نوادر العرب

المتلمس الضبعي .. رأس فحول بني ربيعة من الشعراء

الأصمعي اعتبره أشعر بني ربيعة على الإطلاق، ووصفه بأنه رأس فحولهم، واختار قصيدته الميمية التي يعاتب فيها خاله الحارث بن التوءم ضمن مختاراته الأصمعيات

المتلمس الضبعي – التعريف بالشخصية:-

المتلمس الضبعي هو جُرير بن عبد المسيح بن عبدالله بن دوفن بن حرب بن وهب الضبيعي، ويُروى أن ضبيعات العرب ثلاث كلها من ربيعة، وهو شاعر من فحول شعراء الجاهلية، من بني ضبيعة ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

وُلد في النصف الأول من القرن السادس الميلادي بديار أخواله من بني يشكر، وطال مُكثه عندهم حتى كادوا أن يغلبوا على نَسبه، حتى إن عمرو بن هند – ملك الحيرة آنذاك – التبس عليه نسبه فسأل الحارث بن التوءم عن ذلك فأخبره أن المتلمس يزعم أحيانًا أنه من بني يشكر لمكثه عندهم زمنًا، وأحيانًا يقول: إنه من بني ضبيعة بن ربيعة، فقال عمرو بن هند :” ما المتلبس إلا كالساقط بين الفراشين” – مثل يُضرب في من يتردد حاله بين أمرين – فلما بلغ ذلك الموقف المتلمس فارق أخواله ليلحق بقومه، وقد لُقّب بالمتلمس لقوله في ذكر وادي العِرض باليمامة:

وهذا أوان العِــرض جُنَّ ذبابه..

زنابيــره والأزرق المتلمــسِ

عاداه بعض من قومه، واتهمه بعضهم بالمسّ والجنون؛ وذلك لانصرافه عن عبادة  الأوثان واستهزائه بها، غير أنه لم يكترث لهم واشتغل بالصيد الذي وجد فيه ملاذًا لروحه ومُلهمًا لبديع أشعاره.

عبادة الأوثان التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام

أشأم من صحيفة المتلمس :-

كان المتلمس الضبعي مَضرب المثل بصحيفةٍ حَمَلها كان فيها الأمر بهلاكه، وفي ذلك قصة عندما ارتحل إلى الحيرة ولازم عمرو بن هند وأخاه قابوس فترة من الزمن، وكانوا يتنادمون ومعهم فريق من الشعراء من بينهم طرفة بن العبد.

 وكان المتلمس وطرفة شاهدا عيان على ما كان فيه عمرو وقابوس من ترف واستبداد وظلم، فنظما أشعارًا في هجائهما.

 فأضمر عمرو لهما الشر نكايةً لما فعلاه وأراد الانتقام منها، لكنه هاب أخوال المتلمس وقوم طرفة من بني بكر، فكتم الشر بين جَنباته، وأخذ يُمنِّيهما بالعطايا والفضل لِيَأمنا مكره، ثم أمرهما بحمل كتابين إلى واليه في البحرين زاعمًا أنه أمر لهما بهِبات وأموال، فلمّا ارتحلا في طريقهما، تسلل الشك إلى صدر المتلمس لِما عهده من غدر عمرو بن هند، فعرض الكتاب على من يقرأه له، فقال له :” إن فحوى هذه الصحيفة الأمر بقتلك، فانج بحياتك من الفتك بك”، فتيقن المتلمس بالغدر والخيانة، وألقى صحيفته في نهر الحيرة وهو يُنشد :

وألقيتها بالثني من جنب كــافر .. كذلــك اقنو كل قط مضلل

رضيت لهــا بالمـــاء لمَّـــا رأيتها .. يجـــول بها التيار في كل جدول

ونبَّه طرفة بن العبد للمكيدة المُعدّة لهما، لكن طرفة استكبر زاعمًا أن عمرًا لن يجترئ عليه لمكانة قومه، وأبى أن يفضّ خاتم الملك، ففارقه المتلمس وفرّ إلى الشام واستقر في بصرى، بينما أكمل طرفة مسيره إلى البحرين لِيدفع ضريبة ثقته التي لم تكن في محلها البتة، فقُتل على يد عامل عمرو بن هند، وظل المتلمس يحرض بني بكر على الثأر لدم طرفة، ونَظَم العديد من الأشعار في ذلك.

المتلمس الضبعي – مكانته الشعرية:-

كان المتلمس الضبعي شاعرًا فحلًا ومُفوّهًا، تجرّد من تقليد القصيدة، وتمرّد على المُقدمات التشاؤمية البكائية، استخدم شعره كسلاح ضد الظلم والقهر والطغيان، كما استخدمه كداعية إلى الفضائل كالحِلم والحكمة والهداية والعلم، صنّفه ابن سلام الجمحي ضمن شعراء الطبقة السابعة في كتابه “طبقات فحول الشعراء”، وجدير بالذكر أن تصنيف الجمحي له في تلك الطبقة المتأخرة لم يكن عن نقص في بلاغته الأدبية، لكن لقلة أشعاره.

له ديوانٌ مطبوعٌ برواية الأثرم عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني، ومعظم ما ثَبُت من شعره يدور حول قصته مع عمرو بن هند، وما حدث لطرفة، وتحريضه لبني بكر، ولم يخل ديوانه من قصائد الفخر بقومه وأمه، وبعض العتاب والمدح، والكثير من الحكمة والتأمل.

آراء النّقاد في المتلمس الضبعي:-

تناثرت الكثير من آراء النقاد في المتلمس هنا وهناك، وهذه بعض مما وصلنا من تلك الآراء:

الأصمعي إمام اللغة
المتلمس الضبعي كان محط اهتمام الأصمعي
  • الأصمعي اعتبره أشعر بني ربيعة على الإطلاق، ووصفه بأنه رأس فحولهم، واختار قصيدته الميمية التي يعاتب فيها خاله الحارث بن التوءم ضمن مختاراته الأصمعيات.
  • المفضل الضبي قال إنَّه: كان من أوائل الذين رووا قصة صحيفة المتلمس، واعتبره أشعر أهل زمانه.
  • تناول محمد بن عمرات المرزباني الألفاظ المُستكرهة في أشعار المتلمس الضبعي، والأبيات المضطربة القوافي، فيقول :” ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، القلفة القوافي، الرديئة النسج، فليست تسلم من عيب يلحقها في حشوها أو ألفاظها أو معانيها، ومنها قوله : ما عاشَ عمرو ولا عُمّرت قابوسُ، أراد: عُمِّر قابوس”.
  • القَرَشي محمد بن أبي الخطاب جعله ثالث أصحاب المُنتقيات؛ وهم : المسيّب بن عَلس، والمُرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودُريد بن الصمة، والمتنخّل الهذلي، واختار من بديع شعره قصيدته السينية التي مطلعها:

كم دون مية من مستعمـــل قــذف..

ومن فــلاة بها تستـودع العيــس

قصيدته السينية:-

نظمها المتلمس الضبعي ليُحرض فيها بني بكر – قوم طرفة بن العبد – على الأخذ بثأرهم من عمرو بن هند بعد مقتله، يقول في مطلعها:

يـــا آلَ بَكـــــــرٍ أَلا لِلَّهِ أُمُّكُــــــمُ .. طــــالَ الثَواءُ وَثَوبُ العَجزِ مَلبُوسُ

أَغنَيتُ شَأني فَأَغنوا اليَومَ شَأنَكُمُ.. وَاِستَحمِقوا في مِراسِ الحَربِ أَو كيسوا

إِنَّ عِلافًا ومَن بِاللَــوذِ مِن حَضَنٍ .. لَمَّــــا رَأَوا أنَّهُ دينٌ خَلابيسُ

شَدُّوا الجِمالَ بِأَكوارٍ عَلى عَجَلٍ.. والظُلمُ يُنكِرُهُ القَومُ المَكاييسُ

كانوا كَســـامَةَ إِذ شَعفٌ مَنازِلُــــهُ .. ثُـــمَّ اِستَمَرَّت بِهِ البُزلُ القَناعِيسُ

حَنَّت قَلوصِي بِها وَاللَيـــلُ مُطَّرِقٌ .. بَعــدَ الهُدُوِّ وَشاقَتها النَواقيسُ

مَعقولَةٌ يَنظُـرُ التَشـريقَ راكِبُهــا .. كَـــأَنَّها مِن هَوىً لِلرَّملِ مَسلوسُ

وَقد أَلاحَ سُهَيلٌ بَعدَمـــا هَجَعــوا .. كَـــأَنَّه ضَرَمٌ بِالكَفِّ مَقبوسُ

أَنَّى طَـرِبتِ وَلَم تُلحَــي عَلى طَـــرَبٍ .. وَدونَ إِلفِكِ أَمراتٌ أَماليسُ

رائعته الميمية:-

كانت هذه القصيدة من بديع ما قيل في الشعر في الفخر، يفخر فيها المتلمس الضبعي بأمه وبقومه، يقول أبو عمرو بن العلاء: إن العرب كانت تتطهر إذا أرادت أن تنشد تلك القصيدة؛ لرُقي ما فيها من المعاني الرفيعة، وهي أولى قصائد ديوانه، يقول في مطلعها:

يُعيِّرُنــي أمِّــي رِجــــــالٌ لا أَرى .. أَخـــــــا كَرمٍ إلِاّ بأن يتكَرَّما

ومن كان ذا عِرضٍ كــريمٍ فَلم يَصُن .. لــهُ حَسَبًا كان اللَئيمَ المُذَمَّما

أَحــــارِثُ إِنّا لَو تُشاطُ دِماؤُنــــا .. تَزَيَّــلنَ حتّى لا يَمسَّ دَمٌ دَما

أَمُنتَقِــــلًا مِــن آلِ بُهثَــــةَ خِــلتَنــي .. أَلا إِنَّني مِنهُم وإِن كُنتُ أَينَما

أَلا إنَّني مِنهُـم وَعِرضِيَ عِرضَـهُــمُ .. كَــذي الأَنفِ يَحمي أَنفَهُ أَن يُكَشَّما

وَإنَّ نِصـــابي إِن سَــــألتَ وَأُســرَتي .. مِـنَ الناسِ حَيٌّ يَقتَنونَ المُزَنَّما

وكُنــا إِذا الجَبَّـــــارُ صَعَّـــرَ خَــدَّهُ .. أَقَمنــــا له من مَيلِهِ فَتَقَوَّما

إِذا اختَلَفَت يَومًــا رَبيعَةُ صـــادَفَت .. لنـــا حَكَماً عَدلًا وَجَيشاً عَرَمرَما

لِذي الحِلمِ قَبلَ اليَومِ ما تُقرَعُ العَصا.. وَما عُلِّمَ الإِنسانُ إِلا لِيَعلَما

وَلـــو غَيرُ أَخـــوالي أَرادوا نَقيصَتي .. جَعَلــتُ لَهُم فَوقَ العَرانينِ ميسَما

وفاته:-

انقطعت أخبار المتلمس الضبعي ، بعدما لبث في الشام سنوات، وقيل: إنه توفي في الثلث الأخير من القرن السادس الميلادي.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

● المتلمس الضبعي، ديوان شعر المتلمس الضبعي، الصيرفي.
● ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء.
ابن قتيبة، الشعر والشعراء.
● أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى