أعلامانفوجرافيكس

الفضيل بن عياض .. قاطع الطريق الذي تحول إلى زاهد

قال : "إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض عبداً وسَّع عليه دنياه"

الفضيل بن عياض:-

الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، أبو علي التميمي الطالقاني الفُنْدِيْني، الزاهد المشهور، لقب بـ “عابد الحرمين“، وُلِدَ في سمرقند (أوزبكستان)، سنة 107 هـ، ونشأ بأبيوَرْدَ.

الفضيل بن عياض وتوبته:-

كان ابن عياض أول حياته قاطعاً للطريق بين أَبِيْوَرْدَ وَسَرْخَسَ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]، فقال: يا رب قد آن، فرجع، وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح؛ فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام، فتاب الفضيل وآمنهم.

وُلد الفضيل بن عياض في مدينة سمرقند الشهيرة بمعالمها الدينية والتاريخية
وُلد الفضيل بن عياض في مدينة سمرقند الشهيرة بمعالمها الدينية والتاريخية

طلبه للعلم:-

قدم الكوفة شاباً وسمع الحديث بها عن: منصور، والأعمش، وعطاء بن السائب، وغيرهم خلق كثير، وروى عن: ابن المبارك، ويحيى القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم كثير.

ثم إن هارون الرشيد خيَّره بين المقام عنده وبين الذهاب إلى مكة المكرمة، فاختار الذهاب إلى مكة المكرمة وبقي فيها إلى أن توفاه الله تعالى.

زُهْد ابن عياض:-

كان ابن عياض يعيش من صلة ابن المبارك، ونحوه من أهل الخير، ويمتنع من جوائز الملوك، قال سفيان بن عُيَيْنَة: دعانا هارون الرشيد فدخلنا عليه، ودخل الفُضَيْل آخرنا مقنعاً رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، وأيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك لقد تقلدت أمراً عظيماً، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة، فكلٌّ قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها جائعاً أو اكس بها عارياً، فاستعفاه منها، فلما خرجنا قلت: يا أبا علي، أخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذ بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط، لو طابت لأولئك لطابت لي.

الخليفة العباسي هارون الرشيد

ويحكى أن الرشيد قال له يوماً: ما أزهدك! فقال الفضيل: أنت أزهد مني، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدنيا فانية والآخرة باقية.

سأله الرَّشيد يوماً وكان قد انقطع عنه: أعليكَ ديْن ؟، فقال الفضيل: دينٌ لربّي لم يُحاسبني عليه، والويلُ لي إن سألني، فقال الرشيد: إنَّما أعني ديْن العِباد، فقال الفضيل: إن رَبِّي عزَّ وجَل لم يأمرني بهذا، إنَّما أمرني أن أصدُق وعده، وأُطيع أمره إذ قال: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ“، فقال الرشيد : هذه ألفُ دينار، خُذها فأنفِقها على عيالك، وتقوَّ بها على ربِّك، فقال الفضيل: سبحان الله، أنا أدُلَّك على طريق النَّجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا، سلَّمَكَ الله ووفقك، فرأى الرَّشيد أن يبرَحَ مُتعجِّباً، ثم قال لصاحبه: “إذا دَلَلْتني على رجلٍ؛ فدُلَّني على مِثل هذا، وهذا سيد المسلمين”.

الفضيل بن عياض – من مقولاته:-

  • قال الفضيل يوماً لأصحابه: ما تقولون في رجل في كمه ثمر يقعد على رأس الكنيف فيطرحه فيه ثمرة ثمرة؟ قالوا: هو مجنون، قال: فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه، فإن هذا الكنيف يملأ من هذا الكنيف.
  • وقال: “لو أن الدنيا بحذافيرها عُرضِتْ عليَّ على أنْ لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه”.
  • من مأثوراته قوله: “إذا أحب الله عبدا أكثر غمه، وإذا أبغض عبداً وسَّع عليه دنياه”.
  • قال: “ترك العمل لأجل الناس هو الرِّياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك”.
  • قال: “إني لأعصى الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي”.
  • قال: “لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد”.
  • قال: “لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويُحسِّنَ خُلُقَه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره”.
  • قال: “من عرِف الناس استراح”.
صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي
صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي
  • قال: “لا يَزالُ الْعالِمُ جَاهِلاً بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فإذا عَمِلَ بِهِ كانَ عالِمَاً”.
  • وقال أيضاً: “إنَّمَا يُرادُ مِنَ العِلْمِ العَمَلُ ، وَالْعِلْمُ دَليْلُ العَمَلِ”.
  • وقال : “على النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّموا، فَإذا عَلِموا فَعَلَيْهِمُ العَمَلُ”.

كرامات الفضيل بن عياض:-

أورد الإمام الحافظ أبو القاسم الطبري الرَّازي الشافعي اللالكائي (توفي سنة 418 هجرية) مجموعةً من الكرامات التي حصلت مع ابن عياض بحضور من كان يشهد عليها، من أبرزها:

  • أخبرنا عبد الوهاب بن علي : ثنا عمر بن أحمد: ثنا محمد بن إبراهيم الحربي، ثنا أحمد بن علي الأبار، ثنا أبو بكر الأعين قال: “كان الفضيل بن عيَّاض جالساً وعنده رَجُل فقال له الرَّجُل: يا أبا علي أسمع منك همهمة، فمن تُكلِّم؟، قال: عُمَّار دارنا يسألون عن مسألة من أمر دينهم”.
  • أخبرنا أحمد بن محمد بن حسنون: أنا جعفر بن محمد بن نصير: ثنا أحمد ابن محمد بن مسروق، ثنا هارون بن سوار، قال: هَلَكَ حمارٌ للفضيل بن عيَّاض، وكان له حمار يستقي عليه الماء، فيأكل من فضله،، قال: فقيل له: قد هَلَكَ الحِمار، قال: فقَعَدَ في المِحراب، قال: ثم قال: قد أخذنا عليه مجامع الطرق، قال: فجاء الحِمار فوَقَفَ على باب المسجد.
  • أخبرنا بكر بن شاذان المقرئ: ثنا جعفر بن محمد بن نصير: ثنا أحمد بن محمد هو ابن مسروق: ثنا إبراهيم بن الجُنيد: ثنا أبو عبد الله الهروي إبراهيم بن عبد الله، قال: “كُنَّت مع الفضيل على أبي قُبيس (من جبال مكة المكرمة المشهورة)، فقال: لو أنّ الرَّجُلَ صَدَقَ في التوكُّل على الله عزَّ وجَل، ثم قال لهذا الجَبَل: اهتز لاهتز، قال: فوالله لقد رأيتُ الجبل اهتزَّ فتحرَّك، فقال: يا هذا، إني لم أعنِكَ رحِمَك الله، قال: فَسَكَن.

أقوال العلماء فيه:-

  • كان عبد الله بن المبارك رضي الله عنه يقول: “إذا مات الفُضَيْل ارتفع الحزن من الدنيا”.
  • قال ابن المبارك أيضاً: “ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض”.
  • قال عبد الصمد مَرْدَوَيْه الصائغ: قال لي ابن المبارك: “إن الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه”.
  • قال شريك القاضي: “فُضَيْل حجَّةٌ لأهل زمانه”.
  • قال ابن ناصر الدين: “إمام الحرم، شيخ الإسلام، قدوة الأعلام، حدَّث عنه الشافعي، ويحيى القطَّان، وغيرهما، وكان إماماً ربانياً، كبيرَ الشأن، ثقةً، نبيلاً، عابداً، زاهداً، جليلاً”.
  • قال الذهبي: “فُضَيل بن عياض ثقةٌ بلا نزاعٍ، سيِّدٌ”.
  • قال هارون الرشيد: “ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل”.

وفاته:-

توفي الفضيل بن عياض في مكة المكرمة، في شهر المحرم، سنة 187هـ.

توفي الفضيل بن عياض في الديار المقدسة
توفي الفضيل بن عياض في الديار المقدسة

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/152).
  • سير أعلام النبلاء (8/421/رقم 114).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/399).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/47/531).
  • هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد، محمد رجب البيومي.
  • كرامات الأولياء، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن الخلال أبو محمد، تحقيق أبو يعقوب المصري.
  • Image by falco from Pixabay
  • Image by Konevi from Pixabay

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى