهدت أيضاً بدء تشظى مركزية الدولة العباسية في بغداد، وذلك مع تزايد النفوذ الأجنبي.

وقد عاش المسعودي ضمن هذه الدائرة الثقافية والسياسية، الأمر الذي دفعه لانتهاج أسلوب الرحلة للمشاهدة والمعاينة في تثبيت الحدث وتدوين الحقيقة التاريخية. وقد زار المسعودي كثيراً من البلدان والأقاليم خلال رحلته التي امتدت قرابة 25 عاماً، وطلب خلالها العلم والمعرفة، وليكون شاهد عيان على الحوادث والأخبار.

منهجية المسعودي متقدمة على سابقيه:-

لقد تأثر المسعودي بأسماء سبقته من أعلام القرن الثالث الهجري، وهي شخصيات حازت شهرة واسعة في مجال التأريخ والجغرافية، والتوثيق من خلال السفر والترحال.

اليعقوبي أحد أشهر المؤرخين الكلاسيكيين

ومن بين أولئك الذين تأثر بهم؛ محمد بن جرير الطبري، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر اليعقوبي، وابن قتيبة الدينوري، و أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري.

على أن المسعودي أدرك تلك العيوب التي اعترت منهجية عمل بعض تلك الشخصيات السابقة، وهو الأمر الذي شخَّصه ابن خلدون بعد ذلك بقرون، وذلك من خلال قول مؤسس علم الاجتماع: ” وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط (الأغلاط) في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم على مجرد النقل غثَّاً أو سميبناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر، والبصيرة في الأخبار، فضلُّوا عن الحق وتاهو في بيداء الوهم والغلط”.

فقد اقترب المسعودي خطوة أكثر من منهجية التحليل التاريخي، واقتفاء أثر الدوافع والأسباب، كما لم يسلِّم بكل ما تم تداوله قبله من أخبار ومعلومات، لذا؛ فقد بذل جهداً كبيراً في أن يضع أموراً كثيرة موضع الاختبار، والمشاهدة والتحليل، والمقارنة، إذ لم يترك شيئاً وقع عليه نظره، أو عرض له، أو استرعى انتباهه من ظواهر طبيعية، وعادات وتقاليد، وأديان، ووقائع، وثقافات، إلا أعمل فكره فيه.

وهنا يتحدث عن حياديته وبعده عن التعصُّب والهوى في تسجيل موضوعاته، قائلاً في تمهيده لكتابه الشهير “مروج الذهب”: “لم أنتصر فيه لمذهب ولا تحيزت إلى قول، ولا حكيت عن الناس إلا مجالس أخبارهم، ولم أعرض فيه لغير ذلك”.

أقوال العلماء فيه:-

قال الذهبي: “كان أخباريّاً، صاحب مِلَح وغرائب وعجائب وفنون، وكان معتزلياً، أخذ العلم عن أبي خليفة الجُمَحِي، ونَفْطَوَيْه، وعدَّة”.

وقال فازيليف في كتابه «العرب والروم»: “إن كتب المسعودي مما يقرأه المسلمون والأوربيون على السواء، ويجدونه ممتعاً طلياً؛ ولذا استحق لقب (هيرودوت العرب)، وهو اللقب الذي أضفاه عليه (كريمر) في «الثقافة في الشرق»”.

المسعودي استحق لقب هيرودوت العرب
المسعودي استحق لقب هيرودوت العرب

رأي المسعودي في شكل الأرض:-

لقد تبنى المسعودي ما جاء به كل من أرسطو وبطليموس وسواهما من حكماء العالم القديم والذين يرون أن الأرض عندهم هي مركز الفلك ونقطة ثابتة تدور حولها الأفلاك.

لذا فهو يتحدث عن هذا الأمر من خلال أسلوبه بالقول: “الأرض في وسط الجميع كالنقطة في وسط الدائرة، والفلك متجافٍ عنها من حيث ما أحاط بها، وهو يدور عليها من المشرق إلى المغرب، وعلى أوسع موضع فيه على نقطتين وهميتين متقابلتين في جنبي كرته إحداهما القطب الشمالي.. والثانية القطب الجنوبي”.

كما لم يغفل المسعودي عن الاستعانة بمقولة أرسطو التي تفيد بأن الأرض إلى زوال بعد أن تمرَّ بمرحلتي الشباب والهَرَم.

رأي المسعودي في شكل الأرض

وحول شكل الأرض؛ فهي بنظره كرة تشبه في ذلك الأجرام السماوي التي شاء الله أن يكون التدوير من صفاتها.

ويستند بذلك إلى رأي أرسطو الذي استدل على تدويرها وذلك من خلال استدارة ظلها على القمر في وقت الخسوف.

لكن المسعودي سجَّل اعتراضه على تقدير أرسطو (348-322 قبل الميلاد) لمحيط الأرض لأنه في رأيه مبالغ به، إذ قدره بنحو 46 ألف ميل.

كتب المسعودي:-

  1. مروج الذهب ومعادن الجوهر، في تحف الأشراف من الملوك وأهل الدرايات، وقد ذكره كل من ابن النديم، وياقوت الحموي، وابن شاكر الكتبي.
  2. كتاب التنبيه والأشراف، ذكره أيضاً ياقوت والكتبي، ومنه مخطوطة في باريس، وطبع عدة مرات في مجلد واحد.
  3. كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، وجاء ذكره على لسان المسعودي نفسه، وذلك في كتابيه السابقين، ويروى أن هذا الكتاب كان في ثلاثين مجلداً، وهو مفقود عدا الجزء الأول منه موجود في فيينا، وباريس، وقد تمت طباعته غير مرة.
  4. إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو منسوب للمسعودي، تمت طباعته في العراق وبلدان أخرى تحت عنوان “رسالة في إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب”.
  5. رسالة البيان في أسماء الأئمة، ذكره المسعودي في كتابه الثاني “التنبيه”، كما جاء على ذكره كل من ياقوت والكتبي، وقد تمت طباعته في إيران بعنوان “رسالة في أحوال الأمة”.

خاتمة مروج الذهب:-

أنهى المسعودي كتابه “مروج الذهب” بقوله: ” وجميعُ ما أوردناه في هذا الكتاب لا يَسَعُ ذوي الدراية جهله ولا يُعذر من تركه، فلقد جمعنا ما فيه في عدّة السنين باحتهاد وتعب عزيم وجولان في الأسفار وطواف في البلدان من الشرق والغرب في كثير من الممالك غير مملكة الإسلام”.

وختم كتابه المرجعي بالقول:” فمن قرأ كتابنا هذا فليتدبره بعين المحبة، وليتفضل بهمته بإصلاح ما أنكر منه مما غيره الناسخ وصحَّف الكاتب.. جعلنا الله ممن يؤثر طاعته.. ثم يتغمدنا إذنه جواد منان”.

آثاره المخطوطة:-

1- كتاب الأوسط، وهو وسط بين كتابي “مروج الذهب، وأخبار الزمان”، حيث قال المسعودي: ” وقد أتينا في الكتاب الأوسط “مروج الذهب” تالٍ له والأوسط تالٍ لكتابنا أخبار الزمان..”، ويوجد قسم من الكتاب في أيا صوفيا في إسطنبول، وهو مخطوط ونهايته ساقطة ومن القرن التاسع الهجري.

أيا صوفيا حيث الكثير من المخطوطات القيمة

آثاره المفقودة:-

تعرَّض الأستاذ عبد الرحمن حسين العزاوي، في كتابه “المسعودي مؤرخاً” إلى أسماء عدد كبير من مؤلفات المسعودي والتي تعرضت للفقدان، فيما يلي أبرزها:

  1. كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار، ذكره الكتبي باسم “كتاب الرسائل والاستذكار بما مرَّ في سالف الأعصار”.
  2. كتاب الرسائل، ذكره ابن النديم وياقوت الحموي.
  3. كتاب ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور، وذكره المسعودي نفسه وياقوت وابن النديم والكتبي.
  4. كتاب الصفوة في الإمامة.
  5. كتاب الإستبصار وذكر أيضا كتاب الاستنصار.
  6. كتاب مزاهر الأخبار وطرائف الآثار.
  7. كتاب المبادئ والتراكيب.
  8. كتاب حدائق الأذهان في أخبار آل محمد عليه السلام.

وفاة المسعودي:-

وأخيرا؛ فقد قصد المسعودي مصر، حيث نزل الفسطاط سنة 345 هجرية (956 م)، ليتوفى في السنة التالية، بحسب ما ذهب إليه أغلب من كتبوا عنه.

فقد قال عن وفاته ياقوت الحموي: ” توفي فيما بلغني سنة ست وأربعين وثلاثمئة بمصر”، فيما قال ابن شاكر الكتبي: ” .. وأقام بمصر مدة، وكان إخبارياً علَّامة، صاحب غرائب وعجائب وملح ونوادر، توفي سنة ست وأربعين وثلثمائة..”.

القاهرة في العهد المملوكي – رسم

المصادر:

الأعلام (4/277).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/33/رقم 13).

فوات الوفيات (3/12).

المسعودي مؤرخاً، تأليف عبد الرحمن العزاوي.

كتاب المسعودي، الهيئة العامة السورية للكتاب، نوفل نيِّوف.

جغرافية المسعودي بين النظرية والواقع من الأدب الجغرافي في التراث العربي، عبد الفتاح وهيبة.

Image by OpenClipart-Vectors from Pixabay 

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Naturhistorisches_Museum,Al_Masudi.JPG

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق