نوادر العرب

الفراهيدي ورفيقه والمرأة الفصيحة

كان للخليل بن أحمد الفراهيدي صديقٌ يكنَّى أبا المُعلى مولى لبني يشكر، وقد كان أصلع شديد الصَّلَع، فبينما هو والخليل عند قصر أوس (بالبصرة ويُنسب أوس بن ثعلبة ابن زفر بن وديعة بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة الذي وُلِّي خراسان في عهد الأمويين) إذ مرَّت بهما امرأة يقال لها أمُّ عثمان من ولد المُعارك بن عثمان ومعها بناتٌ لها، فقال: أبو المعلى للفراهيدي: يا أبا عبد الرحمن، ألا نُكلِّم هذه المرأة؟، قال: ويحك! لا تفعل، فإنَّهُن أعدُّ شيءٍ جواباً، والقولُ إلى مثلك يُسْرِع.

فجلس يَتَرَوَحَّنَ فقال لأُمِهِنّ: يا أمَة الله، ألَكِ زوجٌ؟، قالت: لا والله ولا لواحدة مِنا، قال: فهل لكُنَّ في أزواج؟، فقالت: وَدِدْنا والله.

قال: فأنا أتزوَّجكِ ويتزوَّجُ هذا إحدى بناتِك، فقالت له: أمَّا أنت فقد ابتلاك الله ببلاءين: أمَّا أحدهما فإنَّه قد قَرَعَ رأسك بِمِسحاة، وجعل لكَ عِقْصَةٌ في قفاك بيضاء، فكأنَّما صارت في قفاكَ نُخامة، فَبَلَغَ من نُوكك أنَّكَ خَصبْتَها بِحُمرة، فلو كُنتَ إذا ابتُلِيتَ خَضَبْتَ بسوادٍ فَغَطَّيْت عَوارَك هذا الذي أباده منك! ثم قالت له: أظُنكَ من رَهْطِ الأعشى، فقال لها أبو المعلى: أنا مولى لبني يشْكُر، قالت: أفتروي بيت الأعشى:

وأنكَرَتْني ومــاكان الذي نَكِرَتْ ..من الحوَادِث إلَّا الشَّيْب والصُّلعــا

فما بقي بعد هذا الموتُ إلَّا هُزالا، ثم التفتَت إلى الخليل فقالت: من أنتَ يا عبد الله؟، فقال: أنا الخليل بن أحمد، كُفِّي رحمكِ الله! فقد والله نَهَيْته عن كلامِك وحَذَّرته هذا!.

فقالت: أمَـا إنَّكَ قد نَصَحْت له، أما عَلِمَ هذا الأحمق إن النساء يَخْتَرْن من الرَّجال المُسْحُلانيِّ المَنْظَرانيَّ المَخْبراني، الغَلِيظ القَصَرة، العظِيم الكَمَرة، الذي إذا طَعَنَ فأصابَ حَفَر، وإذا أخطأ قَشَر، وإذا أخرجه عَقَر، فضحِكَ الخليل، ثمَّ قامت ومعها بناتها يتهاديْنَ، فتمثَّل أبو المعلى بقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

فَتَهَـادَيْنَ وانْصَرفْنَ .. ثِقـالَ الحَقـائِبِ

فقالت : يا أحمق، أما تدري قول الشَّاعر في قومك؟، قال: لا ، فقالت: قال:

ويَشْكُر لا تستطيع الوفـاء ..وتَعْجِز يشكر أن تَغْدِرا

وإني أُقسِم بالله لو كان لكل واحدة منا من الأخراج بعدد ما أهْدَى مالكٌ العُكْلي إلى عَمْرة بنت الحارث النُّميري، ما أعطيناك ولا صاحبكَ منها شيئاً.

فقال الخليل: نَشَدْتُكَ بالله، كم كانت الهدِية التي أهدادها العكلي إلى النميرية؟، قالت له: أراك حاذقاً بالتجميش قليل الرواية للشِّعْر، ثم أنشدتْهُ قول العُكلِيّ:

هدِيَّتِي أُختَ بني نُمَيْر ..

لِحِرْكِ يا عَمْرة ألفُ عَيْرِ..

في كلِّ عير ألف كُرِّأيْر

فقال الخليل: أما إنه قد قصَّر! أفلا جَعَلَ لاسْتِها بعضَ الهدية ولم يَدَعْها فارغة!، قالت: قد أشْفَق على هديته أن تحترق، إلم تَرْوِ بيتَ جرير حيث يقول:

ولو وُضِعَتْ فِقَاحُ بني نُمَيْرٍ ..على خَبَثِ الحديد إذاً لَذَابا

فقال الخليل لأبي المعلى:

نَصَحْتُكَ يا محمد إنَّ نُصْحِي ..رَخِيصٌ يا رفيقي للصَّديق

فلم تَقْبَلْ وكم مِنْ نُصْح وُدّ ..أُضِيعَ فَحَادَ عن وَضَحِ الطريق

ثم انصرَفَت المرأة وبقي الخليل وأبو المعلي متعجِّبين منها ومن ذَرَابة لسانها وسُرعة جوابها.

المصدر:-

أبو علي القالي ، الأمالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى