معلومات تاريخية

المسار التاريخي للولايات العثمانية في شمال إفريقيا

كان يتم الدعاء للسلاطين العثمانيين فوق المنابر، كما كان يتم سك نقود تحمل أسماءهم

قام العثمانيون بعد فرض سيطرتهم على دول شمال إفريقيا بنهاية القرن السادس عشر ميلادي؛ بتقسيم المنطقة إلى ثلاثة ولايات مستقلة عن بعضها البعض هي : ولاية طرابلس ( ليبيا )، وولاية تونس، وولاية الجزائر.

العثمانيون ينصبون حاكماً خاصاً على رأس كل ولاية:

قام السلطان العثماني مراد الثالث (1546– 1595 م)  بفصل ولاية الجزائر عن باقي الولايات ابتداء من سنة 1587 م، وعين على رأسها حاكما مدنيا وعسكريا في نفس الوقت يلقب بالباشا.

الولايات العثمانية في شمال إفريقيا
سيف مذهب يعود لأحد السلاطين العثمانيين – القرن الثامن عشر – متحف الميتروبوليتان

ويساعد الباشا في تسيير شؤون الولاية مجلس استشاري يعرف بالديوان، كما تسانده قوة عسكرية مكونة من عساكر الجيش الإنكشاري وأساطيل الجهاد البحري.

أما على الصعيد الإقليمي؛ فقد تم تقسيم ولاية الجزائر إلى أربعة مقاطعات، تخضع كل منها لحاكم عسكري خاضع للباشا يلقب بالباي، في حين تخضع  مقاطعة الجزائر المدينة إلى السلطة المركزية مباشرة.

نظام الحكم العثماني في الجزائر يعرف عدة تحولات:

استمر الباشوات بممارسة السلطة الفعلية في ولاية الجزائر حتى سنة 1659 م، حيث  استطاع الآغا وهو قائد الجيش الإنكشاري التحكم في مقاليد الحكم، وذلك بعد إسناد الأمر إليه من قبل ضباط الجيش الإنكشاري في مجلس الديوان.

أداة عثمانية للزينة وللدفاع عن النفس تعود للقرن السابع عشر الميلادي – متحف الميتروبوليتان

غير أن عهد الآغوات هذا؛ لم يدم كثيرا نتيجة لتنامي الصراعات بين قادة الجيش فيما بينهم، الأمر الذي دفع رؤساء البحر إلى الانفراد بالحكم، وتعيين أحدهم حاكما للولاية بعد أن أطلقوا عليه لقب الداي.

وابتداء من سنة 1710م ؛استطاع قواد الجيش الإنكشاري استعادة الحكم من جديد، وذلك بعد تقلص دور الأسطول البحري.

العصور الوسطى شهدت منافسة محتدمة بين مختلف القوى الساعية للسيطرة على البحر المتوسط
البحر المتوسط كان ساحة للمواجهة بين القوى الكبرى لتوسيع نفوذها

ولاية الجزائر تتمتع بالاستقلال المالي:

تمتعت ولاية الجزائر العثمانية باستقلالها المالي، حيث شكلت الضرائب و غنائم الجهاد البحري أهم موارد الخزينة.

فخلال القرن السادس عشر؛ عرفت حركة الجهاد البحري نمواً متزايداً، حيث اتسع نشاط الأسطول الجزائري ليصل إلى المحيط الأطلسي، مزودا بذلك الخزينة بموارد مالية كبيرة.

 ومع تناقص موارد الجهاد البحري؛ اضطرت السلطة الحاكمة إلى فرض ضرائب متنوعة على الأراضي الفلاحية وأصحاب المهن والدكاكين التجارية بالمدن، ورسوم الأسواق في البوادي والمدن معا، إضافة إلى مداخيل التجارة الخارجية.

الولايات العثمانية في شمال إفريقيا
ريف مدينة بليدة الجزائرية بنهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

جهاز مشابه في تونس وطرابلس:

لم يختلف نظام الحكم الذي أقامه العثمانيون في ولايتي تونس وطرابلس عن نظيره في ولاية الجزائر، حيث كان يرأس كل ولاية باشا يساعده في تسيير شؤون ديوان مكون من مجموعة من الموظفين الإداريين والقادة العسكريين، إضافة إلى فرقة من الجيش الإنكشاري.

وعرفت هذه الأنظمة صراعا مستمرا بين الباشوات وقادة الجيش ورؤساء البحر حول الحكم، فكانت كل فئة تبسط سيطرتها فترة من الزمن، تبعا للظروف السياسية وموازين القوى.

الولايات العثمانية في شمال إفريقيا
المهدية.. إحدى المدن التونسية التاريخية المهمة

وفي الجانبين المالي والاقتصادي؛ ركزت الولايتين على الجهاد البحري الذي كان يجلب مداخيل طائلة لخزينتهما، ولجأت كل ولاية منهما -فيما بعد- إلى تقوية التجارة مع الدول الأوروبية وبلدان جنوب الصحراء وفرض الضرائب، وذلك لتعويض النقص الناتج عن تراجع حركة الجهاد البحري.

تطورات في علاقة الولايتين مع السلطة المركزية:

انعكس تطور الأوضاع الداخلية في تونس على علاقة الولاية بالسلطة المركزية العثمانية، حيث أصبح الدايات والبايات يمتلكون السلطة الفعلية في تسيير الشؤون الداخلية والخارجية للولاية.

لكن ذلك؛ لم يوقف تبعيتهم الإسمية للإمبراطورية، حيث كان يتم الدعاء للسلاطين العثمانيين فوق المنابر، كما كان يتم سك نقود تحمل أسماءهم.

وأدت الخسائر الكبيرة التي تلقتها التجارة البحرية الأوروبية بسبب نشاط الجهاد البحري؛ إلى تهافت الدول الأوربية على عقد معاهدات السلام مع تونس، خاصة فرنسا التي لجأت إلى الباب العالي للتوسط لدى تونس من أجل عقد اتفاق سلام سنة 1604 م.

الولايات العثمانية في شمال إفريقيا

بعدها؛ تبعتها كل من بريطانيا وهولندا اللتان قامتا أيضا بتوقيع اتفاقيات للسلام مع تونس، وذلك من أجل حماية تجارتهم البحرية.

سلطة الباشوات في طرابلس ظاهرية فقط:

أصبحت ولاية طرابلس (ليبيا) مستقلة في انتخاب حكامها وتسيير شؤونها الداخلية، وذلك بعد ضعف سلطة الباب العالي على الولاية.

غير أن هذا الأمر؛ لم يمنع السلاطين العثمانيين من بعث الباشوات إليها من حين لآخر، لكنهم ظلوا (الباشوات) بلا أية سلطة فعلية، الأمر الذي اضطر السلاطين إلى بعث الألقاب الباشوية إلى الحكام المنتخبين مقابل بعض الهدايا منهم.

وتعزز هذا الاستقلال لولاية طرابلس بعد العلاقات التي نشأت بينها وبين الدول الأوروبية، حيث لجأت بريطانيا إلى عقد مجموعة من الاتفاقيات المباشرة مع حكام طرابلس خلال القرن السابع عشر الميلادي.

طرابلس .. مدينة تاريخية مهمة

خاتمة :-

أفضى تطور الولايات العثمانية الثلاث في شمال إفريقيا إلى قيام دول محلية ذات أجهزة إدارية وعسكرية ومالية متكاملة، ومستقلة في تسيير شؤونها.

وبالموازاة مع ذلك؛ حافظت الولايات في شمال إفريقيا على ارتباطها المعنوي بالإمبراطورية العثمانية .

المصادر:-

  • محمد بن يوسف الزياني، دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران.
  • محمد بن محمد الوزير السراج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، ج 2.
  • محمود مقديش، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، ج 2 .

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى