أعلام

شهاب الدين النويري .. عالم بحاث غزير الاطلاع ذكي الفطرة

"نهاية الأرب" يعد موسوعة ضخمة تجمع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع

شهاب الدين النويري:-

أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، المؤرخ الكبير شهاب الدين النويري نسبة إلى نُوَيْرة من قرى بني سويف بمصر، وُلِدَ بقُوْص المصرية سنة 677هـ، ونشأ بها.

حياته السياسية:-

اتصل بالسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووكله السلطان في بعض أموره، وتقلَّب في الخدم الديوانية، وباشر نظر الجيش في طرابلس، وتولَّى نظر الديوان بالدقهلية والمرتاحية.

مكانة النويري العلمية:-

عالم بحاث غزير الاطلاع، كان ذكي الفطرة، حسن الشكل، فيه أريحية وود لأصحابه، وله نظم يسير ونثر جيد.

كتاب شهاب الدين النويري «نهاية الأرب في فنون الأدب»:-

يكفي شهاب الدين النويري فخراً أنه مصنف «نهاية الأرب في فنون الأدب»، وهو كتاب كبير جداً، وهو أشبه بدائرة معارف لما وصل إليه العلم عند العرب في عصره، يقول فازيليف: “إن «نهاية الأَرَب» على الرغم من تأخر عصره، يحوي أخباراً خطيرة عن صَقِلِّيَّة، نقلها عن مؤرخين قدماء، لم تصل إلينا كتبهم؛ مثل ابن الرقيق، وابن رشيق، وابن شداد، وغيرهم”.

حديثه في كتابه عن خيرات مصر

ويعد كتاب «نهاية الأَرَب في فنون الأَدَب» الذي استغرق المؤرخ في تدوينه عشرين عاماً، موسوعة ضخمة تجمع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والاجتماع، والعلوم الدينية، ونظم الحكم، والتراجم والفنون والعلوم التي لم يجمعها من قبل ولا من بعد كتاب في مجاله، وذكره أصحاب كتب التاريخ والتراجم باسم تاريخ النُّوَيْري، وتميز أسلوبه بالبساطة والوضوح والبعد عن التعقيد، والإغراق في التخصص العلمي والمصطلحات التي لا يعرفها إلا أهل العلم.

وتشمل هذه الموسوعة واحداً وثلاثين مجلداً ضخماً، كل مجلد يشغل جزأين، وقد قسم الموسوعة إلى خمسة فنون، خصص الفنون الأربعة الأولى لدراسة السماء والأرض والإنسان والحيوان والنبات، وخصص الفن الخامس للتاريخ وفيه برزت براعة شهاب الدين النويري التاريخية وقدرته على الرصد والتحليل والتأريخ، والمطَّلع يجد أن التاريخ هو قوام هذه الموسوعة.

التاريخ يمثل لب كتاب تاريخ النويري:-

فالمادة التاريخية هي لب الكتاب وعموده، وتشغل واحداً وعشرين مجلداً، سرد فيه تاريخ الإنسانية بدءاً من أبي البشر آدم عليه السلام، مروراً بالأنبياء، حتى سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، ومراحل التاريخ الإسلامي المتعددة، ويشغل تاريخ مصر أربعة مجلدات من تاريخ الدولة الفاطمية فالأيوبية ثم تاريخ الشام والصليبيين، ثم تاريخ الدولة المملوكية حتى وفاته، كما بذل عنايته بتدوين كل ما يتعلق بتاريخ الدواوين في الدولة الإسلامية، وساهمت جهود شهاب الدين النويري في صنعة الديوان في الارتقاء بهذا العلم؛ ولذلك اعَتَمَدَ على كتاباته من جاء بعده؛ مثل ابن فضل الله العمري في كتابه الجامع «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»، والقَلْقَشَنْدي في كتابه الموسوعي «صبح الأعشى في صناعة الإنشا».

النويري يتحدث عن سمات بغداد رغم معاصرته لها بعد تعرضها للغزو المغولي

والانطباع الذي يخرج به قارئ الكتاب هو أن الثقافة العربية الإسلامية كان لها فضل السبق في الربط بين أنساق معرفية مختلفة ومحاولة صهرها في بنية ثقافية مكتملة، وذلك قبل أن يتجه كُتَّاب الغرب ودارسوه في عصر النهضة الأوروبية إلى مثل هذه الأعمال الموسوعية التي تحاول أن تجمع شتات معارف متفرقة؛ لذا اعتنى الغربيون بهذا الكتاب وحرصوا على ترجمته للغات الأوروبية.

نماذج مما كتب في نهاية الأرب:-

نظراً لتوسُّع النويري في كتابه، وتبحُّرِه في التأريخ لقدرٍ واسعٍ من الحِقب الزمنية والمواقع والمدن والأحداث وأمزجة البشر فضلاً عن النبات والعطور وسواها؛ فإننا سنكتفي بذكرِ جزءٍ مما جاء على ذكرهِ في كتابه.

وسنتناول هنا مقدمته للفصّلِ الذي خصَّصهُ في كتابه للحديثِ عن النبات، أنواعه، والبيئات التي يترعرع فيها..، وفيما يلي شطرٌ من هذهِ المقدمة التي تميط اللثام عن إمكانات النويري اللغوية والأدبية الهائلة.

يقول النويري: ” وهذا الفنُّ (النبات) وأن جلَّ مقدارُه، وحسنت آثارُه، وأشرقت أنوارُه، وزها نُوَّاره، وتفيأت خامات زروعه، ونتبتت أصولُه تحت فروعه، وتدبَّجت خمائلُه، وتأرَّجت بُكَرُه، وطابت أصائلُه، وابتهج إغريضُهُ، واتّسق نضيدهُ، وتسلَّسلت غُدرانُ مائه، وزهَت أرضهُ على سمائه، وتعدّدت منافعه، وعذُبت منابعه، وكان منه ما هو للنفس قوتاً، وماحكت ألوانُه زمرَّداً وياقوتاً، وما أشبه اللُّجَين والعِقيان، وما غازل بعيونهِ مُقَلَ الحِسان، وما نُسِبت إليه الوَجَنات في احمرارِها، وألوانُ العشّاق في اصفرارِها، وأشبهته القدودُ عند تمامِها…”.

كسا حديثه عن النبات والزرع بطابعه الأدبي المتميز

 ويزيد .. ” وكانَ هذا الفنّ أحدَ شطرَيّ النَّامي، وقسيمَ النوع الحيواني، فإنَّا لم نقصد بإيرادهِ استيعابَ نوعِه، واستكمالَ جِنسه، واستيفاءَ منافِعه والإحاطةَ بمجموعِه، ولا تصدَّينا لذلك، ولا تعرَّضنا لخوض هذا اللّجج وطروقِ هذه المهالك، لأمورٍ منها: تعذُّرُ الإمكان، وضيقُ الزمان؛ ولأنَّ هذا الفن عجز عن حصرِه فلاسفةُ الحُكماء، ومشاهيرُ الأطباء، وسكّانُ البوادي، ومن جمعتهم الرِّحاب وضمَّتهم النوادي، وما لازموا النبات من حين استهلَّت عليه الأنواءُ وباكرته الغَوادي، فاطّلَعَ كلٌّ منهم على ما لم يطَّلِع الآخر عليه، .. “.

وفاته:-

توفي المؤرخ شهاب الدين النويري في القاهرة سنة 733هـ.

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى