نوادر العرب

القتال الكلابي .. الصعلوك و الشاعر البدويّ

كان شديد الافتخار بأمه عمرة، وكان كثيرًا ما يتغنى بذكرها في أشعاره

تمهيد:-

لم يكن وحده المُلقب بالقتّال، فهناك آخروه نافسوه على هذا اللقب منهم القتال البجليّ، والباهليّ، والمحاربيّ، والسكوني، لكن مما لا مِراء ولا جدال فيه أنهم لم يستطيعوا أن يُنافسوه أو يُجاروا شهرته في ميدان الصعلكة والفتك والتّمرد، فهو القتال الكلابي الذي يُعدُّ أشهرهم وأفتكهم على الإطلاق.

من هو القتال الكلابي ؟

هو عبد الله بن مُجيب بن المضرحي، وقد اختلف المؤرخون في اسمه فقِيل عبادة، أو عبّاد، أو عبيد الله، واختلفوا أيضًا في اسم أبيه فقِيل مُحبب، كُنيته المُسيّب، وأبو سليل – وقِيل شليل- أُطلق عليه لقب القتّال لشدَّة فتكه وتمرُّده وجناياته.

هو شاعر بدويّ إسلامي عاصر الدولة الأموية، وعايش الراعي والفرزدق وجرير، ينتمي لقبيلة بني أبي بكر بن كلاب بن ربيعة التي سكنت هضبة نَجد، وذكرت بعض الروايات أنه مُخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ولعلّ كثرة إختلاف الروايات حول القتال الكلابي وأخباره ترجع لحياة التَّمرد والصعلكة والعيش في البادية بمنأى عن الناس وأُولي الأمر، لم تذكر الكتب التاريخية تاريخًا مُحددًا لمولده أو لوفاته، وترجح بعض الروايات أنه توفي سنة 66 أو 70 هجرية.

يقول في وصف نفسه واعتزازه بها:

إذا همّ همّا لم ير الليل غمّة.. عليه، و لم تصعب عليه المراكب

قرى الهمّ إذ ضاف الزّماع فأصبحت.. منازله تعتسّ فيها الثعالب

جليد، كريم خيمه، و طباعه.. على خير ما تبنى عليه الضرائب

إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة.. ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب

يرى أن بعد العسر يسرا، و لا يرى.. إذا كان يسر أنه الدهر لازب

افتخار القتال بنسبه:-

كان القتال الكلابي شديد الافتخار بأمه عمرة، وكان كثيرًا ما يتغنى بذكرها في أشعاره، ويذكرها بالثناء والدعاء فيقول:

لقد وَلدتني حرةٌ ربعيةٌ من اللائي.. لم يحضرْن في القيظِ دندنا

ويفتخر بنسبه فيقول:

أنا ابن الأكرمين بني قشير.. و أخوالي الكرام بنو كلاب

نعرض للطعان، إذا التقينا.. وجوها لا تعرّض للسباب

صعلكته وحبه:-

اشتغل القتال الكلابي بالصعلكة وقطع الطرق، وكان خفيف الجسم قليل اللحم، وتميز – كالكثير من الصعاليك – بسرعته وقدرته على العدو، فأهله ذلك ليكون صعلوكًا مثاليًا، يفتك فتكته، ويقتل ضحيته، ويجمع غنيمته، وفي لمح البصر يلوذ بالفرار.

ولم يَخل حبه من صعلكته وفتكه، فقد قتلَ زيادًا أخا محبوبته العالية بنت عبيد الله وهي من أبناء عمومته، لكن يظهر من شعره أنه ندم على فعلته وقت لا ينفع الندم، فيقول:

ولما رأيت أنني قد قتلته.. ندمتُ عليه أيّ ساعة مندم

وقد أُولع وأُغرم بابنة عمه العالية، وبلغ به الصبا مَبلغه، لكنه لم يَظفر بالزواج منها، فقد تزوجت من غيره، وتزوج بعدها هو الآخر أكثر من مرة، ورُزق أولادًا، إلّا أنه لم يتوقف عن ذكرها في أشعاره، فقد اتَّخذ حبها في قلبه مَوضعًا جعله غير قادر على نسيانها بعدما لامَسَت شغاف قلبه كما لم تفعل إمرأةً أخرى قطّ.

القتال الكلابي طريدٌ ومُطارد:-

لقد كان فاتكًا كثيرَ الجنايات، فضاقت قبيلته ذرعاً به، وحملهم ذلك على التخلّي عنه والتنكّر له، فخلعوه وصار طريدًا، لاسيما بعدما طلبه والي المدينة آنذاك مروان بن الحكم من جرَّاء أفاعيله النّكراء، فهرب وظّل مُطاردًا حتى قُبض عليه وأودعوه السجن، لكن شخصًا بتمرّده وصعلكته لم يكن ليستكين لذلِّ القيد، أو يُفرّط في حريته، فما لبث أن قتل سجَّانه وهرب من سجنه؛ ليستحق لقبه القتال الكلابي عن جدارة واستحقاق، ولم ينس أن يُتوج هذه الحادثة بأشعاره، فيَذكر سجَّانه ويقول مُتفاخرًا:

إذا قلتُ رفَّهني من السجن ساعةً.. تدارك بها نعمي عليّ وأفضل

يَشدُّ وثاقي عابسًا ويتلُّني.. إلى حلقاتٍ في عمودٍ مُرمّل

أقولُ له والسيّف يَعصب رأسه.. أنا ابن أبي أسماء غير التّنحل

وهذا قوله عندما جدَّ أُولى الأمر في طلبه، وأجبرته المطاردات على أن يتخفّى من الجُند في ثياب إمرأة:

ألا هل أتى فتيان قومي أنني.. تسميتُ لما اشتدت الحرب زينبا

وأدنيتُ جلبابي على نبت لحيتي.. وأبديتُ للقوم البنان المُخضبا

ديوانه وأشعاره:-

بقدر ما اشتهر بالصعلكة والفتك؛ فقد اشتهر بأشعاره التي تناول فيها الكثير من الأخبار والأحداث مثل الصراعات التي كانت تشهدها البادية في عصره بخاصة صراعات بني جعفر وأبناء عمومتهم من بني أبي بكر، وصوّر فيها المنازعات القبلية، ولاسيما منازعاته مع قبيلته، التي وصلت في كثيرٍ من الأحيان نكرانه انتسابه إليهم كما فعلوا هم معه.

كما تحدثت أشعاره أيضًا عن نوع مختلف من النزاعات مُتمثلة في صراع الدم النقي والدم الدخيل، فقد انتقد وانتقص أصحاب الدماء الدخيلة، وكَثُر اعتزازه بأنه من نسل الحرائر.

 وله باع في شعر الغزل حيث ترددت في أشعاره أسماء الكثير من النساء، والتغزل فيهن، وكان كثيرًا ما يتحدث عن وَجْده ويُصور أَساه كما لو كان من العذريين، وله قليل أشعار في المدح، وشيء من الهجاء.

إذا هبّت الأرواح كان أحبّها.. إليّ التي من نحو نجد هبوبها

و اني ليدعوني إلى طاعة الهوى.. كواعب أتراب مراض قلوبها

كأنّ الشفاه الحوّ منهنّ حمّلت.. ذرى برد ينهلّ عنها غروبها

جمع ابن السكيت ديوانه، وأُعيد جمع أشعاره بديوان نُشر بتحقيق الدكتور إحسان عباس، كما جُمعت فيه بعض أخباره.

الأديب إحسان عباس من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين، كان غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة، حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة والأدب... يتحدث عن القتال الكلابي

خاتمة:-

وهكذا، فقد جسّد لنا القتال الكلابي نموذجًا للشخصية المُتطرفة المُتمردة على جميع ما سنَّته الدولة من قوانين، مُتخذًا من “الصعلوك” شخصية مثالية بالنسبة إليه، ومن نواميس حياة الصعلكة مرجعًا يستقي منه، بعدما ضرب بكافة نواميس الدولة عرض الحائط.

المصادر:-

● ديوان القتال الكلابي ، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، 1961.
● الشعر والشعراء، ابن قتيبة، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف، 1967.

الوسوم

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق