أعلام

شخصيات أَثْرَتْ بفعل المديح والتقرب من السلاطين

أبو الطيب المتنبي استفاد كثيرا بقربه ومديحه لسيف الدولة

توطئة:-

العلم سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وهنالك شخصيات من أهل العلم والأدب حققت مكاسب مالية إلى جانب المكاسب العلمية، ومن أبرز هذه الشخصيات:

الشخصية الأولى: أبو الطيب المتنبي

وهو أحمد بن الحسين، وُلِدَ سنة 303هـ، وتوفي سنة 354هـ، أحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، وفي علماء الأدب من يعده أشعر الإسلاميين، وقد اهتم أبو الطيب المتنبي على غرار فحول الشعراء بأكثر الموضوعات الشعرية فمدح، وهجا، وافتخر، ووصف، وشكا، وتغزَّل، وعاتب، ورثا.

أبو الطيب المتنبي.. هل هو أفضل شاعر في التاريخ العربي؟
أبو الطيب المتنبي.. هل هو أفضل شاعر في التاريخ العربي؟

وفد على سيف الدولة ابن حمدان صاحب حلب سنة 337هـ، فمدحه وحَظِيَ عنده بمكانة رفيعة، وسُمِّيَ شعره عن سيف الدولة بالسيفيات، وعُدَّت سيفيَّاته من أبواب الشعر العربي، وكان مما مدح به سيف الدولة قوله:

فَدَينـاكَ مِن رَبـعٍ وَإِن زِدتَنا كَربـا .. فَـإِنَّكَ كُنتَ الشَرقَ لِلشَمسِ وَالغَربا

وَكَيفَ عَرَفنا رَسمَ مَن لَم يَدَع لَنا .. فُؤاداً لِعِرفانِ الرُسومِ وَلا لُبّا

فأكرمه سيف الدولة الحمداني ووهب له الكثير من الأموال والعطايا.

انتقل بعد ذلك إلى مصر؛ طمعاً في عطايا كافور الإخشيدي، وطمعاً في الحصول على منصب عنده، فمدح في مصر كافور الإخشيدي في مجموعة من القصائد الشعرية يُطلق عليها اسم الكافوريَّات، وأكرمه كافور الإخشيدي وأجزل له العطاء، وكان مما مدحه به هذه الأبيات:

تَرَعــرَعَ الْمَلِكُ الأُستــاذُ مُكتَهِـــلاً .. قَبـلَ اِكتِهالٍ أَديباً قَبلَ تَأديبِ

مُجَرَّباً فَهَمـاً مِن قَبــــلِ تَجــرِبَـةٍ .. مُهَذَّبـاً كَرَماً مِن غَيرِ تَهذيبِ

حَتّى أَصــابَ مِنَ الدُنيا نِهايَتَهـا .. وَهَمُّــهُ في اِبتِداءاتٍ وَتَشبيبِ

يُدَبِّــرُ الْمُلكَ مِـن مِصـــرٍ إِلى عَــدَنٍ .. إِلـى العِراقِ فَأَرضِ الرُّومِ فَالنُوَبِ

ورحل إلى شيراز فمدح عضد الدولة ابن بُوَيْه الدَّيْلَمي الذي أكرمه بالعطايا المالية على هذا المدح.

الشخصية الثانية: ابن عبد ربه

أحمد بن محمد بن عبد ربه، وُلِدَ سنة 246هـ، وتوفي سنة 328هـ، عالم الأندلس بالأخبار والأشعار، وأديبها، وشاعرها، وكان أحد الفضلاء، شعره في الذروة العليا، وله ديوان شعر جيد.

مدينة قرطبة التي توفي فيها المجريطي
مدينة قرطبة

كان فقيراً، ولكن تميزه الأدبي كان سبباً في ثرائه، وخاصة وأنه نشأ في قرطبة مدينة العلم والثراء، والتي كان للأديب فيها منزلة عظيمة عند العوام والخواص، حيث سعى الحكَّام والموسرون إلى تقريب أهل الأدب منهم، وكان لابن عبد ربه حظ وافر من ذلك، فقد مدح في إحدى قصائده المنذر بن محمد أحد ملوك الأندلس، حيث جاء فيها:

بالمنذر بن محمَّدٍ شرِّفت بلاد الأندلس

فالطَّير فيها ساكن والوحش فيها قد أنس

فأكرمه المنذر بالعطايا، وكذلك أكرمه الأمير إبراهيم بن حجَّاج الذي أكرم أهل الشعر والأدب.

الشخصية الثالثة: فخر الدين الرازي

هو محمد بن عمر بن حسين، وُلِد سنة 544هـ، وتوفي سنة 604هـ، الأصولي المفسِّر المتكلم، كان فريد عصره، ومتكلم زمانه، وأوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، رُزِق الحظوة في تصانيفه، وانتشرت في الأقاليم.

مكانته العلمية هذه كانت سبباً في ثرائه، حيث تنافس السلاطين على تقريبه منهم وإكرامه، فسار إلى شهاب الدين الغوري سلطان غَزْنَة فبالغ في كرمه وحصلت له منه أموال طائلة، واتصل أيضاً بالسلطان علاء الدين خوارزم شاه فحظي لديه بمنزلة رفيعة.

شيخ المعقول والمنقول الإمام فخر الدين الرازي الشافعي الأصولي المفسِر المتكلم، فريد عصره، وعُرف بابن الخطيب لأنه تتلمذ على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الرّيّ
شيخ المعقول والمنقول الإمام فخر الدين الرازي الشافعي الأصولي المفسِر المتكلم، فريد عصره، وعُرف بابن الخطيب لأنه تتلمذ على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الرّيّ

وقصد الري، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان، ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب، فحصل فخر الدين على جميع أمواله.

وعندما توفي الإمام الرازي ترك ثروة علمية وثروة مادية، فقد خلَّف لأولاده ثمانين ألف دينار سوى الدواب والعقار.

الشخصية الرابعة: ابن ملكا البغدادي

وهو هبة الله بن علي بن ملكا، وُلِدَ سنة 480هـ، وتوفي سنة 560هـ، طبيب وفيلسوف، كان يتخذ القرارات الجريئة لإجراء العلميات الجراحية الخطيرة، كما كان دقيقاً في التشخيص.

حنين بن إسحاق
حظي ابن ملكا بشهرة ذاعت في الآفاق

أصبح طبيباً مشهوراً مارس صنعته في خدمة خلفاء بغداد، وكان هذا سبباً في ثرائه، حيث حصل على الكثير من المال من معالجته للخلفاء، فكان في خدمة المستنجد بالله العباسي، وحظي عنده، ولما مرض أحد سلاطين الدولة السلجوقية استدعاه من مدينة السلام وتوجه نحوه ولاطفه إلى أن برئ، فأعطاه العطايا الجمة من الأموال والمراكب والملابس، فحقق من مهنة الطب ثروة كبيرة جعلته من العلماء الأثرياء.

الشخصية الخامسة: حُنَيْن بن إسحاق

وُلِد سنة 194هـ، وتوفي سنة 260هـ، طبيب مؤرِّخ ومترجم، وكان حُنَيْن أعلم أهل زمانه باللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، وكانت له دراية فيهم مما لا يعرفه غيره من النقلة الذين كانوا في زمانه، بالإضافة إلى إتقانه للعربية والاشتغال، بها حتى صار من جملة المتميزين فيها، وانتهت إليه رياسة العلم باللغات بين المترجمين، واتصل بالمأمون فجعله رئيساً لديوان الترجمة، وجعل بين يديه كُتَّاباً بارعين في اللغات، كانوا يترجمون، ويتصفح حُنَيْن ما ترجموا فيصلح ما يرى فيه خطأ، وبذل له المأمون من الأموال والعطايا شيئاً كثيراً، ورُوي عنه أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلاً بمثل.

من ترجمات حنين الطبية

المصادر:

  • الأعلام (1/115)، و(2/287).
  • ابن عبد ربه مليح الأندلس (7/33).
  • إخبار العلماء بأخبار الحكماء (256).
  • الخصائص الفنية والمعنوية في مدائح أبي الطيب المتنبي (40).
  • ديوان المتنبي.
  • عيون الأنباء في طبقات الأطباء (257).
  • معجم الأدباء (6/2585/رقم 1094).
  • موسوعة علماء الطب مع اعتناء خاص بالأطباء العرب (139/رقم 154).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (1/110/رقم 46)، و (4/248/رقم 600).
  • يتيمة الدهر (1/141).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى