آثارمعلومات تاريخية

المدن المصرية القديمة وضعت أسساً للبناء الحضري

بنيت هذه المدن لمعالجة الكثافة السكانية

تخطيط المدن وإبداع مصر القديمة:

لا يخفى على أحد أن الحضارة المصرية هي إحدى أهم الحضارات البشرية وأكثرها تأثيراً في التراث الإنساني، حتى أنها تعتبر في طليعة الحضارات التي تركت بصمتها المؤثرة على تصميم وبناء المدن الحضرية التي تراها اليوم.

وبالرجوع إلى الآثار والرسائل التي تركها لنا الفراعنة؛ نستشف أن هذه المدن قد جرى تصميمها والأمر ببنائها مباشرة من قبل فراعنة مصر وحُكامها، وذلك في فترات تعود بالقدم إلى ما قبل عهد ميلاد السيد المسيح.

وقد كان السبب الرئيسي من بناء هذه المدن- هو معالجة الكثافة السكانية التي وجدت في مصر خلال تلك الفترة وذلك بسبب مرور نهر النيل شريان الحياة في منطقة مصر السفلى التي تعرف اليوم بصعيد مصر، بالإضافة إلى توفير أماكن إقامة للعمالة الدائمة واللازمة للمشاركة في بناء المعجزات الإنسانية الباقية.

الأسس التي قامت عليها الحضارة المصرية القديمة:-

تميزت العديد من المدن المصرية بتنظيمها وتخطيطها الحضري منذ لحظة تأسيسها، حتى أننا اليوم لا نقول عن أثارها بأنها بقايا مساكن فرعونية متناثرة، إنما هي بقايا مدن كاملة وشاملة تثير الإعجاب وتجعلك ترغب في معرفة المزيد عنها.

من بين آثار الحضارة الفرعونية القديمة؛ يتواجد العديد من المدن النموذجية المثيرة للدهشة والتي تحفظ في تفاصيلها الباقية تاريخ فريد لكل منها، تاريخ يخبرنا عن حقبة تأسيسها والعصر الذي شيدت المدينة فيه وفي عهد أي الملوك.

أنواع المدن التي شيدت في الحضارة المصرية القديمة:-

تقسم المدن المصرية القديمة إلى نوعين، الأول منها يُسمى “نوات” وهو النوع المعبر عن جزء المدينة التي تطورت وشهدت نمواً طبيعياً تبعاً لظروف مناخية معينة وإمكانيات طبيعية مميزة أدت إلى الهجرة وقدوم المزيد من السكان إليها.

بينما النوع الثاني للمدن يُسمى ديمي “أو قد تُلفظ دمي” والتي تدل على أن المدن قد بنيت تبعاً لمخططات وضِعت بشكل مسبق لوجودها، وهي ما سنتحدث عنه، حيث يوجد العديد من المدن التي بنيت تبعاً لهذه الاستراتيجية وأهمها مدينة لاهون، دير المدينة ومدينة تل الضبعة “المعروفة بمدينة صوعن”.

مدينة تل الضبعة الأثرية “صوعن”:

كانت مدينة تل الضبعة الأثرية إحدى المدن الأساسية في الحضارة المصرية القديمة التي شيدت خلال أوائل عهد المملكة الوسطى، وهي مدينة وجدت قبل أكثر من ألفين سنة قبل الميلاد.

هذه المدينة -التي تم اكتشاف بقاياها- تمتد على مساحة (100) متر مربع، حيث يتربع في مركزها مبنى حجمه أكبر من باقي المنازل ويوجد في شرق المدينة بوابة ضخمة، كما وتحط الأسوار ببعض شوارعها، وكل شارع منها يحتوي على 10 صفوف من المنازل المتقاربة.

كما أن البيوت التي تقع في القسم الشرقي من المدينة كانت مجزأة إلى كتل، كل كتلة منها تتألف من 12 منزلاً، أما على الطرف الآخر من المدينة؛ كان يتواجد قرابة الـ 20 منزل.

الحفريات في موقع تل الضبع في العام 1979 م.

 وبشكل عام؛ كان الناس يقطنون في هذه المنازل لأكثر من 20 عام.

مدينة لاهون الأثرية:-

يرجع تاريخ بناء مدينة لاهون إلى عصر الملك الفرعوني سنوسرت الثاني الذي ينحدر من العائلة الثانية عشر، حيث تقع هذه المدينة على طريق واحة الفيوم وتحديداً على إحدى ضفتي النيل.

صُممت هذه المدينة لتكون منطقة سكنية خاصة بالعمال الذين قاموا ببناء هرم سنوسرت، كما قد كانت بين المنازل منازل خاصة بالكهنة الذين كانوا يمارسون الطقوس الملكية. وبعض الباحثين يعتقدون أنه من المرجح أن يكون الملك نفسه قد عاش في هذه المدينة.

ولقد أخبرنا مكتشف هذه المدينة الأثرية فليندرز بيتري “Flinders Petrie” أن شوارع لاهون كانت منظمة، كما أنها تضمنت نظام صرف صحي رائد في المنازل، وهو أمر لم يكن معتاداً في تلك الحقبة.

وإن انتقلنا إلى شرق هذه المدينة؛ فسنجد المباني الضخمة حيث يتواجد الحرس بالإضافة إلى كثرة بعض المباني التي كانت قيد الإنشاء، لكن لم يتم إنجاز عملية تشييدها.

دير المدينة الأثرية:-

تُخبرنا الآثار المصرية عن مقدار اهتمام الملوك والفراعنة بفئتي العمال والفلاحين، كنوع من التقدير لهم على الدور الكبير الذي لعبوه في بناء الحضارة المصرية العريقة.

فمدينة دير المدينة بنيت لتكون ذات طبيعة عمالية، فهي تقع على ضفة النيل الغربية وغرب مدينة الطيبة، وبدأت عمارتها بأمر من الفرعون تحتمس الأول المنحدر من العائلة التاسعة عسر لملوك مصر لتكون ملاذاً ومسكناً للعاملين في وادي الملوك خلال فترات بناء المقابر الفرعونية.

عند التدقيق في أثارها؛ نجد أنها صمُمت لتتضمن شارع رئيسي مسور بالطوب الطيني ويقع على جانبي هذا الشارع مجموعة من المنازل مترابطة مع بعضها البعض ومن المرجح أن يكون لها سقف واحد.

وما استدل عليه علماء الآثار أن هذه المدينة تم بناؤها على مراحل وتوسعات متعددة لتتضمن في النهاية 120 منزلاً يسكنها حوالي 600 عامل.

ومن استعراض المدن المصرية الثلاثة؛ نخلص إلى أن الحضارة المصرية العريقة قامت على العناية بالعمارة والبناء، بناء خاص بها يقوم على العلوم والحسابات المنظمة هذا الأسلوب المعماري الذي نعرفه باسم التخطيط الحضري والتطوير المعماري.

المصادر:-

https://www.oeaw.ac.at/acdh/projects/tell-el-daba/

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى