أعلامانفوجرافيكس

الفرزدق .. الشاعر النبيل المتقلِّب

كان يقال: "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس"

الفرزدق – التعريف بالشخصية:-

الشاعر همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية، أبو فراس التميمي البصري، شاعر من النبلاء، كنيته أبو الأخطل، ومعروف باسم « الفرزدق »؛ الذي يعني قطع العجين، واحدتها فرزدقة، وإنما لُقِّب به؛ لأنه كان جهم الوجه. وقيل: لُقِّب بالفرزدق؛ لغلظه وقصره. والقول الأول أصح؛ لأنه أُصيب بالجدري في وجهه ثم برأ منه، فبقي وجهه جهماً متغضناً.

البصرة التي ينتمي إليها الفرزدق
البصرة التي ينتمي إليها الفرزدق

كان أبوه غالب من خيرة قومه، ولأبيه مناقب مشهورة ومحامد مأثورة، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. وأما جده صعصعة بن ناجية، وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وكان عظيم القدر في الجاهلية، واشترى ثلاثين موءودة، منهن بنت لقيس بن عاصم المنقري، وفي ذلك يقول الفرزدق يفتخر به:

وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الـــوَائِدَاتِ..

وَأَحْــيَــا الوَئيــدَ فَلَـمْ يُــوأَدِ

نشأ الفرزدق في بيت كريم، مآثره ومفاخره لا تعد ولا تحصى، وكان لذلك أثر عميق فى نفسيته إذ كان يعتد بآبائه اعتداداً شديداً، كما كان يعتد بعشيرته وقبيلته، حتى إنه يعد أضخم صوت لتميم فى هذا العصر، وجعله ذلك يتمسك بمآثر أهله وكرمهم.

مكانته الشعرية:-

الفرزدق عظيم الأثر في اللغة، كان يقال: “لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس”. يُشبَّه بـ زهير بن أبي سلمى، وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإسلاميين.

كان الشاعر همام بن غالب شريفاً في قومه، عزيز الجانب، لا يُنْشِد بين يدي الخلفاء والأمراء إلا قاعداً، وأراد سليمان بن عبد الملك أن يقيمه فثارت طائفة من تميم، فأذن له بالجلوس!

قال شوقي ضيف: “أمضى حياته فى المديح والهجاء، وهو فى مديحه يتخلف عن الأخطل وجرير جميعاً؛ لما قدمناه من خشونة نفسه وصلابتها، وهو كذلك يتخلف عن جرير فى الهجاء؛ لأن نفس جرير كانت محملةً بمرارة مسرفة، إذ لم يكن له ما للفرزدق من شرف المحتد، فكان ينصب عليه وعلى غيره من مهجويه كالصقر الجارح، وهذه النفس الخشنة الصلبة للفرزدق جعلته لا يبرع فى الغزل … وكان جرير يتقدمه كذلك فى الرثاء، إذ كانت نفسه لينة رقيقة. والموضوع الذي يتفوق فيه الفرزدق على الأخطل وجرير، بل على جميع شعراء عصره، هو الفخر؛ إذ كان يعتد بآبائه وقبيلته اعتداداً لاحد له”.

ومن افتخاره بقومه قوله:

وَكُــنّا إِذا الجَـبّارُ صَعَّــــرَ خَــدَّهُ .. ضَرَبنــاهُ حَتّـى تَستَقيمَ الأَخــادِعُ

وَنَحنُ جَعَلنـــا لِاِبنِ طَيبَــةَ حُكـــمَهُ .. مِــنَ الرُّمحِ إِذ نَقعُ السَّنابِكِ ساطِعُ

وقال مفتخراً بقومه أيضاً:

بنو دارِمٍ قومي تَـرى حُجُزاتِهِــم .. عِتاقـــاً حَواشيها رِقاقــاً نِعالُـــها

يجرّون هُـــدّاب اليَمــانِ كأنَّهُــم.. سُيـــوفٌ جَلا الأطباعُ عنها صِقـالها

ومن الفخر أيضاً قوله:

إنَّ الَّذي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا..

بَيتــاً دَعـائِمُــهُ أَعَــزُّ وَأَطــوَلُ

ومن شعر الفرزدق في الغزل:

فَلَـم أَرَ مَنـــزولاً بِــهِ بَعــدَ هَجـعَــةٍ .. أَلَــذَّ قِـرىً لَولا الَّذي قَــد نُحاذِرُه

أُحـاذِرُ بَـوّابَيــنِ قَـد وُكِّـلا بِهـــا .. وَأَسمَـــرَ مِـن سـاجٍ تَـإِطُّ مَسامِـرُه

فَقُلــتُ لَهــا كَيفَ النُــزولِ فَـــإِنَّنــي .. أَرى اللَيلَ قَد وَلّى وَصَوَّتَ طائِـرُه

فَلَمّا اِستَوَت رِجلايَ في الأَرضِ نادَتا.. أَحَيٌّ يُـرَجّى أَم قَتيلٍ نُحاذِرُه

فَقُلتُ اِرفَعا الأَسبابَ لا يَشعُـروا بِنا.. وَوَلَّيتُ في أَعجازِ لَيلٍ أُبادِرُه

هُـما دَلَّتـاني مِن ثَمـــانينَ قــــامَةً.. كَمـــا اِنقَضَّ بازٍ أَقتَمُ الريشِ كاسِرُه

وفي قصيدة الفرزدق « وأطلس عسال وما كان صاحبا » حكى أنه نزل في بعض أسفاره في بادية، وأوقد ناراً، فرآها ذئب، فأتاه فأطعمه من زاده، وأنشد:

وَأَطلَسَ عَسَّالٍ وَما كانَ صاحِبــاً.. دَعَـــوتُ بِنـاري موهِــناً فَأَتانــي

فَلَمّـا دَنـا قُلتُ اِدنُ دونَـكَ إِنَّنـي.. وَإِيّــاكَ فـي زادي لَمُشــتَرِكــانِ

فَـبِتُّ أُسَـــوّي الــزادَ بَينـي وَبَينَـــهُ.. عَـلــى ضَـوءِ نـارٍ مَــرَّةً وَدُخانِ

فَقُلـتُ لَــهُ لَمّـا تَكَشَّــرَ ضـاحِكـاً.. وَقائِـمُ سَيفـي مِـن يَـدي بِمَكـانِ

تَعَــشَّ فَـــإِن واثَقتَني لا تَخونَنـي.. نَـكُــن مِثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطَحِبانِ

وَأَنتَ اِمرُؤٌ يا ذِئبُ وَالغَدرُ كُنتُما .. أُخَـيَّيـنِ كـانــا أُرضِعـا بِلِبـانِ

نالت قصيدة الفرزدق ( وأطلس عسال وما كان صاحبا ) شهرة واسعة ، فقد وصف فيها كيف أن ذئب أطلس اللون أتاه يعسل راغباً في الحصول على شيء من زاده
نالت قصيدة الفرزدق ( وأطلس عسال وما كان صاحبا )

ومات للفرزدق ابن صغير، فصلى عليه، ثم التفت إلى الناس وقال:

ومـا نحـن إلَّا مثلهـم غـير أنَّنــا..

أقمـنا قليـلاً بعدهـم وترحَّلــوا

فمات بعد ذلك بأيام قليلة.

جرير والفرزدق:-

اختلف أهل المعرفة بالشعر من العلماء في الفرزدق وجرير والمفاضلة بينهما، والأكثرون على أن جريراً أشعر منه، وكان بينهما من المهاجاة والمعاداة ما هو مشهور، وقد جمع لهما كتاب يسمى «النقائض»، وهو من الكتب المشهورة، وقد شرحه معمر بن المثنى في كتاب سمَّاه «شرح نقائض جرير والفرزدق».

وكان جرير يهجو الفرزدق في شعره، ومن ذلك ما جاء بقصيدته الرائية:

وَكُنْتَ إِذا حَلَلْتَ بِدارِ قَـــومٍ ..

رَحَـلْتَ بِخِزيَةٍ وَتَرَكْتَ عارا

 فصادف بعد ذلك أن الفرزدق نزل بامرأة من أهل المدينة، وراودها عن نفسها؛ بعد أن كانت قد أضافته وأحسنت إليه فامتنعت عليه، فبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه -وهو يومئذ والي المدينة- فأمر بإخراجه من المدينة، فلما أُخرِجَ وأركبوه ناقته لِيُسفِّروه قال: قاتل الله ابن المَرَاغَةِ -يعني جريراً- كأنه شاهد هذا الحال.

عمر بن عبد العزيز .. الحاكم الأموي العادل
عمر بن عبد العزيز .. الحاكم الأموي العادل

نوادر الفرزدق:-

  • كان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه، وله في مفاخر أبيه أشياء كثيرة، فما جاءه أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه؛ فمن ذلك ما حكاه الْمُبرِّد في كتاب «الكامل» أن الحجاج بن يوسف الثقفي لما ولَّى تميم بن زيد القيني بلاد السند دخل البصرة، فجعل يُخْرِج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت: إني استجرت بقبر أبيك، وأتت منه بحصيات، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه، ولا قرة لعيني ولا كاسب عليَّ غيره، فقال لها: وما اسم ابنك؟ فقالت: خنيس، فكتب إلى تميم:

تميم بن زيد لا تكــوننَّ حـــاجتــي .. بظهـــرٍ فلا يعــيا علـيَّ جــوابها

وهب لي خنيساً واحتسب فيه منَّةً.. لِعَــبْرَةِ أُمٍّ ما يســوغ شرابها

أتتني فعـاذت يــا تمــيم بغــالبٍ.. وبالحفرة السَّـافـي عليها تـربها

وقـد علـم الأقـــوام أنَّــك ماجــدٌ .. وليــثٌ إذا ما الحرب شبَّ شهابها

فلما ورد الكتاب على تميم تشكَّك في الاسم؛ فلم يعرف أخنيس أم حبيش؟ ثم قال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا، فأصيب ستة ما بين خنيس وحبيش، فوجه بهم إليه.

  • قال الفرزدق يوماً: “أنا أشعرُ النَّاسِ عند النَّاس، وقد يأتي عليَّ الحين وقَلعُ ضرسٍ عندي أهونُ من قولِ بيت شعر”.
  • في يوم ما؛ قرَّب الفرزدق رأسَ بغلته من الماء، فقال له جرنفش السدوسي المشهور بكونه أحد المجانين : نحِّ رأسَ بغلِتك حلق الله شأفتك!، قال الفرزدق: لماذا عافاك الله؟، قال: لأنَّك كذوب الحنجرة زاني الكمرة، فصاحَ الشاعر: يا بني سدود، فاجتمعوا إليه، فقال: سوِّدوا الجرنفش عليكم، فما رأيتُ فيكم أعقلَ منه.
  • ذُكِر أن رجلاً أتى الفرزدق الشاعر الكبير، فقال إنِّي قُلتُ شِعراً فانظُرهُ، قال أنشِد، فقال:

ومنهُم عُمر المحمودُ نائلـــهُ ..

كأنَّمـا رأسُـه طينُ الخواتيـمُ

فَضَحِكَ الفرزدق، ثُمَّ قال: يا ابن أخي، إن للشِّعر شيْطانين، يُدعى أحدهما الهَوْبر والآخَر الهَوجل؛ فمَن انفَرَدَ به الهوبر جاد شعره وصحَّ كلامه، ومن انفرَدَ به الهوجَل فَسد شِعره؛ وإنهما قد اجتمعا لكَ في هذا البيت، فكان معك الهوبر في أوله فأجدْتَ، وخالَطَكَ الهوجل في آخره فأفسدت.

ويضيف الفرزدق في سياق حديثه عن كبار شعراء العربية قائلاً: وإنَّ الشِّعرَ كانَ جَمَلاً بازلاً عظيماً فنُحِر، فجاء امرؤ القيس فأخَذَ رأْسَه، وعمرو بن كلثوم سنَامه، وزهير بن أبي سلمى كاهله، والأعشى والنابغة الذبياني فخذيه، وطرفة بن العبد ولبيد بن أبي ربيعة كِرْكَرته، ولم يبقَ إلَّا الذِّراع والبطن، فتوزَّعناهما بيننا. ويلحظ تقدير الفرزق لشعراء الجاهلية المذكورين أعلاه وإن كان من بينهم من أدرك الإسلام مثل لبيد بن أبي ربيعة.

الشخصية الجاهلية للفرزدق:-

  • الفرزدق وإن تشبَّع وتروَّى بتعاليم الإسلام، وله كثير من لحظات النجوى والخوف والأمل، بيد أنه كان لا يزال يحِنُّ إلى عوالم الجاهلية، يُحيي آثارها ويتغنّى بأمجادها، فقد كان يُجير على قبر أبيه غالب ومن كان يحتمي به يحميه، وله قصائد كثيرة في ذكر قبر أبيه، يتمطَّى بها ويتمادى، وهو يزعم أن أباه هو الميت الوحيد الذي ينهض من قبره وهو ميتٌ ويُطعم الأحياءَ وهم أحياء.
  • كان ينحر النياق على القبورِ على عادة الجاهليين، وقد فعلها مراراً وتكراراً، ومرَّة فعلها على قبر صديقه بشر بن مروان مذكي أوار الشِّعر في عصره، ذلك أن الفرزدق كان أعزُّ في الجاهلية بقومه الأدنين وقبيلته، وحينما أُسِّسَت الدولة الأموية؛ فقد أحسَّ شاعرنا وإن كان ابن أبيه وجدَّه ومن إليهما؛ إلَّا أنه عاد تابعاً، وهو يأنف أن يكون كذلك، ويريد دوماً أن يكون متبوعاً، ويريد أن يُنتمى إليه.
  • ولئن كان الفرزدق زاهياً بمآثر قومه؛ بيد أنه كان يُحني رأسه عند الحاجة والضرورة، وتلحظ في شعره فقدان عنجهيته، ليتحول إلى شاعر ينظُم القصائد في أبناء عبد الملك بن مروان، حيث كان يتجشَّم عذاب السفر وأهواله للوصول إلى دمشق للتملِّق في بلاط الخليفة.
  • هو الشيء ونقيضه، يعتو حتى تميد الأرض والسماء وكل سبع الأرض وجوارح السماء دونه، ثم يتهافت ويتضاءل ويتعثر ليبدو على أبواب الخلفاء وكأنه غثاءة ولعاعة.
  • تناقضات الفرزدق لا يمكن إخفاءها؛ فهو الذي امتدح الحجَّاج مراراً وارتدَّ عليه إثر موته، كما أنه هَرَب من زياد بن أبيه وامتدح أبناءه وهجا قتيبة بن مسلم الباهلي حين ثار بخراسان على يد سليمان بن عبد الملك، وامتدَحَ يزيد بن المهلَّب بعد أن كان قد هجا والده.

وفاة الفرزدق:-

توفي الشاعر همام بن غالب « الفرزدق » في البصرة، سنة 110هـ، وقد ناهز المئة، وكانت وفاته قبل جرير بأربعين يوماً، وقيل: بثمانين يوماً، ومات في هذه السنة الحسن البصري وابن سيرين، فقالت امرأة من أهل البصرة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه في سنة؟

لكلِّ امرىءٍ نفسانِ نفسٌ كريمةٌ.. وأُخْرى يُعاصيها الفتى ويُطيعُها

ونفسُـكَ من نفسَيْـكَ تشفــعُ للنَّــدَى.. إذ قلَّ مِنْ أحرارهِنَّ شفيعُهـا

الفرزدق

المصادر:

  • الأعلام (8/93).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (2/265).
  • شرح ديوان الفرزدق، ضَبَطَ معانيه وشروحه ، إيليا الحاوي.
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.
  • سير أعلام النبلاء (4/590/رقم 226).
  • الشعر والشعراء (1/462/رقم 86).
  • طبقات فحول الشعراء (2/298/رقم 389).
  • معجم الأدباء (6/2785/رقم 1212).
  • معجم الشعراء (486).
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي.
  • وفيات الأعيان (6/86/رقم 784).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى