أعلام

أبو عبد الله الواقدي .. أحد أبرز مؤرخي الإسلام

كان يقول: "حفظي أكثر من كتبي"

أبو عبد الله الواقدي:-

محمد بن عمر بن واقد، أبو عبد الله الواقدي المدني، من أقدم مؤرخي الإسلام وأشهرهم، وُلِدَ بالمدينة المنورة سنة 130هـ، كان تاجر حنطة، فضاعت ثروته.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

كان أبو عبد الله الواقدي إماماً عالماً بالمغازي والسِّيَر والفتوح وأيام الناس، وكان يقول: “حفظي أكثر من كتبي”، وقد تحول مرة وكانت كتبه مئة وعشرين حملاً.

قال عنه المسيبي: كان الواقدي يجلسُ إلى اسطوانه في مسجد المدينة، وسُئِلَ: أي شيءٍ تدرُس؟، قال : جُزئي من المغازي، وكان الواقدي دائم الاتصال بالتابعين من أبناء الصَّحَابة، وأبناء الشُهَدَاء، ويسألهُم عن أماكن استشهاد ذويهم.

استفادَ كثيراً من علم أبي معشر السندي “نجيح” في المغازي والتاريخ، إذ كانَ تلميذه عندما كانَ في المدينة التي حينما وَفَدَ إليها المهدي اصطحبه إلى بغداد وأمرَ لهُ بألف دينار، وقال له: “تكونُ بحضرتنا فَتُفَقِّهُ مَنْ حَوْلَنَا”.

سمع أبو عبد الله الواقدي من صغار التابعين فمن بعدهم بالحجاز والشام، وكان ممن سمع منهم: أبي ذئب، ومَعْمَر بن راشد، ومالك بن أنس، وسفيان الثَّوْرِي، ومحمد بن عجلان، وابن جُرَيج، وغيرهم.
وروى عنه: كاتبه محمد بن سعد صاحب «الطبقات الكبرى»، وأبو بكر بن أبي شَيْبَة، وأبو بكر الصَّاغاني، وغيرهم.

ضعَّفه علماء الحديث، وتكلموا فيه، قال الإمام الذهبي: “جمع فأوعى، وخلط الغَثَّ بالسمين، وَالخَرَزَ بالدر الثمين، فَاطَّرَحُوهُ لذلك، ومع هذا، فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة، وأخبارهم”.

يقول عنه البخاري: “إنهُ منكَرُ الحَديث”.

وقال ابن حجر العسقلاني: “متروك مع سعة علمه”.

أبو عبد الله الواقدي يتولى القضاء:-

انتقل أبو عبد الله الواقدي إلى العراق سنة 180هـ في أيام هارون الرشيد، واتصل بيحيى بن خالد البرمكي فأفاض عليه عطاياه وقربه من الخليفة، فولي القضاء ببغداد، وولاه المأمون القضاء بعسكر المهدي بالرُّصَافة في الجانب الشرقي من بغداد.

نوادره:-

  • كان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته، وكتب أبو عبد الله الواقدي إليه مرة يشكو ضائقة لحقته وركبه بسببها دين، وعيَّن مقداره في قصته، فوقع المأمون فيها بخطه: فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت، وإن كن قصَّرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بَسْطَة يدك، فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال للزبير: «يَا زُبَيْرُ إِنَّ مَفَاتِيحَ الرِّزْقِ بِإِزَاءِ الْعَرْشِ، يُنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعِبَادِ أَرْزَاقَهُمْ عَلَى قَدْرِ نَفَقَاتِهِمْ، فَمَنْ كَثَّرَ كَثَّرَ لَهُ، وَمَنْ قَلَّلَ قَلَّلَ لَهُ»، قال أبو عبد الله الواقدي: وكنت نسيت الحديث، فكانت مذكراته إياي أعجبُ إليَّ من صلته.
يعتبرُّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في طليعة الخلفاء المسلمين الذين أبدوا اهتماماً غير مسبوق بالعلم، فضلاً عن الفلسفة والمنطق والمناظرات العلنية
المأمون كان أحد أبرز خلفاء بني العباس إن لم يكن أبرزهم
  • وقال الواقدي: كان لي صديقان أحدهما هاشمي والآخر نَبَطي، وكنا كنفسٍ واحدةٍ، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت لي امرأتي: أمَّا نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأمَّا صبياننا هؤلاء قد قطعوا قلبي رحمةً لهم؛ لأنهم يرون صبيان جيراننا وقد تزينوا في عيدهم وهم على الهيئة، فلو احتلت فيما نصرفه في كسوتهم، فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ مما حضر، فوجَّه إليَّ كيساً مختوماً ذَكَرَ أنَّ فيه ألف درهم، فما استقر قراره؛ حتى كتب إليَّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوته صاحبي، فوجَّهْتُ إليه بالكيس على حاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت ليلتي مستحيياً من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسَنَتْ ذلك ولم تُعنِّفني فيه، فبَيْنَا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس على هيئته.
  • وقال: أصدقني عما فعلته فيما وجَّهْتُ به إليك، فعرَّفْتُه الخبر على جليته، فقال: إنك وجَّهْتَ إليَّ وما أملك على الأرض إلا ما بعثْتُ به إليك، وكتبْتُ إلى صديقنا أسأله المواساة فوجَّه إليَّ بكيسي وخاتمي، قال: فأخرجْتُ للمرأة مائة درهمٍ، وتقاسمنا الباقي بيننا أثلاثاً.

وزاد ” وصل الخبر إلى المأمون، فدعاني وسألني عنه، فشرحته له، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار؛ منها ألف للمرأة، وألفان لكل واحد منا”.

أبو عبد الله الواقدي -أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن العماد الحنبلي: “من أقدم المؤرخين في الإسلام، ومن أشهرهم، ومن حفَّاظ الحديث، وأحد أوعية العلم على الرغم من ضعفه المتفق عليه”.
  • قال عنه تلميذه وكاتبه ابن سعد : ” كان عالماً بالمغازي والسِّيرة والفُتوح، واختلاف النَّاس في الحديثِ والأحكامِ واجتماعهِم على ما اجتمعوا عليه، وقد فسَّرَ ذلكَ في كُتُبٍ استخْرَجَهَا ووضعها وحدَّثَ عنها”.
  • قال الخطيب البغدادي: “كان الواقدي كلما ذكرت له وقعة ذهب إلى مكانها فعاينها”، وقال أيضاً: “هو ممن طَبَّقَ ذكره شرق الأرض وغربها، وسارت بكتبه الركبان في فنون العلم من المغازي، والسير، والطبقات، والفقه، وكان جواداً، كريماً، مشهوراً بالسخاء”.
  • وقال عنه وكيع : ” الواقدي من المتسعين في العلم”.
  • يطعنُ عليه علي المديني بالقول: ” عندَ الواقِدي عشرون ألف حديثٍ لم يُسْمَع بِهَا”، وقال أيضاً :”إلى الواقدي المنتهى في المغازي والسِّيَر والأخبار وأيَّام النَّاس والوقائع والفقه”.
  • وقال عنه عباس الدوري : “مات الواقدي وهو على القضاء، وليس له كفن، فبعث المأمون بأكفانه”.
  • وقال ابن كثير: “والواقدي عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالباً، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار”.
شهد ابن كثير بعلم الواقدي
  • قال يعقوب بن بيشة: “لمَّا تحوَّل الواقدي من الجانب الغربي إلى الجانب الشَّرْقي من بغداد، يقال: إنهُ حَمَلَ كُتبه على عشرين ومائة وَقْرٍ”.
  • بدوره؛ قال الدكتور محمد رجب البيومي: “والحَقُ أنَّ الواقدي قد سدَّ في تاريخ الصَّحابة والتابعين وتابعي التَّابعين مَسدَّاً لم يقُم به سواه، إذ كان يحرِص على لقاء أحفاد الصَّحابة في أماكن شتَّى يرحلُ إليها، ليسأل كل حفيدٍ عمَّا يعلمه من سيرةِ الصَّحابي والتَّابعي، ويسأل عن موضع استشهاده إذا استشهد، ويذهب إلى المكان فاحصاً سائلاً، وعن قبره إذا ماتَ موتاً طبيعياً فيزوره ويترحَّم عليه، لذلك جَمَع من الأخبار ما لم يُتِح لسواه من أساتذته وتلاميذه معاً؛ لأنَّه لم يقتصر على طلب العلم بالتَّاريخ من علمائه بل جَعَل المشاهدة مصدراً من مصادره، ولو عَاشَ بيننا اليوم لكانَ إلى علمه الغزير صحافيَّاً كبيراً يقوم بالاستطلاعات الوافية ذات الصُّور والأسئلة والأجوبة والتعليقات”.
  • وقال إبراهيم الحربي: الواقدي آمن الناس على أهل الإسلام، وكان أعلم النَّاس بأمر الإسلام.

أبو عبد الله الواقدي -المآخذ عليه:-

أولا: جمعه للأسانيد:

من المآخذ التي رآها الإمام أحمد بن حنبل في نقده للواقدي إنكاره عليه جمعه للأسانيد، ومجيئه بالمتن واحداً، ولذلك قال: ” .. ليس أُنكر شيئاً إلا جمعه الأسانيد، ومجيئه بمتن واحد في سياقة واحدة، عن جماعة وربما اختلفوا”.

ثانياً: قلبه للأحاديث:

أخَذ عليه ابن حنبل أيضاً قلبه للأحاديث، لذا نُقِلَ عن ابي داود أنه قال عن الواقدي: “لا أكتبُ حديثهُ، ما أشكُّ أنهُ كان يقلبُ الحديث”.

ثالثاً: تركيب الأسانيد:

أن الإمام أحمد بن حنبل وصف الواقدي بأنه يُركِّب الأسانيد، ولذلك؛ كان الإمام الشافعي قد قال: “كتب الواقدي كذب” وقال أيضاً “الواقدي وصلَ حديثين”، أي لا ينبغي أن يوصَلا، فيما قال عنه مُسلِم “متروك الحديث”.

وفي السياق ذاته؛ قال عنه ابن حجر العسقلاني: “ليس بمعتمد”، “لا يُحتجُّ به”، وقال أيضاً : ” شديد الضعف إذا انفرد، فكيف إذا خالف”، وزاد “متروك مع سعة علمه”.

موضع الواقدي في تسلسل المؤرخين المبكرين (ضُحى الإسلام لأحمد أمين).

كتب الواقدي ومصنفاته:-

للمؤرخ الواقدي العديد من المصنفات

  1. المغازي النبوية.
  2. الرِّدَّة: ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومحاربة الصحابة لطليحة بن خويلد الأزدي، والأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب.
  3. فتح إفريقية.
  4. فتح العجم.
  5. فتح مصر والإسكندرية.
  6. تفسير القرآن.
  7. الطبقات.
  8. فتوح العراق.
  9. سيرة أبي بكر ووفاته.
  10. مقتل الحسين.
  11. فتوح الشام.

قال الواقدي عن نفسه: ما أدركتُ رجلاً من أبناء الصَّحَابة وأبناء الشُهدَاء، ولا مولى لهُم إلَّا سألته: هل سمعتَ أحداً من أهلِكَ يُخبركَ عن مشهده وأينَ قُتِل؟، فإذا أعلمني مضيتُ إلى الموضع فأعاينهُ، ولقد مضيتُ إلى المريسيع فنظَرْتُ إليها، وما علمت غُزاة إلَّا مضيتُ إلى الموضِعِ حتى أُعاينُه.

وفاته:-

توفي المؤرخ أبو عبد الله الواقدي يوم الإثنين، 11 ذي الحجة، سنة 207هـ، وهو يومئذ قاض ببغداد، وصلى عليه محمد بن سَمَاعَةَ التميمي، ودُفِنَ في مقابر الخيزران.

وفي سياق تأريخه للعام 207 هجري؛ قال ابن الأثير في “الكامل في التاريخ”: “وفيها توفِّيَ محمد بن عُمر بن واقد الواقدي، وكان عُمرُهُ ثمانياً وسبعين سنة، وكان عالماً بالمغازي واختلاف العُلَماء، وكان يضَعَّف في الحديث”.

بغداد خلال الثلث الأول من القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الأعلام (6/311).
  • سير أعلام النبلاء (9/454/رقم 172).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/19).
  • العبر في خبر من غبر (1/277).
  • وفيات الأعيان (4/348/رقم 644).
  • تاريخ فتوح الجزيرة والخأبور وديار بكر والعراق، تحقيق عبد العزيز حرفوش.
  • الواقدي وكتابه المغازي، منهجه ومصدره، عبد العزيز السلومي.
  • الكامل في التاريخ، ابن الأثير.
  • هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد، محمد رجب البيومي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى