أخبار العرب

طريفة الكاهنة وقصة تداعي سد مأرب

القصة تحمل طابعًا أسطوريًا، يجعل من طريفة الكاهنة بطلة، فقد اختارت المعرفة على الإنجاب

تمهيد:-

تعد طريفة الكاهنة من أشهر الكاهنات في الجاهلية، ويروون أنها تنبأت بخراب سد مأرب ، وحذرت زوجها الملك عمرو بن عامر، فاستطاع أن يفر وينجو قبل الخراب، وقيل إنها تنبأت ببعثة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وبكهانة شق وسطيح، فتُرى ما قصتها؟ وكيف تنبأت بخراب سد مأرب ؟

تنبؤ طريفة الكاهنة بخراب سد مأرب:-

يذكر رواة الأخبار رؤيتين كانا لهما أثر كبير في حياة طريفة الكاهنة ، أما الأولى؛ فهي أنها خُيرت بين أن تُرزق بولد تقر عينها به أو تُعلّم علم غيبي تشتهر به، فاختارت العلم الغيبي، فصارت كاهنة منذ ذلك الوقت.

أما الرؤيا الثانية؛ فهي متعلقة بخراب سد مأرب ، حيث رأت أن سحابة غشيت أرضهم، فأرعدت وأبرقت، ثم أحرقت كل ما غشيت من أرضهم، ففزعت فزعًا شديدًا، فحاولوا تسكينها وتهدئتها.

تنبأ طريفة الكاهنة بخراب سد مأرب
صورة متخيلة لما كانت عليه سبأ

وبينما هي متوجهة إلى زوجها في إحدى الحدائق، ومعها وصيف يُقال له سنان، إذا رأت ثلاث مناجذ (حيوان يشبه اليربوع كثير في اليمن) منتصبات على أرجلهن، وواضعات أيديهن على أعينهن.

فقعدت طريفة ووضعت يدها على عينها، ثم طلبت من الوصيف أن يخبرها إذا ذهبت هذه المناجذ.

فلما أعلمها بذهابها، قامت مسرعة، وبينما هي ذاهبة عارضها خليج الحديقة التي فيها زوجها، فرأت سلحفاة خرجت من الماء، وانقلبت على ظهرها، وجعلت تحاول الانقلاب فلا تستطيع، فاستعانت بذنبها وجعلت تحثو التراب، فجلست طريفة، فلما عادت السلحفاة إلى الماء، ذهبت طريفة إلى عمرو، فدخلت عليه الحديقة، فرأت الشجر يتكفأ من غير ريح.

طريفة الكاهنة تروي ما تكهنت به إلى عمرو بن عامر

فعندها تكهنت وقالت :”والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف”.

فتعجب عمرو وسألها :”من أخبرك هذا؟”

فقالت :”أخبرتني المناجذ بسنين شدائد، يقطعِ فيها الولد والوالد، قال: ما تقولين؟ قالت: أقول: قول الندْمَان لهفاَ، قد رأيت سُلَحْفًا، تجرف التراب جَرْفًا، فدخلتُ الحديقة فإذا الشجر يتكفَّا. “

فسألها عمرو: وما ترين ذلك؟

فأجابت :”هي داهية ركيمة، ومصائب عظيمة، لأمور جسيمة”

رواية طريفة الكاهنة ترسَّخت في الأدب والشَّعر العربي
الرواية ترسَّخت في الأدب والشَّعر العربي

فسألها عمرو عن علامة ذلك؟ فقالت: “تذهب إلى السد فإذا رأيت جُرَذاً يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من الجبل الصخرة فاعلم أن النقر عقر، وأنه وقع الأمر”

فسألها عمرو ما الأمر الذي سيقع؟

فأخبرته أنه” : وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فبغيرك يا عمرو فليكن الثكل”.

فذهب عمرو مسرعًا ليحرس سد مأرب ، فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلًا، فعاد إلى طريفة فأخبرها وهو يقول:

أبصـــرت أمــرًا عــادني منه ألــــم … وهــاج لي من هَوْله بَرْحُ السّقَم

من جُــــرَذٍ كفَحْـــل خنزير الأجَـــمْ … أو تَيْـــس مرم من أفاريق الْغَنَم

يســحب صخــراً من جلاميد العَرِمْ … لــــه مخاليبُ وأنيــاب قضـــــم

مافاتـــه سحلا من الصَّخـــر قصم … كأنمـــا يرعى حظيرًا من سَلَــــم

فأخبرته طريفة الكاهنة بعلامة ثانية، وهي أن يجلس في مجلسه بين جنتين، ثم يأمر بزجاجة، ويضعها بين يديه، فإنها ستمتلئ من تراب البَطْحاء من سَهْلة الوادي ورملة، وهذه الجنان كانت مُظلمة لا يدخلها شمس ولا ريح، ففعل عمرو كما قالت طريفة الكاهنة ، فلم يمضِ الكثير من الوقت حتى امتلأت الزجاجة بتراب البطحاء.

فعاد عمرو إلى طريفة، وأخبرها بما جرى، ثم سألها متى تتوقع خراب السد، فردت عليه في خلال سبع سنوات، فسألها هل تعلم متى بالتحديد، فأجابت أن ذلك لا يعلمه إلا الله.

حيلة عمرو بن عامر للخروج من بلده:-

بعد كل هذه التوقعات والأمارات التي أعطتها طريفة الكاهنة لعمرو، رأى في المنام سيل العرم، ورأى أن
علامته، أن يرى الحصباء في سعف النخل، فذهب فلما رأى الحصباء في سعف النخل، علم أنه أمر خطير،
وعزم على ترك سبأ، والرحيل عنها بماله وأولاده.

ولكنه فكر أنه لو فعل ذلك لارتاب الناس، ولم يشتروا ما له في سبأ.

ففكر في حيلة، فدعا الناس إلى الطعام، ونحر الذبائح وأكرمهم، وكان قد طلب من ابن له يقال له مالك،
وقيل بل كان يتيمًا في حجره، عندما يرى الناس مجتمعة على الطعام، أن يجلس معه، وينازعه في
الحديث، ويرده عليه، ويفعل به مثل ما يفعل به.

فنفذ مالك ما اتفقا عليه، فجعل يرد عليه، حتى ضربه عمرو وشتمه، ففعل مالك مثله تمامًا.

فقال عمرو :”واذلاه يوم فخر عمرو ومجده يضربُ وجْهَه صبي” وحلف ليقتلَنَه، فتتدخل القوم حتى تركه،
ثم قال عمرو إنه لن يقيم في بلد ضربه فيها صبي، وإنه سيبيع كل ما يملك من عقار وأموال، فقال القوم :
“اغتنموا غضبة عمرو”.

واشتروا كل ما يملك، وبذلك احتال عليهم، وباع ما له دون أن يرتابوا.

فلما جمع عمرو كل ماله، أخبر الناس بخبر خراب سد مأرب ، وتفرقوا في البلدان.

سد مأرب كما تبدو أطلاله اليوم
سد مأرب كما تبدو أطلاله اليوم

الطابع الأسطوري:-

وهذه القصة تحمل طابعًا أسطوريًا، يجعل من طريفة الكاهنة بطلة، فقد اختارت المعرفة على الإنجاب،
وكذلك أنقذت أهلها من الهلاك، وهي توضح العلاقة الرمزية بين الإنسان والطبيعة والإنصات لها، من
أجل معرفة المجهول.

المصادر:-

مروج الذهب، الجزء الثاني، ص 143:147، المكتبة العصرية، طبعة أولى.

موسوعة أساطير العرب،  الجزء الثاني، ص 149: 153، دار الفارابي، الطبعة الأولى.

Image by Peter H from Pixabay 

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى