معلومات تاريخية

القراءات العشر .. كيف نشأت وتطورت مدارسها؟

هذه الروايات والقراءات بأسانيد متواترة، لِرُواةٍ ثِقات، وجميعها مرويّة عن رسول البرية

تمهيد:-

نزل الذكرُ الحكيمُ على رسولنا الكريمِ بلسانٍ عربيٍّ مبين، إلّا أن لغةَ العرب كانت مُتعددةَ اللهجات، فأنزل الله كتابه موافقًا لِتعددِ لهجاتهم من باب التيسير، فقد جاء هذا الدين برفعِ المشقَّةِ والحرج، وهكذا فقد يسّر الله – عزّ وجلّ – تلاوةَ هذا القرآن على الأمَّة في القراءات المتواترة، وأنزله على أحرف سبعة؛ لأنّه هو الدُّستور الذي تحيا به أمة الإسلام وتَسْتَقي منه المناسكَ والأحكام.

ما المقصود بمصطلح علم القراءات ؟

المقصود بعلم القراءات اصطلاحًا هو ما تمت نسبته من القراءة إلى أحد أئمةِ القراءات العشر المشهورين.

وقد عرَّف ابن الجزري القراءات بأنها: “علمٌ بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها مَعزوًا لناقله”.

وقال الدمياطي: “علم يُعلم منه اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئة النطق والإبدال وغيره من حيث السماع”

كيف نشأ علم القراءات ؟

أَقرَأَ رسولُ الله – صلّى الله عليه وسلّم – الصحابةَ الكرام على مُختلفِ لهجاتهم، وكان يُقرئ كل قبيلة بما يوافق لهجتها، فحرص ممثلوها أشدّ الحرص على ملازمةِ القراءات التي يعلمهم إيّاها حرفًا بحرفٍ، وحركةً بحركةٍ، ولم يكن للاجتهاد نصيب من الأمر البتَّة، فإن القراءات جميعها هي وحي من عند الله – عزَّ وجلَّ – على رسولنا الكريم – صلّى الله عليه وسلَّم.

وقد نقل التابعون هذه القراءات عن الصحابةِ  بدرجة فائقة من الإحكام والدقة والتجويد، وقد كرّس ذوو الهمم منهم حياتهم وأعمارهم وجهودهم لإقراء القرآن وضبط ألفاظه وتحقيق رواياته، وجعلوا هذه المهمة الرفيعة هدفهم الأوحد وشغلهم الشاغل، فأصبحوا أئمةً كمصابيح الدجي يقتدى بهم، ويؤخذ عنهم، وتُشدُّ إليهم الرِّحال، ومن ثَمَّ فقد نُسبت القراءات إليهم فيُقال : قراءة فلان عن فلان، ولا ريب أنّ انتساب هذه القراءات إليهم ليست من قبيل الاختراع أو الابتداع، لكنها من باب المُلازمة والدوام والنقل، فهؤلاء الأخيار حملوا على أعناقهم أمانة نقل وتواتر القراءات، وقد تواترت رواياتهم عبر الأزمان والأمصار.

 وفي أواخر عهد التابعين؛ تسللت الكثير من مظاهر العُجمة، وبعض من بوادر اللحن إلى القراءة، فانتفض علماء القرآن الفطناء، وأئمته الأتقياء، وعنوا بحصر القراءات وضبطها، وتحرِّي أسانيدها، ونبذ ما يشذُّ من القراءات ، فحازوا ثقة القراء واجتمع عليهم العلماء، وجابت شهرتهم الأمصار، إنهم أئمة القراءات العشر الأخيار، الذين تواترت قراءاتهم، وثبتت رواياتهم.

 الأحرف السبعة و القراءات العشر:-

عن ابن عباس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: “أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ”.

رُوِي عن ابن مسعود، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «كان الكتابُ الأوّلُ نزل من بابٍ واحدٍ وعلى حرفٍ واحدٍ، ونزلَ القرآنُ من سبعةِ أبوابٍ وعلى سبعةِ أحرفٍ».

جاء في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه – قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَىَ غَيْرِ مَا أَقْرَؤهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَنِيهَا. فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ. ثُمّ أَمْهَلْتُهُ حَتّى انْصَرَفَ. ثُمّ لَبّبْتُهُ بِرِدَائِهِ. فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَىَ غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ” فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “هَكَذَا أُنْزِلَتْ”. ثُمّ قَالَ لِيَ: “اقْرَأْ” فَقَرَأْتُ. فَقَالَ: “هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. فَاقْرَأُوا مَا تَيَسّرَ مِنْهُ”

الحِكمة من تعدد القراءات ومن نزول القرآن على سبعة أحرف:-

أوضح الحافظ ابن الجزري الحكمة الكامنة في ذلك بقوله:

 “إنّ الأنبياءَ – عليهم الصلاة والسلام – كانوا يُبعثون إلى قومهم الخاصّين بهم، والنبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – بُعث إلى جميعِ الخلقِ، أحمرها وأسودها عربيها وعجميها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولا بالتعليم والعلاج، لاسيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ كتابا، كما أشار إليه صلّى الله عليه وسلّم، فلو كلّفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم، لكان من التكليف بما لا يستطاع”

وقال ابن حجر العسقلاني في الفتح:

“ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك من اتفاق المعنى”.

 وقال ابن حجر أيضا موضحًا:

 “إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي -أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته- بل المراعى في ذلك السماع من النبي – صلى الله عليه وسلم”.

هل الأحرف السبعة هى القراءات المشهورة؟

قال ابن الجزري: “وقد اختلفت أقوال العلماء في المرادِ بهذه الأحرف السبعة على نحو من أربعين قولًا، مع إجماعهم على أنه ليس المراد بها قراءات سبعة من القراء كالسبعة المشهورين وإن كان يظن ذلك بعض العوام”

وأصح الأقوال وأولاها بالصواب، وهو الذي عليه أكثر العلماء، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واختاره في القاموس – أن المراد بالأحرف أوجه من اللغات، بما يعني أن القرآن لا يخرج عن سبع لغاتٍ من لغاتِ العربِ ولهجاتهم وهي : لغة قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن؛ وذلك لأنَّ الحرف يُطلق لغةً على الوجه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [الحج: 11].

آراء العلماء في المقصود بالأحرف السبعة:-

اختلف العلماءُ القائلون بأنّ القرآنَ أُنزل على سبعةِ أحرفٍ اختلافًا كثيرًا تجاوز الثلاثين قولًا، وقد أوصلها الإمامُ السيوطيّ في كتابه الإتقان إلى نحو أربعين قولًا، نُوجز بعضها فيما يلي:

  • القول الأول: ذهب فريقٌ من العلماءِ ومنهم أبو عُبيد القاسم ابن سلام، والأزهريّ في كتابه ” التهذيب في اللغة”، والبيهقيّ في كتابه ” شُعَب الإيمان” أنّ المُراد بالأحرف السبعة هو سبع لغات أو لهجات لسبع قبائل من العرب، وليس المعنى أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، فبعض القرآن نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه بلغة كنانة، وبعضه بلغة ثقيف، وهكذا، وقد احتجوا في هذا القول بقول عثمان بن عفان – رضي الله عنه – حينما أمر بكتب المصاحف إذ قال: “وما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنه أكثر ما نزل بلسانهم”.

 بينما ردّ ابن قُتيبة هذا القول، إذ قال: “لم ينزل القرآن إلّا بلغة قريش”، وقال ابن عبد البر: “قد أنكر أهل العلم أنْ يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات، لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر، لأنّ ذلك من لغته التي طُبع عليها”.

  • القول الثاني: وذهب فريقٌ آخر من العلماء ومنهم القُرطبيّ، وسفيان بن عيينة، وابن جرير، وابن وهب أنّ المَراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة والمتقاربة بالألفاظ المختلفة، نحو (أقبل، تعال، هلم، نحوي، قصدي، تجاهي، عجل وأسرع)، ونسبه ابن عبد البر لأكثر أهل العلم : “وعلى هذا القول أكثر أهل العلم”، وأنكر هذا الفريق على من قال: إنها لغات.
  • القول الثالث : ذهب جمع من العلماء منهم ابن قتيبة، وابن الطيب، وابن الجزري، وأبو الفضل الرازي إلى أن المراد بالأحرف السبعة هو سبعة أوجه في الاختلاف ورسم القراءة واحد لا ينتج عنها اختلاف في القراءات، وهذه الأوجه هي:
  1. اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث:

مثل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ} [المؤمنون: 8] قُرئ (لأمانتهم).

2. اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر:

مثل: {فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا} [سبأ: 19] قُرئ (ربّنا بعّد).

3. اختلاف وجوه الإعراب:

مثل: {وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] قرئ (ولا يُضارُّ).

4.الاختلاف بالنقص والزيادة:

مثل: {وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى} [الليل: 3] قرئ (والذكر والأنثى) بنقص (ما خلق).

5. الاختلاف بالتقديم والتأخير:

مثل: {وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19] قرئ (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحقِّ بالمَوتِ).

6. الاختلاف بالإبدال:

مثل: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة: 259] قُرئ (نُنشِرُهَا) بالراء.

7. اختلاف اللغات أو اللهجات:

كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام:مثل: {وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى} [طه: 9] تُقرأ بالفتح والإمالة في (أتي) ولفظ (موسي).

علم القراءات العشر

القراءات العشر هي جزء من الأحرف السبعة:-

وهكذا، فقد خلُصنا إلى أن القراءات السبع المشهورة والمعروفة اليوم والمنسوبة لرواتها كنافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، ليست مجموع ولا مقصود الأحرف السبعة المذكورة في الحديث «أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرف» كما قد يظن بعض العوام، بل هي وغيرها من القراءات التي كانت مشهورة وانقطعت أسانيدها بانقراض رواتها، ما هي إلا بعضٌ من هذه الأحرف كما اتضح ذلك من نصوص وآراء جمهور العلماء من القُراء والمحدثين والفقهاء.

 ومن ذلك؛ قول الإمام أبي محمد مكي في كتابه الإبانة: “هذه القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووافق اللفظ بها خط المصحف العثماني الذي أجمع الصحابة ومن بعدهم عليه”.

أئمة القراءات العشر:-

ما ثَبُت وصحَّ من قراءات الأئمة الثقات، التي اعتمدها جمهور العلماء عشرة وهم:

1. نافع: وهو أبو رؤيم قارئ المدينة من تابعي التابعين توفي في المدينة: 196هـ، وراوياه هما:
● قالون: وهو عيسى بن مينا المدني.
● ورش: عثمان بن سعيد المصري.

2-ابن كثير: عبد الله بن كثير قارئ مكة تابعي توفي بمكة: 120.هـ، وراوياه هما:
● البزي: أحمد بن محمد بن بزة المكي.
● قنبل: محمد بن عبد الرحمن المكي.

3-أبو عمرو: زبان بن العلاء البصري توفي بالكوفة: 154هـ، وراوياه هما:
● الدوري: حفص بن عمر.
● السوسي: صالح بن زبان.

4-ابن عامر : عبد الله بن عامر تابعي دمشقي توفي بها سنة118هـ، وراوياه هما:
● هشام: بن عمار الدمشقي.
● ابن ذكوان: عبد الله بن أحمد القرشي.

5-عاصم بن أبي النجود:
تابعي قارئ الكوفة وبها توفي سنة: 128هـ، وراوياه هما:
● شعبة: أبو بكر بن عياش الكوفي.
● حفص: بن سليمان البزاز الكوفي.

6-حمزة بن حبيب الزيات : من قراء الكوفة:156هـ، وراوياه هما:
● خلف بن هشام البزار.
● خلاد بن خالد الصيرفي.

7-الكسائي: علي بن حمزة النحوي من قراء الكوفة توفي: 189هـ، وراوياه هما:
● أبو الحارث الليث بن خلد.
● حفص الدوري “الراوي عن أبي عمرو”.

8-أبو جعفر يزيد بن القعقاع: تابعي مدني وبها توفي سنة: 128هـ، وراوياه هما:
● ابن وردان عيسى بن وردان المدني.
● ابن جماز سليمان بن جماز.

9-يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري توفي بها سنة: 205هـ، وراوياه لما:
● رويس محمد بن المتوكل اللؤلؤي.
● روح بن عبد المؤمن البصري.

10-خلف بن هشام البزار البغدادي بها توفي سنة: 229،وراوياه هما:
● إسحاق بن إبراهيم الوراق
● إدريس بن عبد الكريم الحداد.

وقد أحصاهم العلامة ابن الجزري في طيبته قائلًا:-

وَمِنْهُمُ عَشْرٌ شُمُوسٌ ظَهَرا

ضِياؤُهُمْ وَفِي الأنَامِ انْتَشَرَا

حَتَّى اسْتَمَدَّ نُوْرُ كُلِّ بَدْرِ

مِنْهُمْ وَعَنْهُمْ كُلُّ نَجْمٍ دُرِّي

وَهَا هُمُو يَذْكُرْهُمُو بَيَانِيْ

كُلُّ إمَامٍ عَنْهُ رَاوِيَانِ

فَنَافِعٌ بِطَيْبَةٍ قَدْ حَظِيَا

فَعَنْهُ قَالُونُ وَوَرْشٌ رَوَيَا

َواْبنُ كَثِيرٍ مَكَّةٌ لَهُ َبلَدْ

بَزٍّ وَقُنْبُلٌ لهُ عَلىَ سَنَدْ

ثُمَّ أبُوعَمْرٍو فَيَحْيىَ عَنْهُ

وَنقَلَ الدُّورِي وَسُوسٍ مِنْهُ

ثُمَّ ابْنُ عَامِرِ الدِّمشْقِيْ بِسَندْ

عَنْهُ هِشَامٌ وابْنُ ذكْوَانَ وَرَدْ

َثلاَثَةٌ مِنْ كُوفَةٍ فَعَاِصِمُ

فَعَنْهُ شُعْبَةٌ وَحَفْصٌ قَائِمُ

وَحَمْزَةٌ عَنْهُ سُليْمٌ فَخَلَفْ

مِنْهُ وَخَلاَّدٌ كِلاهُمِاَ اغْتَرَفْ

ثمَّ الكِسَائِيُّ الفَتَى عَلِيُّ

عَنْهُ أبُو الْحَارِثِ والدُّورِيُّ

ثمَّ أبُو جَعْفَرٍ الحَبْرُ الرِّضَى

فَعَنْهُ عِيسَى وابْنُ جَمَّازٍ مَضَى

تَاسِعُهُمْ يَعْقوُبُ وَهْوَ الحَضْرمِي

لَهُ رُوَيْسٌ ثُمَّ رَوْحٌ يَنْتَمِى

وَالْعَاشِرُ البَزَّارُ وَهْوَ خَلَفُ

إسْحَاقُ مَعْ إِدْرِيِسَ عَنْهُ يُعْرفُ

صفحتان من القرآن الكريم تعودان لبداية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث يظهر الخط المستعمل في القيروان آنذاك علم القراءات العشر
صفحتان من القرآن الكريم تعودان لبداية القرن الحادي عشر الميلادي، حيث يظهر الخط المستعمل في القيروان آنذاك- متحف الميتروبوليتان

شروط صحة القراءات:-

هذه شروط صحة القراءة التي اتفق عليها العلماء، وما خالف ذلك تعد القراءة من قبيل القراءات الشاذة ولا يُعترف بها وهي:

  1. صحة الإسناد.
    بمعنى وجوب وحتمية إثبات تواتر القراءة عن النبي – صلي الله عليه وسلم – وفي ذلك يقول الصفاقسي:” مذهب الأصوليين، وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثين القراء أن التواتر شرط في صحة القراءة ولا تثبت بالسند الصحيح غير المتواتر ولو وافقت رسم المصاحف العثمانية والعربية”
  2. موافقة اللغة العربية ولو بوجه ضعيف.
    وقد وضح الإمام ابن الجزري المقصود بالعربية قائلا:” ومعنى “العربية مطلقًا” أي ولو بوجه من الإعراب نحو قراءة حمزة ﴿ وَالْأَرْحَامِ ﴾ [النساء: 1] بالجر وقراءة أبي جعفر ﴿ لِيَجْزِئ قَوْمًا ﴾
  3. موافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا.
    اتفق العلماء على وجوب أن تكون القراءة موافقة للمصحف الإمام الذي اجتمعت عليه أمة الإسلام منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا، والقراءة التي تخالف هذا الرسم تعد من قبيل الشواذ، يقول ابن الجزري رحمه الله: ” ومعنى أحد المصاحف العثمانية واحد من المصاحف التي وجهها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار. كقراءة ابن كثير في التوبة ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ بزيادة “من” فإنها لا توجد إلا في مصحف مكة”.

وقد نظم ابن الجزري في الطيبة مُفصِّلًا هذه الشروط قائلًا:

فَلْيَحِرصِ السَّعِيدُ فِي تَحْصِيْلِهِ

وَلا يَمَلَّ قَطُّ مِنْ تَرْتِيْلِهِ

وليَجْتَهدْ فَيهِ وَفِي تَصحِيحِهِ

عَلى الَّذِىِ نُقِلَ مِنْ صَحِيحِهِ

فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ

وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي

وَصَحَّ إسْناداً هُوَ الْقُرآنُ

فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَان

وحَيثُماَ يَخْتَلُّ رُكْنٌ أَثْبِتِ

شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبعَةِ

فكُنْ عَلى نَهْجِ سَبِيلِ السَّلفِ

فى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أوْ مُخْتَلَفِ

وأَصْلُ الاخْتِلافِ أنَّ رَبَّنًا

أْنزَلَهُ بِسَبْعَةٍ مُهَوِّنَا

وقيلَ فِي الْمُرَادِ مِنْهَا أَوْجُهُ

وَكَونُهُ اخْتِلاَفَ لَفْظٍ أوْجَهُ

قَامَ بِهَا أِئمَّةُ القُرَآنِ

وُمحرِزُو التَّحْقِيْقِ وَالإتْقَانِ

نماذج لتعدد القراءات العشر:-

  • قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في تفسير قوله تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ”.{الشعراء: 217}.

قال: وقرأ العامة: وتوكل ـ بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ نافع وابن عامر: فتوكل ـ بالفاء، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام.

  • وفي النشر في القراءات العشر: واختلفوا في: “تجري تحتها” في سورة التوبة، فقرأ ابن كثير بزيادة كلمة: من ـ وخفض تاء: تحتها ـ وكذلك هي في المصاحف المكية، وقرأ الباقون بحذف لفظ من وفتح التاء، وكذلك هي في مصاحفهم.
  •  قراءة عاصم والكسائي لقول الله تعالى: “مـٰلك يوم الدين” بألف فيقرأها هكذا: “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ” [الفاتحة:4]. بينما قرأ الباقون بغير ألف “ملك يوم الدين”
  • وفي الفاتحة نفسها، قرأ ابن كثير في رواية القواس: “السراط، وسراط، بالسين، وقرأ حمزة بإشمام الزاي- والإشمام مزج لفظ الصاد بالزاي –

وقرأ حمزة “عليهُم” بضم الهاء، وقرأ ابن كثير ونافع في رواية القاضي عن قالون عنه “عليهِمُو” بكسر الهاء وضم الميم، ويصل بواو في اللفظ.وقرأ الباقون بكسر الهاء وسكون الميم.

  • وفي سور البقرة؛ قرأ أبو عمر وورش عن نافع “يومنون” بغير همز، وقرأ الآخرون “يؤمنون” بالهمزة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو “وما يخادعون إلا أنفسهم” وقرأ غيرهم “وما يخدعون” بغير ألف.
  • وفي سورة آل عمران قرأ حمزة والكسائي “سَيُغْلَبُون وَيُحْشَرُون” بالياء فيهما، وقرأ الباقون “سَتُغلبون وتُحْشَرون” بالتاء على المخاطبة.

خاتمة:-

كل هذه الروايات والقراءات بأسانيد متواترة، لِرُواةٍ ثِقات، وجميعها مرويّة عن رسول البرية، ليس في تعددها تحريف أو تبديل، ولا تناقض أو تضليل، مُتسقةٌ في معانيها، ومؤتلفةٌ في مراميها، وإن تنوعت معاني بعض القراءات ، فذلك توسعة على الأمة ورفع للمشقات، فَنِعم العلم علم القراءات العشر ولو أُفنِي فيه العُمر! فهو عجيبة من عجائب القرآن التي لا تنقضي، ورحمة من رحمات الله التي لن تنتهي.

علم القراءات العشر

المصادر:-

● الواضح في علوم القرآن، مصطفى البغا، محي الدين مستو، دار الكلم الطيب.
● المدخل إلى علوم القرآن، محمد فاروق النبهان، دار عالم القرآن، 2005.
● الأعمال الكاملة للعلامة المقرئ محمد بن علي الحداد شيخ عموم المقارئ المصرية، أحمد عيسى المعصراوي، محمد الحداد، يحيى الغوثاني.
● النشر في القراءات العشر ، ابن الجزري.
● طيبة النشر في القراءات العشر، ابن الجزري.
● غيث النفع في القراءات السبع، الصفاقسي1/ 14.
● منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ابن الجزري 1/ 29.
● مقدمة في علم القراءات ، محمد أحمد مفلح القضاة1/ 47.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى