أعلام

محمد بن داود الظاهري .. الفقيه الأديب المناظر

له بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يُقلِّد أحداً.

محمد بن داود الظاهري:-

محمد بن داود بن علي بن خلف، أبو بكر الأصبهاني المعروف بالظاهري، الفقيه، الأديب، المناظر، الشاعر، أصله من أصبهان، وُلِدَ في بغداد سنة 255هـ، وهو ابن الإمام داود الظاهري الذي يُنسَب إليه المذهب الظاهري، كان محمد بن داود الظاهري يلقب عصفور الشوك لنحافته وصفرة لونه.

الفقيه محمد بن داود الظاهري من مدينة أصفهان التاريخية
مدينة أصفهان التاريخية

مكانته العلمية:-

أحد من يضرب بمثله الذكاء، كان عالماً فقيهاً، أديباً شاعراً ظريفاً، وكان يُناظر أبا العباس ابن سُرَيْج، ولما توفي أبوه جلس ولده أبو بكر في حلقته، وكان على مذهب والده، فاستصغروه، فدسوا إليه رجلاً وقالوا له: سله عن حد السُّكْر، فأتاه الرجل فسأله عن السُّكْر: ما هو؟ ومتى يكون الإنسان سكران؟ فقال: إذا عَزَبَتْ عنه الهمومُ، وباح بسره المكتوم؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم، وعَظُمَ في أعين الناس.

مناظرته مع أبي العباس ابن سُريج :-

اجتمع يوماً ابن داود الظاهري وأبو العباس ابن سُرَيج في مجلس الوزير ابن الجرَّاح، فتناظرا في الإيلاء، فقال ابن سُرَيج: أنت بقولك: من كثرت لحظاته دامت حسراته؛ أبصر منك في الإيلاء، فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:

أُكَرِّرُ فِي رَوْضِ المَحَاسِـنِ مُقْلَتِـــــي .. وَأَمْنَعُ نَفْسِــي أَنْ تَنَالَ مُحَرَّمَــا

وَيَنْطِقُ سِرِّي عَنْ مُتَرْجَمِ خَاطِـــــرِي .. فلَـــوْلا اخْتِلاسِـــي رَدَّهُ لَتَكَلَّمَــا

رَأَيْتُ الهَوَى دَعْوَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِم .. فَمَا إِنْ أَرَى حُبّاً صَحِيْحاً مُسَلَّما

فقل له ابن سُرَيْج: وبم تفتخر عليَّ؟ ولو شئت أنا لقلت:

وَمُشَــــاهَدٍ بِالغُنْــجِ مِنْ لَحَظَاتِـــهِ .. قَــدْ بِتُّ أَمْنَعُهُ لَذِيْذَ سُبَاتِـــهِ

ضِنّــاً بِحُسْــنِ حَدِيْثِــهِ وَعِتَــابِـــــهِ .. وَأُكَـــرِّرُ اللَّحَظَاتِ فِي وَجَنَاتِهِ

حَتَّى إِذَا مَــا الصُّبْـــحُ لاحَ عَمُـــوْدُهُ .. وَلَّــى بِخَاتَــــمِ رَبِّهِ وَبَرَاتِـــــهِ

فقال أبو بكر: أيد الله القاضي، قد أخبر بحالة، ثم ادعى البراءة مما توجبه، فعليه البينة. فقال ابن سُرَيْج: من مذهبي أن المقر إذا أقر إقراراً ناطه بصفةٍ، كان إقراره موكولاً إلى صفته تلك؛ فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرَفْاً ولطفاً وفهماً وعلماً.

قال الذهبي: “قيل: كان ابن داود خصماً لابن سُرَيْج في المناظرة، كانا يَتَرَادَّانِ في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داود، حزن له، ونَحَّى مَخَادَّهُ، وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على ترابٍ يأكل لسان محمد بن داود”.

وقال ابن خَلَّكان: “يحكى أنه لما بلغت وفاته ابن سريج كان يكتب شيئاً فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته”.

شِعر محمد بن داود الظاهري:-

له شعر؛ منه قوله:

لكــلِّ امــرئٍ ضيـفٌ يُسَــــرُّ بِقُرْبِـــــهِ .. ومَـــا لي سوى الأحزانُ والهمُّ مِنْ ضيف

له مقلـــةٌ تـرمـي القـــلوبَ بأسهــــمٍ .. أشــدَّ مِنَ الضَّربِ المــدارك بالسَّيـــــف

يقول خليلي: كيف صبرُك بعدنا؟ .. فقلْتُ: وهل صبر فاسأل عــن كيـــــف

وحكى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا أنه حضر مجلسه؛ قال: فجاءه رجل فوقف عليه ورفع له رقعة، فأخذها وتأملها طويلاً -وظن تلامذته أنها مسألة- ثم قلبها وكتب على ظهرها وردها إلى صاحبها، فنظرنا فإذا الرجل علي بن العباس المعروف بـابن الرومي الشاعر المشهور، وإذا في الرقعة:

يـــا ابنَ داودَ يا فقيـــــهَ العــــراقِ .. أفتنـا في قواتلِ الأحداق

هل عليهــنَّ في الجـــروحِ قصـــاصٌ .. أم مباحٌ لها دمُ العُشَّاق

وكان جواب ابن داود الظاهري:

كيف يفتنُكـــم قتيـــلٌ صــــريعٌ .. بسهـــامِ الفــراقِ والاشتياق

وقتيـــلُ التَّــلاقِ أحســــنُ حـــالاً .. عنــدَ داودَ مِنْ قتيلِ الفراق

أقوال العلماء فيه:-

قال الذهبي: “له بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يُقلِّد أحداً”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وقال أبو محمد بن حزم: “كان ابن داود من أجمل الناس، وأكرمهم خلقاً، وأبلغهم لساناً، وأنظفهم هيئةً، مع الدين والورع، وكل خُلَّةٍ محمودةٍ، محبباً إلى الناس، حفظ القرآن وله سبع سنين، وذاكر الرجال بالآداب والشعر وله عشر سنين، وكان يُشاهَدُ في مجلسه أربعُ مائة صاحب مِحْبَرَةٍ”.

مصنفات محمد بن داود الظاهري:-

  1. الزُّهَرَة: صنفه في عنفوان شبابه وهو في الكُتَّاب، وهو كتاب أدبي، أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق.
  2. الوصول إلى معرفة الأصول.
  3. الإنذار والإعذار.
  4. التقصي.
  5. مختار الأشعار.
  6. الإيجاز في الفقه.
  7. البراعة.
  8. الانتصار على محمد بن جرير وعبد الله بن شرشير وعيسى بن إبراهيم الضرير.
  9. الفرائض.
  10. المناسك.

وفاته:-

توفي الفقيه محمد بن داود الظاهري يوم الاثنين، 9 رمضان، سنة 279هـ، وعمره 42 سنة، وقيل: توفي سنة 296هـ، وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي، رحمهما الله تعالى؛ وقد قال الذهبي: “وهو ممن قتله هواه”، فقد كان يعشق منذ أن كان في الكُتَّاب، فقد جاء عنه أنه كان يبيح العشق بشرط العفاف.

وَلد الإمام محمد بن داود الظاهري وعاش في بغداد وتوفي بها -رحمه الله-.
بغداد 1932 م

المصادر:

  • الأعلام (6/120).
  • البداية والنهاية (14/757).
  • سير أعلام النبلاء (13/109/رقم 56).
  • العبر في خبر من غبر (1/433).
  • معجم الأدباء (6/2527/رقم 1046).
  • وفيات الأعيان (4/259/رقم 604).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى