أعلام

القاضي عياض السبتي .. كبير علماء وأدباء المغرب

نابغة زمانه وعبقري أوانه، فاق غيره في مجالات العلوم واتسم بالأصالة

من هو القاضي عياض السبتي ؟

القاضي عياض هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، ثم السبتي المالكي، ولد سنة 476هـ بسبتة المحتلة – بالمغرب.

 كان نابغة زمانه وعبقري أوانه، فاق غيره في مجالات العلوم واتسم بالأصالة، جامعاً بين علوم الدين وعلوم الآداب.

القاضي عياض السبتي ومرتبته العلمية:-

القاضي عياض السبتي من أكابر علماء المغرب في العصرين المرابطي والموحدي ، وقد احتل مكان الصدارة بين أهل عصره، كعالم أتقن العلوم النقلية المرجوع إليها وكمثقف واسع المعرفة بما أسفرت عنه المعرفة الإسلامية التي خالطت علوم الأوائل ومازجتها وصبغتها بأصباغها وشذبتها وطورتها وأضافت إليها، ووضعت لنفسها قوانين مستخرجة من الأصلين الكتاب والسنة لضبط عملية المراجعة والتقدير متوسلة إلى ذلك بعلوم الآلة الضرورية التي تمكن من الفهم، ودفع شبهات الغموض والوهم .

الجمع بين العلم والورع

والناظر في آثاره يرى أنه قد أتقن فنون الرواية والدراية على نحو يجعله مثالا لما ينبغي أن يكون عليه العالم المسلم من الاتقان للمعرفة الإسلامية النقلية والمعارف النظرية التي يتمكن بها من معالجة قضايا عصره بناء على مقاصد الشريعة وأسرارها والاختيارات العلمية والعلمية التي تضمن للمجتمع استقراره وتطوره.

دراسته:-

لقد تميز القاضي عياض منذ طفولته بفكر ثاقب وحافظة قوية وشخصية متفردة ورغبة في التعلم ، ولم تزل هذه المواهب والملكات تنمو وتشتد وتتضح خاصة في طور شبابه حتى جعلت منه عالما كبيرا، ولقد ساعد على بروز هذه الملكات الوسط العائلي والاجتماعي المحافظ المتأثر بتعاليم القرآن والسنة النبوية، ولقد انصرف في مطالع نشأته لحفظ القرآن بالقراءات السبع، ثم أخذ يدرس العلوم الأدبية واللغوية والنحوية وعلوم التفسير والحديث.

إمام أهل النحو في زمانه المبرد .. كان أحد تلاميذ أبي عثمان المازني
قرأ القاضي عياض كتاب الكامل للمبرد

ومن بين الكتب التي عكف على قراءتها ببلده في العربية كتابه الفصيح لثعلب،  والأمالي للقالي،  والكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، و درس قواعد العربية بكتاب الجمل للزجاجي، والكافي لابن النحاس، والواضح للزبيري، والمقتضب للمبرد، والإيضاح لأبي علي الفارسي، وشرح الجمل لابن فضال.

ومن كتب علم الحديث التي درسها ببلده؛ كتاب الموطأ للإمام مالك، ومسند الموطأ للجوهري، وصحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن النسائي، وشرح غريب الحديث لأبي عبيد القاسم ابن سلام، وإصلاح الغلط لإبن قتيبة، وغريب الحديث للخطابي، وعلوم الحديث للحاكم، وكتاب الطبقات للإمام مسلم، وكتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، وغيرها الكثير.

رحلته لطلب العلم:-

لقد أعمل القاضي عياض الرحلة إلى الأندلس للقاء شيوخها وأخذ إجازاتهم ومقابلة ما عنده من الأصول بما لديهم من المؤلفات والمرويات، ودامت هذه الرحلة ثلاثة عشر شهرا، حصل فيها على مراده، فقد مكنه الشيوخ مما كان يأمل ويريد.

وقد كانت بيده في رحلته رسالتا تقديم وترغيب؛ إحداهما من طرف الوزير المرابطي أبي القاسم ابن الجد ، والثانية من قبل أمير المسلمين علي يوسف بن تاشفين – وهو من مواليد سبتة، ويبدو أنه كان له عطف خاص على عياض وأسرته – وقد كتبها إلى ابن حمدين قاضيه بقرطبة.

علي بن يوشف بن تاشفين أحد أشهر الأعلام في تاريخ المغرب

، ومما جاء فيها :” … وفلان – يعني عياضا- أعزه الله بتقواه – ممن له من العلم حظ وافر، ووجه سافر، وعنده دواوین أغفال، لم تفتح لها على الشيوخ أقفال ، وقصد إلى تلك الحضرة ليقيم أود متوها ، ويعاني رمد عيونها ، وله إلينا ماتة مرعية ، أوجبت الإشادة بذكره والعناية بأمره، وله عندنا مكانة حفية، تقضي مخاطبتك بخبره وإفاضة إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله وتقرب أمله ، وتصل أسباب العون له إن شاء الله ” .

ورجع القاضي عياض من هذه الرحلة وقد راجع دواوين العلم التي صحبها واطلع على المناهج العلمية  للأندلسيين واكتسب صداقات ثمينة وعرف قطر الأندلس عن كثب وازدادت ثقته بنفسه وبمعارفه ، لينشر علمه ببلده وبأقطار الإسلام ويكون قدوة في العلم والعمل ويصحح مفاهيم العصر وينشر السنة ويقاوم البدعة .

القاضي عياض السبتي ومدينة سبتة:-

إن مسيرة القاضي عياض العلمية مرتبطة بمدينته سبتة هذه المدينة الجليلة التي كانت غرة في جبين الدهر لموقعها بين المغرب والأندلس المسلمة، فقد كانت مفتاح العدوتين وباب المغربين وملتقى البحرين وملتقى الحضارتين والثقافتين المغربية والأندلسية ، ومنطلق جيوش الجهاد في وجهتها إلى الأندلس للدفاع عن الإسلام والذود عن حماه وإنجاد الإخوة المسلمين الذين كان بلدهم يتعرض لخطر مسيحي متفاقم .

وقد تألق نجم هذه المدينة في سماء العلوم، إذ كانت مدينة العلماء والصلحاء والصوفية ومتجه رحلة علماء المغرب والأندلس، فلا غرابة أن تنجب عالما من طراز عياض، وهي التي أنجبت آخرین ممن اشتهروا بالعلم وامتازوا بالفضل و شدت إليهم الرحال، بعدما تأصلت في حلقاتهم العلمية تقاليد الدرس العلمي من خلال دروس التفسير والحديث والفقه والأصول والآداب والبلاغة والنحو واللغة وغيرها من العلوم .

الإدريسي خلال وصفه لمدينة سبتة

من أقوال العلماء فيه:-

في هذا الصدد؛ نذكر شهادة أحد العلماء المعاصرين للمترجم، وهو الفتح ابن خاقان حيث قال في “القلائد” عن القاضي عياض السبتي :

“جاء على قدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، واستيقظ لها والناس نيام ، وورد ماءها وهم حيام، وتلا من المعارف ما أشكل، وأقدم على ما أحجم عنه سواه ونكل فتحلت به للعلوم نحور، وتجلت له منها حور، كأن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، قد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته أنداءها، وألقت إليه الرياسة أقاليدها وملكته طريفها وتليدها، فبذ على فتائه الكهول سکونا وفهما، وسبقهم معرفة وعلما، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سرى الرياح ، فتشوفت لعلاه الأقطار ، ووكفت تحكي نداه الأمطار ، وهو على اعتنائه بعلوم الشريعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة ، يعني بإقامة أود الأدب، وینسل إليه أربابه من كل حدب، إلى سكون ووقار کما رسا الطود، وجمال محاسن كما حليت الخود، وعفاف وصون، ما علمنا فسادا بعد الكون … وقد أثبت من كلامه البديع اللفظ والأغراض ، ما هو أسحر من العيون النجل والجفون المراض”.

مؤلفاته:-

خلد القاضي عياض السبتي آثاراً جيدة ، لا يزال الخلف ينهل من معينها، ويستضئ بأنوارها، ويستخرج الجليل من كنوزها ومعادها، وضاع بعضها فلم يصل إلى الخلف ، ولعله يكتشف في زوایا بعض المكتبات الخاصة أو العامة في يوم من الأيام، ومن هذه الآثار:

  • الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع .
  • ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك بن أنس .
  • الغنية ، وهي فهرسة شيوخه .
  • مشارق الأنوار على صحاح الآثار .
  • کتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفی .
  • بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد.
  • الإعلام بحدود قواعد الإسلام .
  • مجموع نوازلة التي جمعها ابنه محمد تحت عنوان “مذاهب الحكام في نوازل الأحكام”.

من مؤلفاته التي لم يعثر عليها:-

  • كتاب المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان، قال ابن خاتمة إنه في سفرين، وقال ابن جابر الوادي آشي وابن الخطيب: إنه لم يكمله.
  • مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور .
  • كتاب نظم البرهان.

وفاته:-

ذكر ابن خلكان في “وفيات الأعيان أن القاضي عياض السبتي توفي في سنة 544هـ في شهر رمضان، وقيل:  في جمادى الآخرة، وذلك بمدينة مراكش ببلده المغرب.

يُعتقد بانه توفيَّ في مراكش

اقرأ هنا الأندلس: قرون من الحروب المستعرة بين المسلمين والمسيحيين

المصادر:-

  • شمس الدين الذهبي : سيَرُ أعلامِ النُّبلاء، بيت الأفكار.
  • ابن خلكان: وفياتُ الأعيانِ وأنباءُ أبناءِ الزمان، دار صادر- بيروت
  • إدريس خليفة: القَاضي عيّاض وجهوده في الدفاع عن مذهب الإمام مالك، جامعة القروييين- تطوان
  • عماد الدين الأصبهاني :خريدةُ القصرِ وجريدةُ أهلِ العصرِ، الدار التونسية للنشر.

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى