أعلام

الفضل البرمكي .. الفصيح الكريم القريب والمنكوب من الرشيد

قال: "ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز"

اسمه ونشأته:

الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك، أبو العباس البرمكي ، وُلِدَ 23 ذي الحجة، سنة 147هـ.

والبرامكة هم أعضاء أسرة فارسية مجوسية كانت تقوم على خدمة بيت النَّار في حقبة ما قبل الإسلام، وتعود في نسبها إلى جدَّها برمك والذي قال عنه ابن خلِّكان: “هو مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار، وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقَد فيه النيران، واُشتُهِرَ برمك وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم القدر عندهم، ولم أعلم أسلم أم لا”.

وبفضل وقوف الأسرة إلى جانب العباسيين في ثورتهم على الأمويين؛ فقد تقدَّم أبناءها في البلاط العباسي حتى نال أفرادها الحظوة والهيمنة في بداية عهد حُكم الرشيد الذي قلَّد عدداً من أبنائها لأبرز مناصب الدولة، وقد اشتهروا بالذكاء والفطنة والعلم والعمل، مع ميلهم لتبني الشعوبية، أي التقليل من شأن العرب مقابل الفُرس.

وتفيد بعض الروايات بأن البرامكة لم يعتنقوا الإسلام، فيما تذهب أخرى إلى غير ذلك.

صفات الفضل :

كان من أكثر البرامكة كرماً وجوداً، بالإضافة إلى بلاغته وفصاحته.

لكن السؤال الذي يطرحه بعض المؤرخين حول حقيقة كرمه، خصوصاً وإن إنفاقه وسخاءه على الشعراء والكُتاب وسواهم لم يكن من ماله الخاص، وإنَّما من خزينة الدولة.

كان شديد الكِبر، وحينما لامه أفراد محيطه على ذلك، أجابهم بالقول: إنَّه تشبَّه بعمارة بن حمزة مولى بني العباس في كِبره “حتى صَار لي خُلُقَاً لا يتهيأ لي مفارقته”، وقد وبَّخه والده على هذه السِمة قائلاً له: “إنَّ البُخل والجَهل مع التواضُع، أزين للرَّجُلِ من الكِبْرِ مع السَّخاء والعِلم”.

قرابته من هارون الرشيد:

وكان هارون الرشيد يدعو الفضل: يا أخي، فإنهما متقاربان في المولد، وكانت أم الفضل قد أرضعت الرشيد، واسمها زبيدة من مولدات المدينة، والخيزران أم الرشيد أرضعت الفضل، فكانا أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل:

كفى لك فضـــــــــلاً أنَّ أفضـلَ حــــرَّةٍ ..

غذتْكَ بثديٍ والخليفـــــةَ واحِــــدِ

لقد زِنْتَ يحيــى في المشـاهدِ كُلِّهـــــا ..

كما زانَ يحيى خالداً في المشاهِدِ

زهده وإذعانه للحق:

كان هارون الرشيد قد ولاه الوزارة قبل أخيه جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبت -وكان يدعوه يا أبت- إني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل لجعفر، وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكفنيه، فكتب والده إليه: قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت مقالة أمير المؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت عني نعمة صارت إليه، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه، فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه.

حيث ولد الفضل البرمكي
الشورجة – بغداد في العام 1932 – مكتبة الكونغرس

وكان هارون الرشيد قد جعله عاملاً له على خراسان، فتوجه إليها وأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه، ومضمون الكتاب أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى، وقال له: يا أبت، اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:

انصَبْ نهـــــــاراً في طِلاب العُلا ..

واصبرْ على فقدِ لِقاءِ الحبيب

حتَّى إذ الليــــــــــلُ أتى مقبلاً ..

واستترَتْ فيه وجوهُ العيوب

فكـــــــــــــــابدِ اللَّيلَ بما تشتهي ..

فإنَّمــــــــا اللَّيلُ نهارُ الأريب

كم مِنْ فتى تحسبُـــــهُ ناسكـــــــاً ..

يستقبلُ اللَّيــــــلَ بأمرٍ عجيب

غطَّى عليه اللَّيـــــلُ أستــــــــــارَهُ ..

فباتَ في لهوٍ وعَيْشٍ خصيب

ولَذَّةُ الأحمـــقِ مكشوفــــــــــــــــــةٌ ..

يسعى بها كُلُّ عدوٍّ رقيب

والرشيد ينظر إلى ما يكتب، فلما فرغ قال: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن انصرف من عمله.

يعتبرُّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في طليعة الخلفاء المسلمين الذين أبدوا اهتماماً غير مسبوق بالعلم، فضلاً عن الفلسفة والمنطق والمناظرات العلنية
حكم الرشيد مساحات شاسعة من العالم القديم انطلاقاً من مركزه على ضفاف دجلة

مناصب الفضل:

عمل وزيراً لهارون الرشيد، ثم حولها هارون إلى أخيه جعفر، وولاه خراسان سنة 178هـ، واستعمله على المشرق كله، وجعل أخاه جعفر على المغرب.

وفيما يلي بعضاً من المهام التي أوكلت له وبعض الأعمال التي قام بها:

  • ولاه الرَّشيد كور طبرستان وقومس وأرمينية وأذربيجان سنة 176 ه (792م)، حيث كلَّفه الخليفة العباسي بإخماد يحيى بن عبد الله بن الحسن هناك.
  • ضمَّ إليه الرشيد خراسان سنة 177 هـ/793 م، وخلال ولايته عليها؛ قضى على ثورة خراشة بن سنان الشيباني الخارجي في الدينور، وفتَحَ عدداً كبيراً من كُوَر طخارستان وكابل شاه ووشقان.
  • هزَم صاحب التُرك وفتح الطالقان، وبنى رباطاً في منطقة الراشت في أقصى حدود خراسان مع بلاد التُّرك لمنعهم من الإغارة على المسلمين.
  • بنى في خُراسان المساجد والرباطات، حيث يعتبر أول من أمَر بإضاءة القناديل في مساجد خراسان خلال شهر رمضان المبارك، في الوقت الذي هَدَم فيه جزءاً من معبد النوبهار في بلخ وأنشأه مسجداً مكانه.
  • بنى مسجداً جامعاً في بخارى وخصَّص لذلك أموالاً كثيرة.
  • أجرى إصلاحات على نظام الضرائب والرواتب في خراسان، وزاد أجور الجُند والقادة والكُتَّاب، وأسقط الضرائب عير المدفوعة عن كاهل أهل خراسان، وذلك بهدف كسب ودِّهم.
  • تولى ولاية أرمينية؛ فتعرَّض لهزيمة حينما غزا قلعة حمزين.
  • كلَّفه الرَّشيد بتربية ابنه الأمين.
  • أسند إليه الرَّشيد مهمة ديوان الخاتم ثم أحيلت إلى أخيه جعفر.

ما قيل فيه:

  • كان هارون الرشيد قد أكرمه غاية الإكرام، وأمر الشعراء بمدحه والخطباء بذكر فضله، فكثر المادحون له، ومدحه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بأبيات منها:

لو كان بيني وبين الفضل معرفــــــةٌ

.. فضل بن يحيى لأعداني على الزَّمن

هو الفتى المــــاجد الميمون طائـره ..

والمشتري الحمدَ بالغالي من الثَّمن

  • وقال الذهبي: “ولي أعمالاً جليلةً، وكان أندى كفاً من جعفر مع كِبْرٍ، وتِيْهٍ، له أخبار في السخاء المفرط، حتى إنه وصل مرة بعض أشراف العرب بخمسين ألف دينار”.
  • وقال ابن الأثير: “كان الفضل من محاسن الدنيا، لم يُرَ في العالم مثله”.

من أقواله:-

  • ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز.
  • قال: ” لو عَلِمتُ أنّ الماءَ يُنقِص مروءتي ما شربتهُ أبداً”، لذا لم يكُن يتناول الخَمْر.

مواقف: –

  • قال يحيى بن برمك : مُساءلة الملوك عن حالها من سجيَّة النَّوْكي (الحمقى)، فإذا أردْتَ أن تقول: كيف أصبحَ الأمير؟، فقُل : صبَّح الله الأمير بالنِّعمة والكرامة. وإذا كان عليلاً فأردتَ أن تسأله عن حاله، فقُل: أنزَلَ الله على الأمير الشِّفاء والرَّحمة، فإنَّ الملوك لا تُسأل ولا تشمّت ولا تكيّف، وأنشِد:

إنّ الملوكَ لا يُخاطَبونـــا ..

ولا إذا مَلُّوا يعاتَبونا

وفي المقالِ لا ينازَعونا ..

وفي العُطاسِ لا يُشّمَتُونا

وفي الخِطابِ لا يُكيَّفُونا ..

يُثنى عليْهم ويُبَجَّلونا

فافهم وصاتِي ..

لا تكُن مجْنونا

  • اعتلَّ الفضلُ بن يحيى، فكانَ إسماعيل بن صبيح الكاتِب إذا أتاهُ عائداً لم يزِد على السَّلام عليه والدَّعاء له، ويخفِّف على الجلوس، ثم يلْقَى حاجبَه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه، وكان غيره يُطيلُ الجُلوس، فلمَّا أفاقَ مِنْ عِلَّتِهِ؛ قال : ما عادني في عِلَّتي هذه إلَّا إسماعيل بن صبيح.

علاقته بالشعراء والكتَّاب:-

كما أشرنا في المقدمة؛ فإن كَرَم الفضل البرمكي كان بفعل قوة مركزه وموقعه الرسمي الذي أتاح له الفرصة للتحكم والتصرُّف في الموادر المالية العامة، وفيما يلي بعضاً من مظاهر بذخه على الشُّعراء والأدباء تحديداً.

  • قال الشاعر كلثوم بن عمرو التغلبي العتابي : “اجتمعنا على باب الفضل ابن يحيى البرمكي بأرمينية أربعة الآف رجل، يطلبُ كلٌ بأدب، وشِعر وكتابة وشفاعة”.
  • قال علي بن الجَهم: إن أباه كان مُعسراً، فتمكَّنَ من الوصول إلى الفضل، فروى له أشعار مجنون ليلى، فأجرى عليه رزقاً شهرياً وأجازه بثلاثين ألف درهم.
  • لحِقَ الشَّاعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي، الفضل بن يحيى أثناء خروجه من البصرة في فترة ولايته لخراسان وأرمينية، وقد نَظَمَ الأول كتاب كليلة ودمنة شعراً في أربعة عشر ألف بيت، فأجازه الثاني بمائة ألف درهم.
  • اتَّصَلَ الشَّاعر سلم الخاسر – المتوفى سنة 186 هجرية- بالفضل وغمره بالمديح، فأجازه على قصيدة واحدة بألف دينار.

سجن الفضل:

سجنه هارون الرشيد أيام نكبة البرامكة سنة 187هـ، وكان الفضل عنده ببغداد، فقبض عليه وعلى أبيه يحيى، وأخذهما معه إلى الرقة، فسجنهما وأجرى عليهما الرزق، واستصفى أموالهما وأموال البرامكة كافة.

وكان ينشد في سجنه هذه الأبيات:

إلى اللهِ فيمـــــا نالَنا نرفعُ الشَّكــــوى ..

ففي يدِهِ كشفُ المضرَّةِ والبلوى

خرجْنَا مِنَ الدُّنيا ونحنُ مِنْ أهلِهــــا ..

فلا نحنُ في الأمواتِ فيها ولا الأحيا

وكان الفضل البرمكي كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء، فعندما كانا في السجن لم يقدرا على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ الإبريق النحاس وفيه الماء فيلصقه إلى بطنه زماناً؛ عساه تنكسر برودته بحرارة بطنه؛ حتى يستعمله أبوه بعد ذلك.

وفاة الفضل:

توفي الفضل البرمكي في السجن في الرقة، في شهر المحرم، سنة 193هـ، ولما بلغ الرشيد موته قال: أمري قريب من أمره، وكذا كان.

المصادر:

الأعلام للزركلي (5/151).

سير أعلام النبلاء (9/91/رقم 29).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/423).

العبر في خبر من غبر (1/240).

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (4/27/527).

النهج الشعوبي لدى البرامكة، صالح رمضان، الموصل.

البرامكة ودورهم في الحياة العامَّة في الدولة العباسية قبل نكبتهم، هاني أبو الرُّب.

العقد الفريد لابن عبد ربه.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق