أعلام

الفضل بن سهل .. الفلكي وصاحب الوزارة والسيف

جعله المأمون وزيراً وقائداً للجيش، ثم أمرَ باغتياله

الفضل بن سهل -اسمه ونشأته:-

الفضل بن سهل ، أبو العباس السرخسي ، وزير المأمون وصاحب تدبيره، وُلِدَ في سَرَخْس سنة 154هـ، كان مجوسياً فأسلم على يد المأمون بن هارون الرشيد سنة 190هـ، وقيل: إن أباه سهلا أسلم على يد المهدي.

كان يُلقَّب بذي الرياستين؛ لأنه تقلد الوزارة والسيف.

سيف مصنوع في بلاد فارس وموجود حالياً بمتحف الميتروبوليتان

الفضل بن سهل – فضائله:

كان الفضل بن سهل حازماً، عاقلاً، فصيحاً، من الأكفاء، وعندما عزم جعفر بن يحيى البرمكي على استخدام الفضل للمأمون، وصفه يحيى بحضرة الرشيد، فقال له الرشيد: أوصله إلي، فلما وصل إليه أدركته حيرة فسكت، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لاختياره، فقال ابن سهل: يا أمير المؤمنين، إن من أعدل الشواهد على فراهة المملوك أن يملك قلبه هيبة سيده، فقال الرشيد: لئن كنت سكت لتصوغ هذا الكلام فلقد أحسنت، وإن كان بديهةً إنه لأحسن وأحسن، ثم لم يسأله بعد ذلك عن شيء إلا أجابه بما يصدق وصف يحيى له.

مناصبه:

صاحب الفضل بن سهل المأمون بن هارون الرشيد قبل خلافته، فلما أصبح الأخير خليفة جعله وزيراً وقائداً للجيش.

براعته في علم الفلك:

كان الفضل بن سهل من أعلم الناس بعلم الفلك والنجوم، وأكثرهم إصابة في أحكامه، فلما عزم المأمون على إرسال طاهر بن الحسين إلى محاربة أخيه الأمين، نظر الفضل بن سهل في مسألته، فوجد الدليل في وسط السماء، وكان ذا يمينين، فأخبر المأمون بأن طاهراً يظفر بالأمين ويلقب بذي اليمينين، فتعجب المأمون من إصابة الفضل، ولقَّب طاهراً بذلك، وولع بالنظر في علم النجوم.

كان عالماً بأحكام النجوم

ومما أصاب الفضل بن سهل فيه من أحكام النجوم أنه اختار لطاهر بن الحسين حين سمي للخروج إلى الأمين وقتاً، فعقد فيه لواءه وسلمه إليه، ثم قال له: قد عقدت لك لواء لا يحل خمساً وستين سنةً، فكان بين خروج طاهر بن الحسين إلى وجه علي بن عيسى بن هامان، مقدم جيش الأمين، وقبض يعقوب بن الليث الصفار على محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين بنيسابور خمس وستون سنة، وكان قبض يعقوب بن الليث على محمد المذكور يوم الأحد لليلتين خلتا من شوال سنة 259هـ.

ومن إصاباته أيضاً ما حكم به على نفسه، وذلك أن المأمون طالب والدة الفضل بما خلَّفه، فحملت إليه سلة مختومة مقفلة، ففتح قفلها، فإذا صندوق صغير مختوم، وإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنه يعيش ثمانيةً وأربعين عاماً، ثم يُقْتَل ما بين ماء ونار، فعاش هذه المدة، ثم قتله غالب خال المأمون في حمام بسرخس.

يعتبرُّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في طليعة الخلفاء المسلمين الذين أبدوا اهتماماً غير مسبوق بالعلم، فضلاً عن الفلسفة والمنطق والمناظرات العلنية
المأمون لم يعجبه الشعبية التي حظي بها الفضل

مأثوراته:

مرض بخراسان وأشرف على التلف، فلما أصابته العافية جلس للناس، فدخلوا عليه وهنوه بالسلامة، فلما فرغوا من كلامهم أقبل على الناس وقال: “إن في العلل لنعماً لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها: تمحيص الذنوب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة”.

توقيعات الفضل بن سهل:-

  • كتب الفضل بن سهل لأخيه الحسن قائلاً: “أحمد الله يا أخي، فما يبيتُ خليفة الله إلَّا على ذكرك”.
  • وإلى طاهر: لخيرٍ ما اتضعت.
  • وإليه: لشرٍّ ما سَمَوتَ.
  • وإلى هرثمة وأشار عليه برأي: لا يُحَلُّ ما عَقَدتَ.
  • وفي قصَّة مُتظلّم، قال:” كفى بالله للمظلوم ناصِراً”.
  • وفي قِصَّة نقبِ بيت المال، قال: “يُدرَأ عنهُ الحدُّ إن كان له فيه سهم”.
  • ووقَّع إلى حاجبهِ: تمهَّل وتسهَّل.
  • وإلى صاحِب الشُّرطة، قال: “ترفَّق تُوفَّق”.
  • وإلى رجلٍ شكا غلَبَة الدَّين، قال: قد أَمَرنا لكَ بثلاثينَ ألفاً وسَنشفعُها بِمثلها، ليرغَبَ المستمنحون.
  • وإلى آخرَ شكَا إليهِ الدَّينَ أيضاً، قال: الدَّينُ سوءٌ يهيضُ الأعناق، وقَد أَمَرنا بقضائهِ.
  • وفي قِصَّة مُتَظَلِّم : طِب نفساً؛ فإنَّ اللهَ مع المَظلوم.
  • وفي امرئٍ قاتلٍ شَهِدَ عليه العُدُولُ فشُفع فيه، قال” كتابُ اللهِ أحَقُّ أن يُتَّبع”.

ما قيل فيه:

  • مدحه الشعراء، ومن ذلك ما قاله إبراهيم بن العباس الصولي:

لفضل بن سهل يدٌ.. تقاصرَ عنها المثل

فنائِلُها للغِنى.. وسَطْوَتُها للأجل

وباطِنُها للنَّدى.. وظاهرُها للقُبَل

  • وقال فيه أبو محمد عبد الله بن محمد:

لعمرُك ما الأشــرافُ في كُــلِّ بلدةٍ .. وإنْ عظُموا للفضلِ إلَّا صنائع

ترى عظماءَ النَّاس للفضـلِ خُشَّعــاً .. إذا ما بدا، والفضلُ للهِ خاشع

تواضــعَ لَمَّــــا زادَهُ اللهُ رفعَــــةً .. وكُــــلُّ جليلٍ عندَهُ متواضع

  • كان يقتفي أثر أجداده من الفُرس حتَّى في مظهرهِ الخارجي، وهنا يروي الجهشياري “أنَّ الفضْلَ بن سهل بن زاذا نفروخ (ذا الرياستين) كانَ يجلِسُ على كُرسِيٍّ مُجنَّح، ويُحمَلُ فيهِ إذا أرادَ الدُّخولَ على المأمون، فَلَا يزالُ يُحمل حتَّى تقعَ عين المأمونِ عليه، فإذا وقعت وضَع الكُرْسي، ونزَلَ عنهُ فمَشَى، وحُمِلَ الكُرْسي حتى يوضَعَ بين يدي المأمون، ثمَّ يسلِّم ذو الرياستين، ويعودُ فيقعُدُ عليه، وإنَّمَا ذهَبَ ذو الرياستين في ذلك إلى مذهب الأكاسِرَة، فإنَّ وزيراً من وزرائها كانَ يُحْمل في مِثْلِ ذلك الكُرسي، ويقعُد بين أيديها عليه، ويتولَّى حملهُ اثنا عشر رجُلاً من أولادِ المُلوكِ..”.

وفاته:

ازدادت رفعة الفضل وعظم شأنه، حتى ثقل أمره على المأمون، فدس عليه خاله غالباً المسعودي الأسود، فدخل عليه الحمام بسَرَخْس، ومعه جماعة، وقتلوه مغافصة، وذلك يوم الخميس، 2 شعبان، سنة 202هـ، وعمره ثمان وأربعون سنة.

ولما قُتِلَ مضى المأمون إلى والدته ليعزيها، فقال لها: لا تأسي عليه لا تحزني لفقده، فإن الله قد أخلف عليك منِّي ولداً يقوم مقامه، فمهما كنت تنبسطين إليه فيه فلا تنقبضي عني منه، فبكت ثم قالت: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحزن على ولد أكسبني ولداً مثلك؟!.

تعرف عليه أكثر هنا يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (5/149).
  • سير أعلام النبلاء (10/99/رقم 2).
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/10).
  • ضُحَى الإسلام، أحمد أمين.
  • العبر في خبر من غبر (1/264).
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/41/529).

https://images.metmuseum.org/CRDImages/aa/original/DP165780.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى