أعلام

الكميت بن زيد .. الخطيب والشاعر الأسديّ

كان ذكاؤه مُتوقِّدًا، وجوابه في غمضِ العينِ حاضرًا، فأُسنِدَت إليه مهمة الخَطابة في قبيلته

لمْ يكن الكميت بن زيد سليلَ أسرة أسدية عريقة، لِيفخرَ بها في أشعارِه، لكنَّ مَناقبَ شخصيَّته تسابقتْ لِتجعله مَفخرةَ عصره، ودفعه اعتزازه بنفسه لِأنْ يَنسلخ عن نمطيّة القصيدة، ليُؤسس رؤيةً أدبيةً جديدةً، يُحقق بها مَرامِيه الشّعرية.

نبذة تعريفية عن الكميت بن زيد :-

هو الكميت بن زيد بن خنيس بن مخالد الأسدي، ولد في الكوفة سنة 60 هـ، كنيته أبو المستهل، هو شاعر من أبرز شعراء العصر الأموي، من قبيلة بني أسد.

تجمعت فيه الكثير من المناقبِ التي قلّما تجتمع في شخصٍ واحد؛ فقد كان ذكاؤه مُتوقِّدًا، وجوابه في غمضِ العينِ حاضرًا، حفظ القرآنَ الكريمَ، وتبحَّر في علوم الدين وخاصةً علم الفقهِ، فأُسنِدَت إليه مهمة الخَطابة في قبيلته، وكان فارسًا شجاعًا، لم تحظى قبيلة بني أسد بأرمَى منه، ومُناظِرًا قويًّا، وكان أوّل من ناظر في التّشيُّع، كما كان حَسَن الخط، فريد النّظم، فلا عَجب لِكونه شديدَ الاعتزازِ بنفسه، والفخر بها في أشعاره، غيرَ أنه لم يكنْ حسنَ الإنشادِ، فكان يُسند تلك المهمة لابنه المستهل الذي كان فصيحًا جَهوريَّ الصوتِ بديعَ الإنشاد.

اشتهر الكميت بن زيد بالتَّشيع، وقد نظم العديد من القصائد في أهل البيت، وعُرفت هذه القصائد بالهاشميّات، كما كان شديد التَّعصُّب للعدنانيِّة، شديد المهاجاة لشعراء اليمن، واشتعلت المُناظرات والمُناقضات بينه وبينهم في حياته وبعد مماته، وأشهر قصائده في هجاء اليمن وخاصة الشاعر حكيم بن عياش الكلبي مذهّبته التي مطلعها: “ألا حُيّيت عنّا يا مدينا”، والتي قال عنها الأصفهاني :«وهي ثلاثمائة بيت، لم يترك فيها حيًّا من اليمن إلا هجاهم».

الكوفة التي عاش فيها كميت بن زيد

أقوال العلماء في الكميت بن زيد :-

  • قال أبو عبيدة عن الكميت بن زيد : ” لو لمْ يكنْ لِبني أسد مَنقبة غير الكميت لَكفاهم”
  • وسُئِل معاذ الهرّاء عن أَبلغِ الشعراء، فقال :”امرؤ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وعبيد بن الأبرص هم أَشْعر الجاهليين، والفرزدق، وجرير، والراعي، والأخطل، هم أَشْعر الإسلاميين، فقِيل له : فما قولك في الكميت؟ فقال: ذاك أشعر الأوَّلين والآخرين”.
  • وقال محسن الأمين عن شعره :”مما لا مِراء فيه ولا جدال أن شعر الكميت جديد على الشعر العربي، فهو يدل على الخطوات العقلية التي خطاها العرب والاحتجاج في الشعر، ذلك الطابع الجديد في شعرنا العربي في دولة بني أمية اشتهر به، وهو أول شاعر رصد أكثر شعره لخدمة فكرة عقائدية معينة في العهد الأموي”
  • وقال الأصفهاني: “شاعر، مقدَّم، عالم بلغات العرب، خبير بأيّامها، من شعراء مضر وألسنتها المُتعصبين، ومن العلماء بالمثالب والأيام المفاخرين بها، كان في أيام بني أميّة، ولم يدرك العباسيّة، عُرِف بالتَّشيع لبني هاشم، واشتهر بذلك”.
  • وقال له الفرزدق : “أنت والله أَشْعر من مَضى وأَشْعر من بَقي”.

خصائص شعره:-

يختلف شعر الكميت بن زيد عن سالف الشعر العربي، كما اختلفت أغراضه الشعريّة؛ لذا اعتبره البعض مجددًا، فقد استخدم شاعريّته كوسيلة ليفصح بها عن فكره العَقَديّ، ويُروج لهذا الفِكر، ويُحقق مَراميه في التعبير عن ثورته واحتجاجاته ضد الحكم الأموي، ومن هنا فبديهيّ أنّ شعره لم يكن عاطفيًا كباقي الشعراء، بل هو شعر مَذهبيّ عَقَديّ، يعتمد على الجَدل المنطقيّ العقليّ، ويتَّسم في مُجمله بالوضوح والواقعية.

وبالرغم من تجديده في بناء القصيدة والذي يعتبر مُجاراة للحياة الجديدة التي بدأت تَتسلل إلى حياة العرب، إلّا أن شعره لم يَخل من أصالة الأدب القديم، وجَزالة اللفظ، وقوة المعنى، كل ذلك كان ممزوجًا ببراعته في استخدام المجازات والتشبيهات والكنايات على نحوٍ غير مُتطفل في بناء صورته الفنية.

وقد كَثُر شعره حتى بلغ قُرابة خمسة آلاف ومئتين وتسعة وثمانين بيتًا كما أَوْرد الأصفهاني في الأغاني.

هجائه لبني أمية:-

كان الهجاء من أهم أغراض الكميت بن زيد الشعرية، إلّا أنه لم يخرج فيه عن منهجيته التي رسمها لنفسه، فلم يكن في هجائه فاحشَ القول، ولم يتخذه وسيلةَ ابتزاز، ولم يبتغي نُصرة شخصية، وقد تعرَّض مِرارًا  لحكام عصره بالهجاء والاحتجاج في أشعاره، وذمّ فسادهم، كما فعل في ميميَّته الشهيرة حين قال في سِياق مدحه للهاشميين:

بَـلْ هَـــوايَ الّــذي أُجِـــنُّ وَأُبْــدي .. لِبَـنــي هـاشِـمٍ فُـروعِ الأَنـامِ

وَالغُيوثِ الّذِينَ إِنْ أَمْحَـلَ النّاس.. فـَمَـأوى حَـواضِــنِ الأَيْتـامِ

ساسَةٌ لا كَمَـنْ يَرى رِعْيَةَ النـَّـاس .. سـَـواءً وَرِعْيَةَ الأَنْــعــامِ

لا كَـعَـبْـــدِ المَــليـــكِ أَوْ كَــــوَليــــدٍ .. أَوْ سُـلَيْمـانَ بَعْـدُ أَوْ كَهِشـامِ

مَنْ يَمُتْ لا يَـمت فَقيـدًا وَمَـنْ يَحْـيى.. فَلا ذو إِلٍّ وَلا ذو ذِمامِ

ومن نَظْمه في هجاء بني أميّة:

فَـقُـلْ لبَنـــي أُمَيَّــــــةَ حَيْــثُ حَلّــوا .. وَإِنْ خِفْتَ المُهَنَّدَ والقَطيعا

أَجـــــــاعَ اللـهُ مَــنْ أَشْبَعْتمـــــوهُ .. وَأَشْبَــعَ مَنْ بِجَوْرِكـمُ أُجيعـا

بِمَرْضِـيّ السِّياسَـــــةِ هـــــاشِمِـــيٍّ.. يَكـونُ حَيّاً لِأُمَّتِـهِ رَبيعـا

هاشميّات الكميت بن زيد :-

عُرف الكميت بن زيد بولائه وحبه لأهل البيت، وفيهم نظم غُرَر أشعاره، والتي أسماها الهاشميّات، وفيها عدَّد مَناقبهم، ونفَّث عما يُكنّه من حبٍ لهم، وتتجاوز عدد أبيات قصائد الهاشميات الخمسمائة بيت، وعندما انتهي من نَظْمها، وأَحْكم ضبط نسيجها، أتى بها الفرزدق كونه شيخ مُضَر وشاعرها، لِيَبسُط أبياتها بين يديه، ويَنثر ما فيها من الدُرَر أمام ناظريه، ويَسْتَفتيه في جودة بُنيانها، فقال له الفرزدق :”هاتِ ما عِندك، لعلّ مَتانة شعرك مثل ما عَهِدنا من رَزَانة عقلك”، فأنشده الكميت قوله بمطلع الهاشميات:

طَرِبْتُ ومــا شَوْقًـا إِلى البِيــضِ أَطْـرَبُ .. ولا لَعِبًا مِنـّي وَذو الشَّيْبِ يَلْعَـبُ!

وَلَــمْ يُلْهِــني دارٌ وَلا رَسْــمُ مَنْــزِلٍ .. وَلَــمْ يَتَطَـرَّبَني بَنانٌ مُخَـضَّبُ

فقال الفرزدق: ذاك شيء لم يَطرب له أحد قبلك، ما هو يا ابن أخي؟ فاستطرد الكميت قائلًا:

وَلا السّـانِحـاتُ البارِحــاتُ عَشِيّــةً .. أَمَــرَّ سَليمُ القَرْنِ أَمْ مَرَّ أَعْضَبُ

وَلَكِنْ إِلى أَهْلِ الفَضــائِلِ وَالنُّــهى .. وَخَيْـرِ بَني حَوّاءَ وَالخَيْرُ يُطْلَبُ

فقال له الفرزدق بعدما بلغ به الفضول مَبلغه: ويحَك! مَن هؤلاء؟ فقال:

إِلى النَّفَــرِ البِيـــضِ الّذينَ بِحُبِّهِــمْ .. إِلـى اللهِ فيمـا نابَنـي أَتَقَـرَّبُ

بَني هــــاشِمٍ رَهْـطِ النَّبِيِّ مُحَمَّـــدٍ .. بِهِـمْ وَلَهُمْ أَرْضى مِراراً وَأَغْضَبُ

خَفَضْتُ لَــهُمْ مِنّي جَنـــاحَيْ مَــوَدَّةٍ .. إِلى كَنَفٍ عِطْفاهُ أَهْلٌ وَمَـرْحَبُ

وَكُنْتُ لَهُمْ مِنْ هَــــؤُلاءِ وَهَـــؤُلا.. مجنًّـــا عَلـى أَنّـي أُذَمُّ وَأُقْصَـبُ

وَأُرْمى وَأَرْمي بِالعَـداوَةِ أَهْلَهـا.. وَإِنّـيأُوذَى فيـهِـمُ وَأُؤنَّـبُ

فأُعجِب الفرزدق بشاعريّته أيّما إعجاب، وقال له من فَورِه: “انطلق فأذِعْ شعرك، فأنت أشعر مَن مضى ومَن بَقي”.

الفرزدق هو همام بن غالب التميمي ، شاعر عظيم الأثر في اللغة ، وكان يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس.
الفرزدق .. الشاعر الكبير

مقتله:-

بعد مقتل زيد بن عليّ على يد والي العراق يوسف بن عمر الثقفي، وكان الكميت بن زيد مُتحيّزًا ومُؤيدًا لثورة زيد على حكم بني مروان، فحزن لمقتله غدرًا أيّما حزن، فانبرى لهجاء يوسف الثقفيّ من فَرط وَجده قائلًا :

يعـــــزُّ على أحمــــــدٍ للــذي .. أصــــــاب ابنَه الأمس من يوسفِ

خبيـــثٍ من المعشــــر الأخبثـيــن .. وإن قلتُ زانين لم أَقذفِ

ومضت الأيام، وإذ بالكميت في حضرة يوسف الثقفي بُعَيد قتله خالدًا القسري الوالي السابق،  وكان يوسف على علم بتأييده لزيد بن علي في ثورته، كما بلغه ما نظمه من الهجاء، فكان يُضمر له الشر، ويتحيّن الفرصة ليحدق به ويتخلص منه، فكان حوله جنود يمانية لم يكونوا أقل حقدًا منه على الكميت، فأمرهم أن يعقروا بطنه بسيوفهم، ففعلوا من فَوْرهم، فظل ينزف حتى فاضت روحه أمامهم، وعن لحظات احتضاره يروي المُستهل ابنه أنه كان يُنازع قائلًا “اللهم آل محمد” ثلاثًا.

وقد أوصى الكميت بن زيد  إذا مات أن يُدفن بموضع يُقال له مكران بالكوفة، فنفَّذ المستهل وصية أبيه، وكان أول من دُفن فيه، وكان مقتله هذا سنة 126ھ في خلافة مروان بن محمد.

المصادر:-

  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، دار الكتب العلمية، 1992.
  • الذهبي، سير أعلام النبلاء.
  • محسن الأمين، أعيان الشيعة.
  • شوقي ضيف، العصر الإسلامي، دار المعارف، 1963 م.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى