أعلام

الليث بن سعد .. شيخ الديار المصرية

من الكرماء الأجواد والأثرياء.. ويقال: إن دخله كان كل سنة خمسة آلاف دينار

اسمه ونشأته:

الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْمِي الأصبهاني المصري، شيخ الديار المصرية وعالمها في الفقه والحديث، وأصله من أصبهان، وقد وُلِدَ في قَلْقَشَنْدَة إحدى قرى القاهرة، في شهر شعبان، سنة 94هـ.

صفاته:

كان ثقةً، وكان من الكرماء الأجواد، وكان ثرياً، ويقال: إن دخله كان كل سنة خمسة آلاف دينار، وكان يفرقها في الصِّلات وغيرها، وقال منصور بن عمار: أتيت الليث فأعطاني ألف دينار، وقال: صن بهذه الحكمة التي آتاك الله تعالى.

وقال أشهب: “كان الليث لا يردُّ سائلاً، وكان يُطعِم النَّاس الهرائس بعسل النَّحل وسمن البقر في الشِّتاء، وفي الصَّيف بشيءٍ من اللوز والسُكَّر”.

وكان يُعينُ على نوائب الحق، يقول قتيبة بن سعد: “ولمَّا احترقَت كتب ابن لهيعة؛ بعث إليه الليث بن سَعد كاغداً بألف دينار”.

كانَ الليث يعيش حياةً مُتَّزنة، ينأى بنفسه عن الانفعالات، ومن أجل ذلك تمتَّع بشبابٍ طويل، حيث قال أبو رجاء: “وكان الليثُ أكبر من ابن لهيعة، ولكِن إذا نَظَرْتَ إليهما تقول: ذا ابن وذا أب”، يعني ابن لهيعة الأب.

مكانته العلمية:

حج سنة 113هـ وهو ابن عشرين سنة، فسمع من: عطاء بن أبي رَبَاح، وابن أبي مُلَيْكة، وابن شهاب الزُّهْرِي، ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وغيرهم كثير.

الليث بن سعد
تأدية فريضة الحج واجب على كل مسلم مستطيع

وروى عنه: ابن المبارك، وسعيد بن أبي مريم، وابن عجلان، وغيرهم خلق كثير.

قال الليث بن سعد: “كتبت من علم محمد ابن شهاب الزهري علماً كثيراً، وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرُّصافة، فخفت أنْ لا يكون ذلك لله تعالى فتركته”.

وكان كبير الديار المصرية، ورئيسها، وأمير من بها في عصره، بحيث إن القاضي والنائب من تحت أمره ومشورته؛ وكان الشافعي يتأسف على فوات لقيه.

تورُّع الليث عن المناصب:

أراد المنصور أن يوليه مصر فأبى، وتولى قضاءها، قال الليث: قال لي أبو جعفر: تلي لي مصر؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي. فقال: ما بك ضعف معي، ولكن ضعفت نيتك في العمل لي.

علاقته بأمير مصر:-

وتناول الدكتور عبد الحليم محمود، طبيعة العلاقة التي نشأت بين الليث بن سعد و الوليد بن رفاعة بن خالد الفهمي وهو أمير مصر في ذلك العهد.

فقد قال القضاعي في خِطَطِه في الكَّلام على دار الليث بالفُسطاط:” وكان له دار بقرقشنده الريف، بناها، فهدمها ابن رفاعة أمير مصر، عِناداً له، وكان ابن عمَّه”.

فبناها الليث ثانياً: فهدمها، فلمَّا كانت الثالثة؛ أتاه آتٍ في منامه، فقال له: يا ليث : (ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)”.

وفي صباح اليوم التالي؛ كان ابن رفاعة قد أُصيبَ بالفالج، فأوصى لليث، ومات بعد ذلك ثلاث أيَّام، وتُفيد الروايات التي بأن الأول قد ندِم على ما بَدَر منه تجاه الثاني.

الليث بن سعد
مساجد مصر في العام 1870 م – مكتبة الكونغرس

وهنا يقول يحيى بن بكير: ” كَتَب الوليد بن رفاعة وهو أمير مصر في وصيته: قد أسندتُ وصيتي لعبد الرحمن بن خالد بن مسافر إلى الليث بن سعد، وليس لعبد الرحمن أن يفتات على الليث فإنَّ له نُصحاً ورأياً، وكان الليث يومئد ابن أربع وعشرين سَنة”.

وابن رفاعة قلَّده الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، الإمارة على مصر وذلك سنة 109 هجرية، وتوفي سنة 117 هجرية.

أقوال العلماء فيه:

  • قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به”.
  • وكان ابن وهب تقرأ عليه مسائل الليث، فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكاً يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهب للرجل: “بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحداً قط أفقه من الليث”.
  • وقال ابن وهب أيضاً: ” كان الليثُ يصِلُ مالك بن أنس بمائة دينار في كُلِّ سَنة، فكَتَبَ مالكٌ إليه: أنَّ عليَ ديّناً، فبعث إليه بخمسمائة دينار”.
  • وقال ابن خَلِّكان: “رأيت في بعض المجاميع أن الليث كان حنفي المذهب، وأنه ولي القضاء بمصر، وأن الإمام مالكاً أهدى إليه صينية فيها تمر، فأعادها مملوءة ذهباً، وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير؛ ليحصل لكل من أكل كثيراً أكثر من صاحبه”.
ابن خلِّكان صاحب “وفيات الأعيان”
  • وقال ابن سعد: “كان ثقةً، كثير الحديث، صحيحه، وكان قد اشتغل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريّا -أي شريفاً- من الرِّجال، نبيلاً، سخيّاً، له ضيافته”.
  • وقال يحيى بن بكير: “ما رأيت أحداً أكمل من الليث، كان فقيهَ النفس، عربيَّ اللسان، يحسن القراءة والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة”.

نوادر الليث ومأثوراته:

  • قيل: إن الإمام مالكاً كتب إليه من المدينة: بلغني أنك تأكل الرقاق وتلبس الرقاق وتمشي في الأسواق، فكتب إليه الليث بن سعد: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
  • قيل: أنفذَ هارون الرَّشيد إلى الإمام مالك بن أنس خمسمائة دينار، فبلغ ذلك الإمام الليث بن سعد، فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب الرَّشيد، فقال الخليفة العباسي للَّيث: أعطيته خمسمائة دينار، وأعطيتهُ أنتَ ألفاً، وأنتَ من رعيتي!، قال: يا أمير المؤمنين: إن لي في كلِّ يوم من غلَّتي ألف دينار، فاستحسنتُ أن أعُطي مثله أقل من دخل يوم، وحُكِيَ عنه أنَّه لم يجب عليه زكاةً قطَّ، مع أن في كلِّ يوم دخله ألف دينار.
  • وقد جرى في بغداد؛ حديث بين الإمام الليث والخليفة العباسي هارون الرشيد فيه حِكمة، وفيه من سداد الرَّأي ما فيه، فقد روى ابن حجر العسقلاني عن الليث قال: لمَّا قدِمت على هارون الرشيد، قال لي: يا ليث، ما صَلاح بلدكم؟، قُلت: يا أمير المؤمنين، صَلاحُ إجراء النيل وصَلاحُ أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدَر، فإذا صَفا رأس العين صَفَت العين، فقال الرشيد: صدَقَّت يا أبا الحارث.
  • وقال الليث بن سعد: “بلغت الثمانين، وما نازعت صاحب هوىً قط”.

وفاة الليث:

توفي في القاهرة يوم الخميس، 14 شعبان، سنة 175هـ، ودفن يوم الجمعة في القرافة الصغرى، وقبره أحد المزارات.

وقال بعض أصحابه: لما دفنَّا الليث بن سعد سمعنا صوتاً وهو يقول:

ذهــــبَ اللَّيـــــثُ فلا ليـــــثَ لكــــم .. ومضى العِلـــمُ قريباً وقُبِر

قال: فالتفتنا فلم نر أحداً.

وقال خالد بن عبد السلام الصَّدَفِيُّ: شهدت جنازة الليث بن سعد مع والدي، فما رأيت جنازة قط أعظم منها، رأيت الناس كلهم عليهم الحزن، وهم يعزي بعضهم بعضاً، ويبكون، فقلت: يا أبت، كأن كل واحد من الناس صاحب هذه الجنازة. فقال: يا بني، لا ترى مثله أبداً.

هناك  لوحتان على باب حديدي متصل بمسجد الليث مؤرختان بعامي 1194 و 1201، تقرأ على السُّفلى منها :

إذا رُمــت المكــــــارِم مِــن كــريمٍ .. فيمــم من بنى للفضل بيتـــاً

فذاك الليـــــــثُ من يَحمي حِمــــــاهُ .. ويُكرِم جاره حيَّا وميِّتــــاً

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/248).
  • الليث بن سعد، إمام أهل مصر، عبد الحليم محمود.
  • سير أعلام النبلاء (8/136/رقم 12).
  • المستجاد من فعل الأجواد، التنوخي، تحقيق أبو الحسن المزيدي.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/339).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (2/82).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/127/549).

https://cdn.loc.gov/service/pnp/wtc/4a00000/4a02000/4a02800/4a02866r.jpg

Image by Abdullah Shakoor from Pixabay 

https://www.freepik.com/free-vector/muslim-person-praying-mosque_4820461.htm#page=2&query=muslim+pray&position=30

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى